اكتشاف تاريخي جديد .. من هو ابو نوري السعيد؟

اكتشاف تاريخي جديد .. من هو ابو نوري السعيد؟

د. سيار الجميل

كي نعرف ان أبا نوري السعيد من الموصل، اي مصلاوي! فما قصته؟ وكيف استوطن بغداد بعد زواجه فيها ورزقه بولد سماه نوري وابنة سماها فخرية، مع دحض كل الروايات الاخرى عن اصله وفصله. ولولا مخطوطة لديوان الشاعر راقم افندي 1851- 1891،

وما تبقى من شعره لما استطعنا الكشف عن هذه المعلومات التاريخية، والتأكد منها بكل دقة، ودام البحث فيها لأكثر من نصف قرن، اي اشتغلت عليها منذ العام 1970 حتى تم التأكد منها تماما. وأتمنى ان يكشف عن معلومات تاريخية جديدة اخرى في المستقبل.

الأب سعيد افندي.. من يكون؟

جاء في الوثائق البريطانية التي يحتويها الارشيف البريطاني الرسمي عن العراق، وخصوصا الارشيف الممتد بين 1900 ولغاية 1979 جملة من الملفات التي اعتنت ببعض الشخصيات العراقية وسيرهم الشخصية، وقد جاء في سيرة نوري باشا السعيد ما نصّه: سني من بغداد، ومن مواليد حوالي عام 1888، وهو ابن محاسب من اصول موصلية تلقى تعليمه في القسطنطينية، ويتكلم التركية والالمانية والفرنسية والانكليزية، فضلا عن لغته العربية الأم. وكان ابوه المحاسب سعيد افندي بن صالح افندي بن الملا طه الموصلي يعمل في دائرة الاملاك السنية في ولاية الموصل التي كان يترأسها مديره المحاسب الشهير الشاعر عبد الله راقم افندي النجيفي الموصلي 1853- 1891م، العديد من الموظفين الحكوميين واغلبهم من المحاسبين الاذكياء الذين تميزوا بنزاهتهم واحترامهم للمال العام، وكان احدهم يسمي سعيد افندي ابن صالح افندي بن الملا طه الموصلي، وقيل ان والده سعيد افندي كان يعمل مدققاً في إحدى دوائر الدولة العثمانية، من دون ذكر ان أصله من الموصل، في حين تثبت الاوراق الموصلية القديمة، وروايات من عرف والده سعيد انه رجل مصلاوي من قلب المدينة، وكان قد عمل محاسبا وموظفا عثمانيا في دائرة الاملاك السنية تحت ادارة رئيسها المحاسب الشهير والمفتش المالي عبد الله راقم افندي الذي كان شاعرا واديبا واستاذا في الرياضيات.

كان سعيد افندي يعاونه في كل الامور بعد ان كسب ثقة رئيسه راقم افندي، فكان راقم يبرّه كثيرا ويؤثره على الاخرين لأمانته وبراعته وظرفه وملازمته نديما له بالرغم من كونه صاحب وظيفة عادية في تلك الدائرة المهمة التي ترتبط بالسلطان مباشرة في العاصمة العثمانية اسطنبول، وكان سعيد افندي قد اتخذ من رئيسه الشاعر عبد الله راقم افندي مثلا اعلى له كون الاخير من اشهر المحاسبين في الدولة العثمانية، فضلا عن شاعريته، اذ كان سعيد افندي يحفظ اشعار راقم افندي، وينشرها بين هذا وذاك وبالاخص اشعار الهجاء اذ كان احد ندمائه، وتميز بظرافته وثقافته ونكاته وحلو حديثه.. والى حد بحثنا عن هذا الرجل، بدا لنا سعيد افندي انه الولد الوحيد لابيه الذي كان يقطن في محلة السوق الصغير، قرب جامع التوكندي في قلب مدينة الموصل القديمة.

من الموصل الى بغداد في مهمة رسمية

كما ان المعلومات التي استطعت ان استحصلها منذ زمن طويل ان سعيد افندي كان ذكيا جدا ووفيا مخلصا لرئيسه ويلازم مجلسه ويحضر سهراته. عاش سعيد افندي يتيما لأمه بعد ان مات ابوه صالح افندي. وتشير المعلومات التي زودتني بها منذ شبابي المبكر امرأة فاضلة اسمها السيدة خديجة بنت الحاج ابراهيم البرو (توفيت منذ اكثر من خمسين سنة) كانت قد سمعت عن امها قصة جارتها الارملة ام سعيد التي ماتت في عز شبابها، وبقي ولدها سعيد افندي وحيدا وهو موظف حسابات شاب،ولما جاءت الاوامر العليا من العاصمة استانبول الى عبد الله راقم افندي بأن يذهب في مهمة تفتيشية رسمية الى ولاية بغداد، فكانت هي الفرصة لما اختاره رئيسه معاونا ومساعدا له ليصطحبه معه الى بغداد في تلك المهمة الرسمية الدفتردارية التفتيشيه التي يقوم بها للدوائر المالية في ولاية بغداد سواء في المركز ام القصبات التابعة، وقد سافرا معا الى بغداد على واحد من الاكلاك عبر نهر دجلة، واستغرقت الرحلة اياما، وبقيا فيها مدة تزيد على ثلاثة اشهر، وكان راقم افندي قد بدأ مهمته الرسمية بعد ان استقبل من قبل واليها، وقام بزيارة كل توابع بغداد، متخذا من الحلة محطة ارتباط، كما زار المراقد المقدسة، وعاد الى بغداد التي التقى فيها بالعديد من الشخصيات البغدادية، وبعض الادباءوالشعراء، وكان من اشهرهم عدد من اصدقائه أمثال: السيد مصطفى وفي بن عبد الغني آل جميل ومصطفى الواعظ مفتي الحلة، كما التقى مؤرخ العراق سليمان فائق بن طالب كهية (توفي 1896 م) الذي رحب براقم افندي في مجلسة بالحيدرخانة ترحيبا كبيرا يليق بمكانة ذلك الدفتردار النابغة، وكان بصحبته سعيد افندي.

تقول الرواية المروية عن قريب عبد الله راقم افندي الاستاذ احمد مدحت سليمان بك النجيفي بأن راقم افندي عاد الى الموصل عن طريق شهرزور القديم على متن عربة في قافلة رسمية، ولكن من دون معاونه وصاحبه سعيد افندي الذي اثر ان يبقى ببغداد ويترك مدينته نهائيا بعد ان تعّلق باحدى فتيات بغداد، فاستقر سعيد افندي ببغداد، وكان ان قبل رئيسه عبد الله راقم افندي استقالته، فوجد سعيد افندي له عملا في ولاية بغداد في دائرة المحاسبة او الخزانة بتزكية من رئيسه الدفتردار عبد الله راقم افندي، وجاء في معظم المصادر ان سعيد افندي والد نوري باشا يعمل مدققاً في إحدى دوائر الدولة العثمانية.. ويوصف بأنه كان موظف حسابات صغير. وتقول انسكلوبيديا ابريفيديا بأن نوري السعيد ولد ببغداد في اسرة عربية سنية مسلمة من الطبقة الوسطى الدنيا، ومن اصول قوقازية شمالية، ووالده محاسب مصلاوي صغير في الحكومة. وجاء في مكان آخر ان نوري باشا قد ولد عام 1882 لأب يعمل في الدوائر العثمانية الرسمية ببغداد.

ولقد احب سعيد افندي فتاة بغدادية من القرغول، فخطبها وتزوجا، وسكنا في محلة البارودية في الرصافة القديمة، وانجبا كل من ولدهما نوري وابنتهما فخرية، وقد كبر الاثنان في بغداد، وانقطعت اخبار سعيد افندي عن الموصل انقطاعا نهائيا، ولكن بقيت مراسلاته مع عبد الله راقم افندي، ولا معرفة لنا متى توفي والد نوري وفخرية سعيد افندي.. الذي كان على علاقة صداقة ومراسلة مع صديقه عبد الله راقم افندي حتى وفاة الاخير 1891. ولكن ثبت ان سعيد افندي كان في بغداد يحسب على الطبقة الاجتماعية الوسطى.

اسمه الحقيقي: محمد نوري سعيد

يقال (نقلا عن رسالة ارسلها سعيد افندي الى صديقه الاثير راقم افندي) انه قد رزق بولد سماه محمد نوري تيمناً بالشيخ محمد افندي النوري (توفي عام 1887/ 1888) اي قبل ايام من ولادة نوري السعيد (ديسمبر 1888). والشيخ محمد أفندي النوري (توفي 1305 هـ) هو شيخ السجادة القادرية النورية بالموصل، ومن اكابر علمائها وقت ذاك، عّمر واصلح كثيراً من بناية الجامع النوري وله فيه خزانة كتب تحوي كثيراً من مؤلفاته النفيسة في التفسير والتصوف والوعظ والإرشاد. دفن في الجامع النوري وقبره فيه. وكان سعيد افندي يبره ويحترمه جدا منذ ان كان صغيرا في الموصل، وان الشيخ محمد افندي النوري قد سجل لسعيد افندي فضلا كبيرا عليه.، فبقي الاخير مخلصا وفيا له مدى الحياة. ولقد وجدت ان نوري السعيد كان يسمى رسميا بامير اللواء محمد نوري باشا، كما جاء ذلك في جدول باسماء القادة والضباط المكرمين من قبل الحكومة الفيصلية بدمشق التي تزعمها الملك فيصل بن الحسين في تشرين الثاني نوفمبر 1919 وهو الاسم الثاني بعد اسم الفريق اركان حرب محمد جعفر العسكري.

نوري وفخرية والنشأة البغدادية من اب مصلاوي

لقد شب نوري بن سعيد افندي بن الملا طه برفقة اخته فخرية في بغداد ونشأءا ودرسا فيها وهما ابن محاسب من اصل موصلي وكانا ينتميان الى الطبقة الاجتماعية المتوسطة، ويعلمنا البعض أنه من اصول تركمانية، بل ويذهب المؤرخ حنا بطاطو الى ان اصل نوري السعيد من طوزخورماتو من دون ان يوثق ذلك، ولم أجد ذكر ذلك في اي من المصادر. كما لم يرد على لسان نوري باشا ذلك، اذ كان يعتز بعروبته، وقد التقط عنه في اكثر من مكان بأن اباه جاء الى بغداد من الموصل. وعليه، فان نوري السعيد كان يهمس باذن صديقه نجيب الجادر دوما عند زيارته للموصل، ان اباه من محلة الباب الصغير بالموصل، فيصحح له نجيب جلبي قائلا: من محلة السوق الصغير يا باشا، وقد حكى هذه الرواية الاخيرة الاستاذ فريد جلبي الجادر النائب في البرلمان العراقي ابان الاربعينيات من القرن العشرين، وكان حاضرا الواقعة في حدائق قصر نجيب الجادر بالموصل، اذ كان نوري باشا يؤثر بيت الضيافة المتواضع في حدائق ذلك القصر عندما يزور الموصل. وكانت زوجة فريد جلبي الحاجة وهبية الشبخون – رحمهما الله – على صلة وثيقة بكل من نعيمة العسكري زوجة نوري وفخرية السعيد اخت نوري زوجة جعفر العسكري التي حدثتها الكثير عما سمعته من امها بشأن ابيها المصلاوي الذي مات وهي صغيرة.

عن موقع الدكتور سيار الجميل