فؤاد التكرلي يكتب عن الجوانب الفنية عند خالد القصّاب

فؤاد التكرلي يكتب عن الجوانب الفنية عند خالد القصّاب

هذا كتاب ثمين ونادر، من تلك الكتب التي لا تعثر عليها في المكتبات؛ ذلك أن خصوصية محتواه لا تسمح بأن يباع كما تباع بقية الكتب العادية. لقد حصلت عليه بصدفة سعيدة؛ حين دعاني الصديق الأستاذ نجدت فتحي صفوة لزيارة رواق الأورفه لي في عمان لاحياء ذكري الفنان الدكتور خالد القصاب و لمشاهدة بعض اللوحات الفنية و الاطلاع علي الكتاب الذي طبع تخليدا لهذا الفنان العراقي.

ذهبت و زوجتي في ذلك المساء المنعش من ايام الخريف العمانية الي الرواق الجميل.

اقتنينا بسرور كتاب د. القصاب اول دخولنا و حملناه معنا خلال تجوالنا للتمتع بالنظر الي اللوحات الرائعة التي مثلت جانبا مهما من جوانب التطور الفني للرسم العراقي. كان الأصدقاء في القاعة، بقلوبهم الحارة، يجعلون الصالة دافئة و مليئة بالحبور. أثناء تجوالنا في القاعة الفسيحة نتطلع الي اللوحات الفنية التي كانت تسجل تاريخ الفن التشكيلي العراقي منذ بدايته علي يد الفنان عبد القادر الرسام، لاحظنا جمعا من الزوار محتشدا حول عدد من خلصاء الفنان د. خالد، يتحدثون عنه كل من وجهة نظره الخاصة. قبل أن ننصرف قمنا بجولة أخري، شملت هذه المرة جانبا من الرواق كان مغلقا علينا بحشودالأصدقاء، و اّنذاك بزغت أمام بصري لوحة للقصاب سماها حياة جامدة رسمها سنة 2004. ربطتني في الحال علاقة حميمة بتلك اللوحة؛ و كان بودي أن أقف أمامها ساعات وساعات. غير أني لم استطع التملي منها كما أحببت و دفعت بعيدا عنها رغما عني. الكتاب الذي يضم ذكريات فنية للدكتور خالد القصاب، جاء في مائتي صفحة من الورق الصقيل الأبيض، بطباعة أنيقة نفذت في دار الحكمة بلندن. لقد احتوي الكتاب علي ملحقين: الملحق الأول بعنوان حول النخل و السدر. رحلة الفن و العلم، و الملحق الثاني يحتوي علي العديد من الصور الفوتوغرافية للفنان و أصدقائه في بعض المناسبات الماضية. و الكتاب هو بمقدمة لصديق الفنان الأستاذ نجدت فتحي صفوة و تحرير الأستاذة مي مظفر.

في وسط الكتاب تتألق عشر صفحات بألوانها الجميلة التي يحتويها عالم الفرح. انها صور أمينة بألوانها الي حد معقول لعشرين لوحة من انتاج الفنان القصاب. و لكم ملأت قلبي غبطة لامحدودة و أنا أجد لوحتي المفضلة حياة جامدة 2004 في اّخر صفحة من تلك الصفحات الاشراقية المذهلة. و قبل أن أبدأ بعرض موجز لما احتواه هذا الكتاب الآسر، أود أن أثبت هنا بأني أحد الذين عاشوا تلك المرحلة المزدهرة من تاريخ العراق الثقافي التي سعيت جهدي لابرازها للعيان علي حقيقتها، و أني من المتبقين القلائل الذين يشعرون بأن عليهم أن يرفعوا أذرعتهم عاليا مشيرين بفخر الي تلك الشمس التي غابت علي حين غرة. الكتابة، غالبا، نافذة يفتحها لنا الكاتب لنطل علي دواخله؛ قد نفاجأ مرة بظلمات دامسة تتراكم علي بعضها، وقد ندهش مرات أخري بالكون المضيء الذي ينكشف أمامنا. كتاب د. القصاب، و رغم اعترافه بأنه ليس كاتبا بل رساما، يغمرنا تلقائيا بروحه الصافية و بأفكاره الشفافة و بمحبة سرية تتجه من ذات الفنان الي كل من حوله من بشر و أماكن و طبيعة. كل هذا يجعل قراءة الذكريات الفنية، ليس متعة متواصلة فحسب، بل هي درس في التعامل مع العالم الخارجي و مع الأصدقاء ومع الفن و مكانته. أما بالنسبة الي، ككاتب عاش المرحلة بشكل آخر و وعي ملامح تلك النهضة العجيبة التي مرّ بها العراق أوائل العشرينات و حتي نهاية الخمسينات، فقد كان هذا الكتاب بلسما لجرح الفقدان الذي ينبض في أعماقي دائما. لقد انتهي كل شيء، الا أن من العدالة أن نقول و أن نصر علي القول بأن شمس الحضارة و النهضة العراقية الفذة ارتفعت في كبد سمائنا يوما ما. يبدأ د. خالد القصاب كتابه محاولا أن يرجع بذكرياته الي الطفولة، الا أنه عبر سريعا تلك الفترة. انه من عائلة كريمة معروفة في بغداد، تسنم أفرادها الكثير من المناصب العالية و المشرفة في الدولة و لعبوا أدوارا مهمة في تاريخ العراق السياسي.

وبالنسبة للفنان القصاب الذي تنثال ذكرياته بسهولة من مكان لآخر و من زمان لآخر، مماجعل تقديمها كما يجب مهمة شاقة علي، وهي آخر الأمر، يجب أن تقرأ بنصها لاستكمال الفائدة و المتعة. ما سيطر عليّ حقيقة و ملك مشاعري هذه العلاقات الرفيعة المستوي المبنية علي التفاهم و الاحترام التي أقامها الفنان في بدايته الفنية. د. القصاب بدا لي معجبا اعجابا ثابتا لم يتغير بكل من فائق حسن و جواد سليم. و لكم كان علي حق في ذلك. حديثه عن زياراته لبيت فائق حسن في العلوازية و اجتماعه بالأصدقاء هناك و رسمه لشخصيات العديد منهم، سحرتني كثيرا، وهي في الواقع وثائق من الصعب العثور علي مثيلاتها. ان الزيارات المتعددة التي قام بها الفنانون لاكتشاف معالم وطنهم و رسمها، من شمال العراق حتي جنوبه، مختارين ليس المناظر الساحرة التي كانت تلفت نظرهم فحسب، بل الشخصيات المحلية ذات السمات المميزة؛ انما هي أساس كل نهضة فنية شمولية و أصيلة و صادقة. لقد انتمي الي هذا الحشد من الفنانين التشكيليين، أصدقاؤهم من محبي الموسيقي الكلاسيكية ومن المهندسين المعماريين ذوي النزوع الفني، فمنحوا الحشد بعدا آخر أكثر سعة و تطلعا الي الحضارة الحديثة. و كان طبيعيا أن تتكون الجماعات الفنية و أن تلتمّ علي بعضها لتقوي علي مواجهة المستقبل؛ فتشكلت جماعة الرواد و جماعة بغداد للفن الحديث و جمعية الفنانين التشكيليين و جماعة الآنطباعيين و جمعية أصدقاء الفن و غيرها. ان هذا الجمع من الفنانين الذين ظهروا في بداية تأسيس الدولة العراقية الفتية، لم تسندهم قبل ذلك عناصر ثقافية أو ماض حضاري متصل أو تراث فني غني؛ بل هم ظهروا و مارسوا نشاطهم علي حين غرة، بعد سبات طويل دام مئات السنين، كلكل بظله الأسود الثقيل علي تلك الأرض الطيبة.. أرض الرافدين. تلك نهضة تشبه أعاجيب الطبيعة و لا سبب ظاهريا أو منطقيا يمكن أن يفسرها.

و لم يتوقف ذلك الطابور الغريب من الفنانين: بدءا بعبد القدر الرسام و فائق حسن و جواد سليم و أكرم شكري و عطا صبري و محمد غني حكمت و اسماعيل الشيخلي و شاكر حسن آل سعيد و خالد الجادر و خالد القصاب و حافظ الدروبي و رشاد حاتم و خالد الرحال و استمرارا بنزار سليم و نزيهة سليم و عيسي حنا و محمود صبري و محمد زكي صالح و زيد صالح و آخرين و آخرين ما زالوا، لحسن الحظ، في قمة انتاجهم الفني أمثال ضياء العزاوي و محمد مهر الدين ورافع الناصري و راكان دبدوب، و لن أنسي المرحوم كاظم حيدر. هذا الجمع المتألق كان مسنودا في مسعاه الفني من قبل معماريين متميزين من أمثال محمد مكية و جعفر علاوي و رفعة الجادرجي و سعيد علي مظلوم ومدحت علي مظلوم و قحطان المدفعي. هذه الظاهرة الحضارية تقلب، في نظري، موازين علم الآجتماع و تضع طاقة الانسان الذاتية في المقدمة و قبل كل شيء؛ وهي نهضة سبق لها أن قامت في فلورنسا ـايطاليا القرنين الثتني عشر و الثالث عشر. ان أهمية كتاب د. خالد القصاب تكمن في أنه شهادة عالية الدقة و موثقة بالأسماء و التواريخ و الأماكن تثبّت حقيقة هذه الأعجوبة العراقية الفنية. لقد رصد المؤلف ـ هذا الفنان الحساس ـ معالم في الحياة العراقية ذات دلالة كبيرة. أول تلك المعالم ذلك النص الذي ألقاه جواد سليم ذات مساء من أوائل 1951عام باعتباره كلمة افتتاح للمعرض الأول لجماعة بغداد للفن الحديث. لقد أورد النص بكامله، مسجلا بذلك أهميته القصوي لتلك المرحلة الخصبة. ثاني تلك المعالم ما كتبه خالد القصاب ـ هذا الانسان المتألم و الحزين و المرتبك ـ في حزيران 2003، تعليقا علي الاجتياح الأمريكي للعراق: (في الوقت الذي أكتب فيه هذه المذكرات، تزول عن بغداد هذه المعالم الجميلة ضحية القنابل الذكية و الغبية، وتشتعل فيها النيران. فوزارة التخطيط تصاب بالصواريخ وتحرق، و كذلك بناية وزارة الخارجية التي صممها المعماري سعيد مظلوم علي شكل زقورة. ثم بنابة مركز الاتصالات في السنك و بناية المجلس الوطني و كلاهما من تصميم رفعة الجادرجي. ووزارة المالية علي طريق محمد القاسم السريع و التي صممها المعماري قحطان المدفعي، و كذلك بيت والدي الذي صممه المعماري الحلبي بدري قدح في أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين. و قصف أيضا البيت الأبيض المجاور له وهو من تصميم جعفر علاوي و فيه أقمنا معرضنا الأول معرض الرواد عام 1950. احترقت بغداد و أبنيتها، كما نهبت متاحفها و كنوزها الأثرية و تحول الكثير من تراثها الي فحم و دخان أسود يغطي سماءها الصافية.) و في الملمح الثالث اذ يقلب المؤلف صفحة الفن ليعطي رأيه في رجل قلب مستقبل العراق يقول عن عبد الكريم قاسم: (وجدته بغداديا في صفاته، متواضعا، حاد الذكاء، غير طامع بغني و محبا للنكتة؛ وهو لا يتقن اللغة السياسية و لا يدرك خفاياها. لم يتمكن من خلق قاعدة حزبية قوية له تمكنه من الوقوف أمام التيار اليساري أو اليميني، و اعتمد بصورة رئيسية علي ضرب فئة ضد أخري، فانجرف في متاهات أدت الي انهيار حكمه). و هكذا وفبل أن أجد نفسي مقسرا علي انهاء حديثي عن ذكريات الفنان خالد القصاب الممتعة و الموجعة، لا بد لي أن أريح مشاعر ي و أنسي بأن كل شيء قد اندثر، في تأملات شخصية بحتة عن تلك اللوحة المتفوقة حياة جامدة 2004. انها قبل كل شيء، عمل فني خارج من أتلييه ماتيس؛ فهذا الانسجام اللوني المعقد فيها، لا يقدر عليه الا من كان يملك مقدرة ذلك الفنان الفرنسي العظيم. ان الخلفية التي تحتضن القوارير المشبعة بألوان تتبادل الهارموني فيما بينها، تمنح اللوحة اشعاعا غريبا يجعلها تبدو كأنها نافذة علي الفردوس. ماذا رأي الفنان بروحه وهو ينجز تلك اللوحة الأعجوبة؟ لقد كان يتطلع الي جنته الشخصية المتسمة بالانسجام اللوني و بالاستقرار و الثبات و بالحقيقة.

·سبق لهذا المقال ان نشر في المدى