بول أوستر رائد الرواية النيويوركية ببعدها الوجودي والعبثي.. ابتكار العزلة  أطلقته عالمياً وترجم إلى 40 لغة وأثره كبير في السرد الجديد

بول أوستر رائد الرواية النيويوركية ببعدها الوجودي والعبثي.. ابتكار العزلة أطلقته عالمياً وترجم إلى 40 لغة وأثره كبير في السرد الجديد

مارلين كنعان

توفي عن عمر جاوز الـ77 سنة، الكاتب والروائي والشاعر والمخرج الأميركي الكبير بول أوستر (1947-2024)، المعروف برواياته الواقعة على مفترق العبثية والوجودية والقصص البوليسية وشخصياتها الهامشية التائهة على دروب الحياة، والمنغمسة في الوقت عينه في الأوضاع السياسية العالمية الراهنة.

رحل صاحب "قصر القمر" و"في بلاد الأشياء الأخيرة" و"ثلاثية نيويورك" المؤلفة من "مدينة الزجاج" و"الأشباح" و"الغرفة الموصدة" و"ابتكار العزلة" و"ليلة التنبؤ" و"يوميات شتوية" و"لوياثان" وروايته الأخيرة "بومغارتنر" وغيرها من الكتب التي تُرجمت إلى أكثر من 40 لغة وعلى رأسها الفرنسية التي استقبلته أيما استقبال. فالروائي النيويوركي يتقن لغة موليير وهو واحد من الكتّاب المفضلين لدى الفرنسيين، وأقام في باريس أربعة أعوام هرباً من حرب فيتنام. فيها تعرّف إلى زوجته الأولى ليديا دايفيس، أم ابنه دانيال الذي توفي عن 44 سنة بعد تعاطيه جرعة مخدرات زائدة، وفيها نقل أشعار أبولينير ومالارميه وبعض السورياليين وكتابات جان بول سارتر وجورج باتاي إلى اللغة الإنجليزية.

غير أنه سرعان ما عاد لنيويورك المدينة الصاخبة وأحيائها التي ألهمت معظم رواياته منذ أيام الدراسة في جامعة كولومبيا، ثم تفرغه للكتابة بعد وفاة والده عام 1979.

كانت رواية "ابتكار العزلة" المستوحاة من سيرته الذاتية التي نشرها في 1982 أول نجاحاته، لكن منطلقه الفعلي إلى العالمية يعود بصورة رئيسة لرواية "مدينة من زجاج" وهي أول جزء من الثلاثية النيويوركية التي أصدرها في كاليفورنيا عن دار نشر صغيرة عام 1985 ووصلت بسرعة قياسية إلى لائحة الكتب الأكثر مبيعاً. في هذه الرواية طرح أوستر سؤال الهوية على طريقة الشرطة والمحققين، واستهلها بمكالمة هاتفية وردت في منتصف الليل لبطلها كوين، كاتب القصص البوليسية الذي يعيش في قلب مدينة نيويورك وهذيانها المفتوح على اللقاءات غير المنتظرة والمادية المفرطة المتعارضة مع الهمّ الميتافيزيقي، والذي ستقوده إلى عيش مغامرة تفوق الخيال تمتزج فيها السخرية الكافكاوية بالإثارة الهيتشكوكية. ثم أتبعها برواية رسائلية "في بلاد الأشياء الأخيرة" التي تصف العالم من وجهة نظر فتاة تدعى آنا بلوم تركت عائلتها الثرية ورفاهيتها وركبت البحر بحثاً عن أخيها الصحافي الذي ذهب في مهمة صحافية ولم يعُد. في هذه الرواية يصف أوستر بلاداً تموت ببطء، تنهش لحوم مواطنيها وتُفتّت عظامهم، ثم تعيد تدوير أجسادهم كوقود على طريقة معسكرات الموت النازية. كما وصلت روايته التي أصدرها عام 2017 "1234" إلى لائحة "البوكر" القصيرة. تقع هذه الرواية في ألف صفحة تعجّ بالخيال التأملي والافتراضات الوجودية الباحثة في الدروب المختلفة التي يسلكها كل فرد منا في حياته. فمن خلال شخصية آرتشي فيرغسون الذي تتقاطع مسارات حياته مع حياة بول أوستر نفسه، يأخذنا السرد إلى حيوات أربع، مختلفة ومتشابهة في الوقت عينه، يعيشها آرتشي أو كان يمكن أن يعيشها، في محاولة من الراوي لاستكشاف "الحياة الافتراضية" التي يقرّرها القدر والصدف، وهما في عرف أوستر ما يحرّك البشر وارتكز عليهما في كل نتاجه الأدبي بوصفهما الحقيقة الحياتية ا

نال بول أوستر كذلك في فرنسا جائزة "ميديسيس" للرواية الأجنبية عن كتابه "لوياثان" عام 1993 الذي تناول فيه قصة بيتر آرون الذي قرأ في الجريدة خبر وفاة صديقه بنيامين ساكس في حادثة انفجار قنبلة عن طريق الخطأ كان يقوم بتصنيعها إلى جانب سيارته. فيتوقع زيارة المحققين الفيدراليين، علماً أنه لم يفاجأ بهذه النهاية الحزينة لصديقه الذي ولد في السادس من آب (أغسطس) 1945 يوم أُلقيت على مدينة هيروشيما القنبلة الذرية. فيقرر أن يستعيد في نص سردي حياة بنيامين ساكس التي امتدت 40 سنة والتي مارس خلالها كصديقه مهنة كتابة القصص الخيالية، إذ غالباً ما تكون شخصيات روايات أوستر كتّاباً أو محققين يفقدون مثله زوجة أو ابناً. يخبرنا الكتاب أن بنيامين ساكس وضع في حياته رواية واحدة حاول فيها تقليد كل الأساليب الكتابية، ليس لإظهار مهاراته السردية فحسب، بل لعدم قدرته على اختيار أسلوب واحد أيضاً...

سؤال الهوية

يعيد أوستر في هذه الرواية أيضاً طرح مسألة الهوية والحيوات التي كان يمكن لإنسان ما أن يعيشها والتي نهل في معالجتها من سيرته الذاتية المطعمة بسيَر الآخرين، ومن ثقافته الكلاسيكية الواسعة وانغماسه في الراهن السياسي وأسئلته الحرجة، وما عنوانها إلا إحالة إلى الكتاب المقدس ووحشه البحري الوارد ذكره في كتاب المزامير ونبوءة أشعياء وسفر أيوب والذي أصبح مع الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس مرادفاً للسلطة السياسية المطلقة، وأصبح في الرواية التي يكتبها بنيامين ساكس عنواناً لعمله الجديد. لكن الصدف ستقود هذا الرجل بعيداً من همّ الكتابة إلى قتل أحدهم دفاعاً عن النفس، ليكتشف أن ضحيته ربّ عائلة وأن في سيارته حزماً من الدولارات، فيقرر عندها الاهتمام بعائلة هذا الأخير، غير أن الظروف تحوله إلى إرهابي يزرع متفجرات أمام نصب عدة تستعيد تمثال الحرية النيويوركي يرفقها برسائل ضد سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي نستكشف تطورها منذ الحرب العالمية الثانية ومشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية في مزيج جميل يتداخل فيه الحاضر بالماضي والتلاعب بالزمن وتنظيمه.

كان مبرّر كتابة هذه الرواية اكتشاف ما يمكن للأدب قوله في تعقيدات الحياة وصدفها وألغازها الأبدية وهشاشتها التي يغوص الراوي في تفاصيلها منشئاً بينه وبين القارىء تواطؤاً يستلزم في الدرجة الأولى صبراً طويلاً لملاحقة الأحداث، بغية إظهار بعض ما في النفس البشرية من خفايا ونزوات وانطباعات مختلفة.

يعالج بول أوستر إذاً هذه المواضيع كلها بلغة بسيطة شعرية شديدة التأني، متقطعة وحذرة أحياناً، تحول القارئ إلى متلصص يختلس النظر إلى أحداث وفضاءات سردية تلامس معظم جوانب الحياة الإنسانية في تشظياتها الكثيرة. ولعله في معالجته لسؤال الصدفة والاحتمالات الوجودية العارضة التي غالباً لا يتوقف عندها الأدب أو لم يجرؤ أحد قبله على التطرق إليها وتناول مواضيعها وثيماتها في هيكليات سردية تبدو في ظاهرها بسيطة، غير أنها في باطنها غاية في التعقيد، يجعل أوستر منها سلّماً معنوياً، يرتقي به نحو الدرجات العليا للوجود.

تتقاطع كتابة بول أوستر في بنيتها السردية مع الاستطرادات والأوهام والشعر والأحداث السياسية وأسماء الأبطال المحورة، الحاملة في طيّاتها تحيات مضمرة ورسائل مشفّرة وألغازاً، يشكل فهمها مفتاح قراءة عالم روائي عصيّ على الإحاطة والتصنيف، على رغم تراصه والتفافه على نفسه بإحكام، "كائن حيّ صغير وغريب من الأجزاء المتشابكة" يحاول مجاراة أحداث الحياة والإسراع في تدوينها موغلاً في الماضي، منفتحاً على الحاضر واحتمالاته كما في رائعته "تقرير من الداخل" المؤلفة من شذرات وبقايا من سيرة يلملمها الراوي كتناثر حبات العقد المنفرطة التي يعيد التقاطها ونظمها لتستعيد رونقها الأول على رغم عبثيّتها والتي كثيراً ما عالجها أوستر انطلاقاً من الواقع والخيال الذي افتقده في موته المتوقع بعد إصابته بمرض السرطان.

كانت حياة بول أوستر مليئة بالصدف اللامتناهية التي قامت بدور كبير في مسيرته والتي أعاد بناءها بعد زواجه الثاني من الكاتبة سيري هوستفيدت وإنجابه ابنته صوفي، مع استمراره بكتابة روايات وسيناريوهات أفلام ورسائل مهمة كتلك التي تبادلها مع الروائي والمترجم الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للآداب جون ماكسويل كوتزي والتي تناولت مواضيع الصداقة والرياضة والمال والكتابة ودولة إسرائيل وصموئيل بيكيت والشيخوخة والعزلة والموت وغيرها من المواضيع المعنية بانقضاء الزمن وانسيابه وتآكله، وبالصُدَف كما في روايته الفلسفية الأخيرة "بومغارتنر" الصادرة في نهاية العام الماضي التي عالجت موضوع الحياة في المجتمع الأميركي ومدنه الكوزموبوليتية العملاقة وجنسيات سكانها المختلفة، المأهولة إلى جانب أرستقراطييها وبورجوازييها، بأناس مهمشين يصف أوستر تفاصيل يومياتهم الواقعة بين حدَّي الطموح والمعاناة والخيبات والنجاحات... فبومغارتنر الأميركي السبعيني ذو الأصل اليهودي مثل بول أوستر نفسه الذي تتمحور حوله الرواية، هو أستاذ جامعي متألق وباحث في مجال الفلسفة. يعيش قضية فقدانه لزوجته التي اختفت بصورة مفاجئة قبل تسعة أعوام، تاركة إياه في وحشة حادة وصراع وجودي مرير. لكن مسار الحياة يجب أن يستمر وعلى بومغارتنر التعامل معه، فيبدأ بناء علاقة مع امرأة تدعى جوديث تشكل علاقته بها ذريعة للغوص عميقاً في ثنايا الذاكرة وللتساؤل عن الحب والموت والفقدان وقدرة الإنسان على النهوض من رماده من خلال شخصيات تعيش بيننا بنزقها وكذبها وعشقها وشذوذها وضياع أحلامها في خضم فوران مدينة تلتهم الجميع.

تظهر في هذه الرواية جميع الخيوط السردية العزيزة على قلب بول أوستر الأديب العميق والجريء والمتنوع في مواضيع كتاباته وانشغالاتها التي يقاربها من زوايا مختلفة تعكس نظرته المتعددة إلى العالم ومجتمعاته السفلية التي لا يهتم بوجودها أحد.

من دون أدنى شك، سيفتقد القراء في أنحاء العالم شتى هذا الروائي الكبير وغزارة قلمه الرصاص الذي لم يبارح جيبه أبداً منذ أن بدأ بكتابة حكاياته وقصصه الآسرة التي اختلطت فيها السهام المصوبة ناحية مشكلات الوجودية بالسرديات، وتداخل فيها الواقع بالمتخيل واتحد معها المؤلف حتى أصبحت حياته متعددة في زمان ومكان عقد نصوصه في لعبة مرايا خففت من ثقل الواقع، فأخذت القراء إلى مطارح ومواضيع لم يألفوها من قبل.

· عن الاندبندنت عربية