من تاريخ الحركة المسرحية.. من رواد المسرح في الموصل في العشرينيات

من تاريخ الحركة المسرحية.. من رواد المسرح في الموصل في العشرينيات

د. عمر الطالب

ولد عبد المجيد شوقي البكري في الموصل عام 1897، ودخل الابتدائية في العهد العثماني، وتخرج من المدرسة الاعدادية عام 1914، وسافر الى اسطنبول لاكمال دراسته فاتخذ المنتدى الادبي منزلاً له بدلالة صديقه علي الجميل، فدخل فيه واصبح من منتسبيه،

وقامت الحرب العالمية الاولى فأكمل البكري دراسته في مدرسة سلطانية وعاد الى الموصل، وعمل معلماً في المعارف التركية ثم في عهد الاحتلال، ثم دخل دار المعلمين العراقية وعين عام 1922 مديراً لمدرسة دار النجاح، وانضم الى النادي الادبي الذي قام بتقديم المسرحيات لمنفعة المدارس المسائية. وشارك البكري في تأسيس جمعية البر الاسلامية وجمعية الشبان المسلمين ودرس علوم الدين على عبد الله النعمة وحصل على اجازة الارشاد بالطريقتين القادرية والرفاعية، وجمع الاسرائيليات من كتب التفاسير ورد على اليهود فألف كتباً عدة: كتاب البشرية وابو البشر، قصة الطوفان عروببية ابراهيم، بين مدين والاردن، مملكة آل داود، الكرد والكردية فرعان من العرب والعربية، المسفوكان الدم المسفوك والعرض المسفوك، ذو القرنين التبعي، ام اللغات وعلم الاشتقاق والمقابلات القومية العربية، المعركة الحاسمة مع اليهود متى تكون، الوحي والتنزيل(17) وتوفي عام 1968، إشتغل عبد المجيد شوقي مع رؤوف الغلامي في خدمة الحركة القومية وبقي في التعليم حتى احيل على التقاعد وبعد الاحتلال الانكليزي للعراق

أنشأ الادباء في مدينة الموصل ندوة ادبية اطلقوا عليها اسم مقهى الحمراء الذي اصبح بصفة رسمية النهل السائغ لرواد الأدب ومأوى للوطنين ومعهداً عاماً لسائر افراد الأمة في مختلف الطبقات، ووسع رؤوف الغلامي هذا النادي بتأسيس ناد آخر سماه (نادي الانتباه العربي) وتأسس ناد آخر في بغداد يحقق نفس الهدف بأسم (المعهد العلمي) الذي اسسه ثابت عبد النور، ومن هذين الناديين انبثقت حركة مسرحية واسعة في الموصل وبغداد، وخطا النادي الادبي في الموصل خطوة مهمة في التأليف والتمثيل المسرحي،واستمدت موضوعات هذه المسرحيات من اهم احداث التاريخ العربي والاسلامي لنبعث روح اليقظة القومية في نفوس الشبان وتطلعهم على سير اجدادهم الماضين وتشكلت لجنة ادارية للتمثيل عام 1921قوامها خمسة اشخاص من اعضاء نادي الانتباه العربي هم (محمد رؤوف الغلامي، وحسيب السعدي، وفاضل الصيدلي، واسماعيل فرج، عبد المجيد شوقي البكري) وقررت لجنة ادارة التمثيل، تمثيل مسرحية (فتح عمورية) اولاً وعهدت الى عبد المجيد شوقي وضع هذه المسرحية والى فاضل الصيدلي نظم الاشعار، ومثلت عام 1922، كما مثل اعضاء نادي الانتباه مسرحيتي (فتح الاندلس، وشهداء الوطنية الهولنديين) بعد تغيير طابعها الى طابع عربي، وعهد الى فاضل الصيدلي وضع الاشعار اللازمة لها. وتمخضت هذه الحركة عن مسرح وليد استمد موضوعاته من التراث القومي بحيث تناسب الوعي الجديد محاكية بذلك المسرح العربي في مصر ولبنان وظهرت مسرحيات ذات موضوعات مقتبسة من التاريخ الاسلامي ومن حياة العرب ومثلهم العليا، وتلونت هذه المسرحيات بإبراز الهدف الاخلاقي والدعاية للمثل العليا، كما اهتمت باجتذاب الجمهور الذي ألف ما في القصص الشعبي من مغامرات وما لاسلوبهما من الوان موسيقية كالأناشيد والمقطوعات الشعرية التي يوضع لها الحوار، وقال لي عبد المجيد شوقي في لقاء ثقافي معه في اواسط الستينات (لم يكن القصد من المسرحيات التي قدمناها الهدف التثقيفي فحسب بل الحصول على المال لادامة حياة النادي الأدبي، لأنه كان محتاجاً الى المال وموشكاً على الافلاس في الوقت الذي كانت فيه السلطات البريطانية المحتلة والقوى الرجعية والمرجفون له بالمرصاد يريدون زوال النادي واهله).

قدم مسرحية فتح عمورية في مارت 1920 واعتمد على تاريخ ابن الاثير معجم البلدان واخبار الدول وآثار الاول وكتب اخرى، وقام برسم خمس ستائر للقصر الروماني، واخذ الرسم من تاريخ احمد فريق الجزء الثالث صفحة 445، قصير (باز بلقيا ادليبا) والثانية للقصر العباسي اخذها في رسم واجهة احد أعمدة الاسود في قصر الحمراء في الاندلس، واللوحة الثالثة لمعسكر المعتصم ومخيماته امام مدينة عمورية، والرابعة للسجن، والخامسة امام حصن عمورية رسمتها حسب الوصف التاريخي قطعاً من الصخور والاخشاب، وجاء تمثيل فتح عمورية متقناً رائعاً وقد اعاد تمثيلها اربع مرات. واجتمع نفس الممثلين عام 1925 ومثلوا مسرحية (ابو مسلم الخرساني)، وفي عام 1926مثلنا مسرحية (هارون الرشيد والبرامكة)، وجميع هذه المسرحيات لم تدخل فيها عناصر نسائية بل راعينا الناحية البطولية والاخلاقية والتذكير بالمجد العربي والعز الاسلامي والتنديد بالتسلط الاستعماري).

وقد غلب الاتجاه التاريخي على رواد التأليف المسرحي في الموصل،ومن الواضح أن الاديب لا يستطيع الاستعاضة بالحوار عن الرواية والسرد ليؤلف مسرحيه بالمعنى الفني، بل لابد له ان يعيد تشكيل مادته الأولية والتأليف بين عناصرها بحيث تكون وحدة متماسكة غير مفككة لها بداية ونهاية، بحيث تتفاعل تلك الاحداث بعضها مع بعض وتنمو وتتطور لتحدث في النهاية اثراً نفسياً معيناً من غير تناقض او تضارب ولا تفكك، وفي حرص ان تبدو المسرحية مرآة لقطاع محدود من الحياة الحاضرة او الماضية، وان يكون للأدب هدف في اختيار القطاع المحدد تتخذه وسيلة للتعبير عن مشكلة تشغلها و تشغل مجتمعه او تشغل الانسانية كلها، وهو في معالجته لموضوع تاريخي لابد ان يختار ويبرز من الاحداث ما يلائم هدفه وان يترك في الظلال مالا يفيده من تلك الاحداث، فكل فن اختيار وهو بذلك يختلف عن علم التاريخ الذي لا بد له من الاستقصاد والجمع حتى بين المتناقضات التي توجد فعلاً في كل حياة، بل ولا بد للأديب ان يستعين بخياله في الاضافة الى التاريخ بما لا يتنافى مع المعقول والممكن، وبما لا يتضارب مع حقائق التاريخ حتى لا يتخذ الخيال وسيلة لتزويد التاريخ وتدور مسرحية فتح عمورية حول فتاة عربية جميلة تقع في اسر قائد روماني فيحبها ويعرض عليها الزواج ولكنها لا تبادله الحب وترفض الزواج منع وتغلظ القول له فيسجنها في بلدة عمورية ويأخذ في تعذيبها ولا يتورع عن قتل طفلها امام عينيها فتستغيث بالمعتصم صائحة (وامعتصماه) فيسخر منها القائد الروماني بقوله لها: سوف يأتيك المعتصم على جواده الابلق وينقذك من يدي يا مجنونة.

عن موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين