من بدايات الطباعة والصحافة في النجف

من بدايات الطباعة والصحافة في النجف

علي شمخي جبر

اكتسبت النجف اهميتها من بين مدن البلاد العربية الاسلامية بسبب عمقها التراثي والديني والحضاري، كونها تقع على اعتاب (الحيرة) عاصمة المناذرة قبل الاسلام، وقربها من (الكوفة) عاصمة الخلافة الاسلامية في عهد الخليفة الرابع الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) واحتضانها الجامعة الاسلامية في القرن (الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي) بعد هجرة الشيخ الطوسي اليها،

لتصبح بعد سقوط بغداد عام (656هـ / 1258م) من المراكز الروحية والثقافية والعلمية المهمة في العالمين العربي والاسلامي. ولم تزل النجف منذ هاجر اليها الشيخ الطوسي سنة 448 وحط رحاله بها مركزاً علمياً وجامعة دينية يقصدها رواد العلم وطلابه.

واضافة لهذه الاسباب فان المدارس القديمة التي انشئت في النجف لدراسة علوم الشريعة الاسلامية، وفنون اللغة العربية هي الاخرى دفعت الكثيرين للاهتمام بالمدينة. وفي هذا الصدد يشير المؤرخون الى ان البيوتات والعوائل التي هاجرت الى النجف كان لها نصيب من العلم وحظ في الادب وان كانت هي في غير ذلك الوقت تشتغل ببعض المهن والاعمال الاخرى.

وبمرور الزمن، اصبحت النجف من امهات المدن العراقية لطابعها الديني والثقافي المميز، فهي قد حلت محل الكوفة القديمة على ان لا ينكر اثر الكوفة في نشوء النجف ونموها.

وبالعودة الى تاريخ العراق السياسي والثقافي نرى ان اول مطبعة واول صحيفة انشئت في العراق هي مطبعة وجريدة الزوراء وقد ظهرت في عهد مدحت باشا (1822م – 1882م) الذي اصدر الجريدة في 5 ربيع الاول سنة 1286هـ-1869م واستمرت طوال ايامه واراد مدحت باشا من الجريدة ان تدون اعماله وما يقوم به من اصلاحات وان تسجل اخبار الحكومة

وفي الفترة الممتدة من (1869) وحتى عام 1908 لم تكن هناك الا ثلاث صحف تنشر باللغة التركية بوصفها لسان الحكومة العثمانية تحتل كل منها احدى الولايات الثلاثة بغداد والبصرة والموصل وهي (الزوراء) البغدادية التي صدرت بين (1869-1917) و(الموصل) التي كانت تصدر في الموصل بين عامي (1885 و 1918) و(البصرة) الصادرة من البصرة بين عامي (1889-1914)([7]). ويعزو المؤرخون والمعنيون بحركة الادب والثقافة في العراق انكماش حركة الادب في العراق الى عدم وجود خطة عامة مرسومة للنهوض بالادب، فالتقلبات السياسية البارزة لا تقع بغير عملية انضاج واسباب كامنة ومثلها التطورات والتغيرات التي تطرأ على الادب فلابد من مقدمات او اصل لهذا التغيير، ولو رسمت خطة كهذه لما استطاعت تلك الاحداث ان تعصف بحياة الادب.

وفي عام 1904 لم يكن يصدر في العراق الا ثلاث صحف، وبعد ذلك بنحو اربع سنين، غطى المسرح العام فيض من الصحف والدوريات، ومع ان الشعر كان مقدراً له ان يبقى اسمى فنون العراق الادبية الحديثة.

وعند تتبعنا للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للعراق في بدايات القرن العشرين نرى ان اعلان الدستور العثماني سنة (1908) يشكل انعطافة مهمة في حياة العراقيين حيث طالب علماء النجف السلطة العثمانية بوجوب تنفيذ الدستور، وتأسيس مجلس نيابي ثم اعلنت فتاواهم واصبحت اجتماعاتهم تقام على نحو علني في النجف وكانت الاجتماعات والمظاهرات المؤيدة للدستور تقام في الصحن الحيدري والجوامع والمدارس.

اما على صعيد الطباعة وحركة النشر فالنجف تعد في مقدمة المدن التي دخلتها الطباعة مبكراً مما يدلل على بروز نهصة تأليف مبكرة.

وقد كانت ضرورة انشاء مطابع في النجف تنبع من اسباب عدة ابرزها ظهور الدعوات الاصلاحية التي نادت بضرورة نشر العلوم الحديثة والحث على الاطلاع على الكتب الحديثة، ودراستها، وقراءة الصحف والمجلات السورية والمصرية، وكان ذلك جلياً في دعوات السيد هبة الدين الشهرستاني واصداره مجلة العلم سنة (1910م) كما ان نشاط حركة التأليف ونمو الدوافع الثقافية والفكرية التي تحتاج الى مطابع تجسد تلك الثقافات والافكار وميل المؤلفين غالباً الى طبع مؤلفاتهم في مناطق قريبة منهم، مما يشجع الناشرين على تهيئة معدات ومطابع تحقق غرضي الفائدة العلمية والمردود الاقتصادي الذي يكون المحرك في كل عمل تجاري ويبقى العامل الاساسي والمهم في ذلك كله هو مركزية النجف العلمية.

ونهضت في النجف حركة ادبية متميزة، يرى (جعفر الخليلي) ان العامل الاجتماعي كان له الاثر الاقوى في ازدهارها فيما يرى اخرون ان العامل الديني كان له الاثر الاهم فيه فكان واجباً على متحمليها من رجال الفقه والدين ان يتمرسوا بعلوم اللغة وآدابها فذلك دليلهم الى الهدف الاسمى.

وكان لأنشاء المكتبات العامة اثر كبير في نمو هذه الحركة الادبية حيث اشتهرت النجف بمكتبات عامة وخاصة تضم احدث ما يصدر في الوطن العربي بينها اهم المجلات والدوريات وكانت المكتبة العلوية اول مكتبة عامة انشئت في النجف في القرن الرابع الهجري، واحصى (جعفر الخليلي) في موسوعة العتبات المقدسة أكثر من ثلاثين مكتبة كان لها شأن يذكر حتى نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر للهجرة، وقد بكرت النجف في نهضة العراق الحديث عندما أسست فيها مطبعة سنة 1856م.

وفي قراءة موجزة لتاريخ الصحافة العراقية نرى ان نصيب الصحافة في الفترة التي تلت الوالي مدحت باشا هو الترهيب والبطش بها، وشهدت بغداد والولايات اغلاق دور الصحف وتقديم اصحابها الى المحاكمة والغاء القسم العربي في جريدة الزوراء.

ومن اهم المجلات التي صدرت ايضاً في هذه الفترة مجلة العلم ومجلة لغة العرب.. اما العلم فهي مجلة يغلب عليها الطابع الديني وقد صدرت في مدينة النجف الاشرف،.. لصاحبها السيد هبة الدين الشهرستاني.. وكان رائدها التعريف بالدين الاسلامي دون ان تغفل ابواباً تتصل بالعلم والمخترعات مما كانت تنقله عن المجلات العربية وبخاصة المقتطف، كما شجعت الادباء ونشرت ادبهم، ولعلها اول مجلة رصدت الجوائز فيما يشبه المسابقات الادبية.

مجلة أهل البيت عليهم السلام العدد 10