حديث في الكتب مع بول أوستر: الأعشاب البرية في الغرب كتابي المفضل

حديث في الكتب مع بول أوستر: الأعشاب البرية في الغرب كتابي المفضل

ترجمة: نجاح الجبيلي

بول أوستر.. كاتب أميركي ولد عام 1947 من أشهر رواياته "ثلاثية نيويورك-1987" و"موسيقى الصدفة-1990" "حماقات بروكلن-2005"

* ما الكتب التي توجد الآن على منضدتك؟

- حالياً هناك كتابان- طبعة مكتبة أميركا للمقالات المجموعة والروايات المبكرة والقصص لجيمس بالدوين. حتى الآن لم أقرأ أي كتاب لبالدوين منذ المدرسة الثانوية (منذ وقت طويل بافتراض أني تخرجت في 1965) ولأن الرواية التي عملت عليها كان أغلبها يدور في الخمسينيات والستينيات كنت منغمساً بحكم الواجب فيها كي أحصل على نظرة أخرى. وسرعان ما تحول الواجب إلى متعة ورهبة وإعجاب. بالدوين كاتب رائع في كلا الجبهتين، الخيالية وغير الخيالية، وسوف أضعه ضمن عظماء القرن العشرين.لا بسبب صراحته وشجاعته فحسب، بل أيضاً بسبب مجاله العاطفي الضخم (من الغضب الفائر حتى الرقة الأشد حساسية) لكن أيضاً لنوعية الكتابة نفسها و رقة جمله المنحوتة. نثر بالدوين ما أدعوه "الأميركي الكلاسيكي" في المعنى نفسه التي يكون فيه ثورو كلاسيكياً وفي أفضل أعماله اعتقد بأن بالدوين متساو تماماً مع ثورو في أفضل أعماله. بشكل كافٍ وغريب أنهيت قراءة كتابين لأكثر من سنتين لكنهما ما زالا على منضدتي الليلية. لا أستطيع أن أعرف السبب- فقط أحب أن أراهما هناك. الأمر يريحني.

* ما آخر كتاب عظيم قرأته؟

- كتاب"نساء ينظرن إلى رجال ينظرون إلى نساء" وهو مجموعة واسعة وجذابة من المقالات كتبها سيري هوستفد لكن بما أني صادف وأن تزوجت بسيري دعني أقدم اختياراً آخر:"أوريو" رواية لفران روس نشرت لأول مرة في مطبعة صغيرة عام 1974

استقبلت روس بانتباه قليل ثم سقطت أعيد إصدارها من قبل دار نشر "نيو دايركشن" عام 2015. من المؤسف أن روس توفت في الخمسين عام1985. يا لها من تحفة صغيرة رائعة هذه الرواية، حقاً إنها أحدى الروايات الأشد متعة ومرحاً وذكاءً التي عثرت عليها في السنين الحالية، عمل أصيل تماماً كتب بلغة مدهشة تمر ما بين النثر الأكاديمي الراقي واللهجة السوداء واليديشية إلى أقصى تأثير. يجب أن أضحك عالياً مئات المرات وإنه لكتاب موجز مجرد أكثر من 200 صفحة تعادل ضحكة مدوية في كل صفحة أخرى.

* ما أفضل رواية كلاسيكية قرأتها مؤخراً لأول مرة؟

- "إلى المنار" لفرجينيا وولف. قرأت العديد من الكتب لوولف حين كنت في الثامنة عشرة (الأمواج، أورلاندو) لم أحبها كثيراً وعبرتها خارج قائمتي لمدة 51 سنة قادمة. يا لها من غلطة حمقاء. رواية "إلى المنار" واحدة من أجمل الروايات التي قرأتها. لقد نفذت داخلي وجعلتني أرتجف وجعلتني باستمرار على حافة البكاء. موسيقى جملها الطويلة اللولبية والعمق المفهوم لإحساسها والإيقاعات البارعة لبنائها هي في غاية التأثير بالنسبة لي إذ أنني قرأتها ببطء ما أمكنني، وأمر على الفقرات ثلاث أو أربع مرات قبل أن انتقل إلى الجملة التالية.

* ما الكتاب المفضل لديك الذي لم يسمع به أحد من قبل؟

- "الأعشاب البرية في الغرب" وهو دليل مصور يتكون من 628 صفحة مؤلف من قبل 40 مختصاً بالأعشاب البرية ونشرته الجمعية الغربية لعلم الأعشاب الغربية. الصور الفوتوغرافية الملونة رائعة حين نتصفحها، لكن ما أحببته أكثر في الكتاب هو أسماء الأعشاب البرية نفسها. هناك المئات منها، والمتعة الخالصة في قراءة أسمائها بصوت عال بالنسبة لي لن تخفق في رفع مزاجي. إنها شعر الأرض الأميركية.

* ماذا تقرأ حين تعمل على تأليف كتاب ما؟ وما نوع القراءة التي تتجنبها حين الكتابة؟

- لا أقرأ الروايات حين أشتغل في تأليف رواية- فقط بعد أن أنتهي وقبل ان أبدأ شيئاً جديداً- ما عدا الشعر والتاريخ والسير، فهي مقبولة مع كتب تساعدني على البحث في عدة أمور لها علاقة بالكتاب الذي أؤلفه. الحقيقة إني أقرأ أقل مما كنت أقرأه حين كنت صغيراً ولأن الصراع من أجل كتابة مؤلفاتي يمكن أن يكون مستهلكاً (جسدياً وعقلياً)، غالباً ما أنهار على الأريكة بعد العشاء، أشغل التلفزيون وأشاهد "المتس" (خلال موسم البيسبول) أو الأفلام القديمة على قناة تي سي أم مع سيري (التي هي تعبة من عملها كما أنا). في رأيي المتواضع أن التقدم الأكبر في الحياة الأمريكية، على مدى العشرين سنة الماضية، تكمن في اكتشاف تي سي أم (وهي بمثابة سينماتيك نوعية في غرفة نوم كل فرد) والطابع البريدي الذاتي اللصق.

* ما الكتاب الذي سيندهش الناس من وجوده في رفوف مكتبتك؟

- "الإنكليزية كما يجري التكلم بها:الدليل الجديد للحديث في البرتغالية والإنكليزية" لبدرو كارولينو المنشور في أميركا عام 1883 مع مقدمة لمارك توين. كما يصفه توين:"لا أحد يستطيع الإضافة إلى هذا الكتاب اللامعقول" وفعلاً هو سخيف- دليل للإنكليزية المكتوبة من قبل شخص ليس لديه الفهم الأكثر تهلهلاً للغة. أكثر من مئة صفحة مليئة بجمل مثل:"لديك هناك مكتبة معتبرة كثيراً، إنها دليل على حبك للمعارف" أو "لا شيء أسهل من السباحة. لا يتطلب الأمر أن تخاف". الكتاب دادائي خالص وكما كتب توين: " خلوده مضمون".

* ما الكتاب الأفضل الذي تسلمته كهدية؟

- "القصص المجموعة لإسحق بابل" الذي أهدي لي بمناسبة بلوغي السابعة عشرة. لقد فتح باباً في عقلي، وخلف ذلك الباب وجدت الغرفة إذ رغبت أن أقضي بقية حياتي.

* من الشخصية والشخصية المضادة الروائيتين المفضلتين لديك؟

- دون كيخوته وراسكولينيكوف.

* ما نوع القارئ الذي كنته كطفل؟ وما القصص الطفولية والمؤلفون الذين التصقوا بك؟

- لديّ ذكريات حية مع "بيتر رابيت" وهو كتاب كانت أمي تقرأه لي العديد من المرات. وكذلك مجموعة من ثلاثة مجلدات لهانس كرستيان أندرسون. حين كنت في التاسعة أو العاشرة أعطتني جدتي ستة مجلدات لروبرت لويس ستيفنسون التي ألهمتني في البدء بكتابة القصص التي تبدأ بجمل متألقة مثل:" في سنة ملكنا 1751 وجدت نفسي أرتجف بشكل أعمى في عاصفة ثلجية غاضبة محاولاً أشق طريقي عائداً إلى بيتي القديم". الكتاب الأول الذي اشتريته بمالي الخاص. "الحكايات الكاملة لقصص أدغار آلان بو" (مودرن لايبرري جينت) في عمر 10 أو 11. أول شغف أدبي كبير: شرلوك هولمز لدويل. خطأ الشباب الأكبر: شراء الكتاب الثاني. بوريس باسترناك الذي فاز تواً بجائزة نوبل للأدب، وفجأة كان الأديب الذي كثر حوله الجدل في العالم. ولكي أعرف كل هذا الضجيج اشتريت نسخة من دكتور جيفاكو حين كنت في الحادية عشرة والنصف من عمري. صفحة واحدة منها أدركت بأني لا أستطيع أن أفهمها, إنها تتجاوز قابلياتي في ذلك الوقت إذ أنني تركتها. إلى حدِّ اليوم لم أقرأ "دكتور جيفاكو" العديد من قصائد باسترناك خلال سنوات، لكن ولا مرة عدت مرة أخرى إلى الرواية.

* ما الشخصيات الثلاثة، الحية أو الميتة، التي ستدعوها إلى حفلة العشاء الأدبية التي تنظمها؟

- دكنز، دوستويفسكي وهوثورن.

* ما الكتاب الذي شعرت بعدم الميل له بسبب خيبة أملك فيه أو كونه مبالغاً في تقديره أو مجرد أنه غير جيد؟

- لا يعني أني لم أحب "هكلبري فن" في الواقع أود القول بأن الثلث الأول من الرواية هي من أفضل الأمور التي قرأتها لكاتب أميركي وبسبب هذا الجزء اللامع فإن كل فرد تقريباً يشاركني الرأي.

لكن بعد الخروج من هذه البداية المثيرة فإن توين يضع المخطوطة جانباً ولم يرجع إليها لسنوات. الثلث الثاني للرواية ما زال جيداً وغالباً ممتازاً (المشاهد المشهورة لهك وجيم على النهر مع كل تلك الشخصيات النابضة بالحياة) لكنها لا تحتوي على العمق والأصالة للثلث الأول. ثم هناك الثلث الأخير وما أن يدخل توم سوير القصة حتى يتداعى الكتاب.إنه مراهق جداً في النغمة والروح والمزحة القاسية التي يؤديها جيم تبدو مناقضة لكل شيء يأتي سابقاً.