رحيل برنار بيفو الرجل الذي يُحب الكتب

رحيل برنار بيفو الرجل الذي يُحب الكتب

علي حسين

عندما قرر ان يغادر شاشة التلفزيون عام 2001 وصفت الصحافة الفرنسية الأمر بأنه اشبه بـ « حداد وطني «، بعد هذا التاريخ بثلاثة وعشرين عاما يغيب عاشق القراءة تماما عن عالمنا، فقد توفى برنار بيفو عن عمر يناهز 89 عاما.

ظل يردد ان علاقته مع الكتب صارمة جدا: » أنا لا اقرأ وأنا منغرس في نعومة مخملية. لا يبدو لي السرير مناسباً للقراءة الجيدة. يجب أن تكون العجيزة على مجلس صلب، والظهر منتصباً واليدان حُرتين لتقليب الصفحات، والتسطير والتعليق « – مهنة القراءة ترجمة سعيد بوكرامي - برنار بيفو الذي اشتهر ببرنامجه الحواري « الفواصل العليا - أبوستروف « ومن بعده برنامج « حساء الثقافة «، يلخص علاقته بالكتب بجملة قصيرة « عندما تكون الكتب رائعة، فإنها تفوز بسهولة بلقب أفضل صديق للإنسان امام أي مخلوق آخر «.

طوال حياته، كان شغفه الأساسي هو الكلمات. تلك المأخوذة أولاً من قاموس لاروس المصور للصغار، ولا تزال النسخة التي حصل عليها اثناء طفولته تحتل مكانا متميزا في مكتبته ومعها حكايات لافونتين التي ستسحر طفولته التي اتسمت بـ «التربية الدينية القاسية»، وقد عانى منها كثيرا، ورغم ان جده رأى ان ولادته يوم الخامس من آيار عام 1935، والذي صادف يوم الانتخابات البلدية، بأنه « فأل حسن «، إلا ان برنار وبسبب عشق برنار لكرة القدم كان يقول للصحفيين انه ولد يوم السادس من آيار، لأن في هذا اليوم فاز فريق فريق أولمبيك مرسيليا بكأس فرنسا.

ولد في مدينة ليون لعائلة تمتهن البقالة، بعد خمسة اعوام على ولادته يقع والده المجند في الأسر، فتضطر العائلة الى الانتقال إلى بيت جده لامه، عام 1945 يتم إطلاق سراح والأب لتعود الأسرة الى مدينة ليون. يقرر والده ادخاله مدرسة داخلية كاثوليكية، حيث عانى من دروس الرياضيات والعلوم، فقد كان شغوفا باللغة والتاريخ ومتابعة مباريات كرة القدم. نشأ في عائلة متزمة دينيا، وقد وصف تربيته الاولية بانها منغلقة لا تعرف الرأي الآخر. . شكّلت الكتب عالمه منذ الصغر، وتمتع بذاكرة نفاذة، وكان يجادل الطلبة في المدرسة عن افضل طريقة للجمع بين محبة الكتب وكرة القدم. لم يعرف الوسط الثقافي الفرنسي قارئا بشهية « حسية فائقة « مثله، قال ان علاقته مع الكتب علاقة غريبة: » كلما ازددت حباً للكتب، أبدت الكتب رغبة ملحة للهروب مني، وتدريجيا شرعّت تهجرني وتنأى بعيداً، ثم بدأت المسافة تتسع بين عيني والكتب. في الحقيقة، كنت أنا من يدفعها بعيداً من أجل قراءتها بشكل افضل «. عمل مع والده في محل البقالة وكانت مهمته تسجيل الديون، استغرب الاساتذة في المدرسة من قدرته على حفظ مفردات اللغة قال أن « الكلمات أكلته « منذ ان وجد نفسه مجبرا على دراسة اللاهوت فعوض ذلك بعشقه للكتب. انهى دراسته الثانوية ليلتحق طالبا في الحقوق بجامعة ليون، بعد التخرج لم تستهويه مهنة المحاماة، فقرر ان يدخل دورة لتدريب الصحفيين ليتخرج منها عام 1957. تحدث كثيرا عن أن حياته المهنية تدين للصدفة: «كان ذلك في أيلول عام 1958، وكان عمري 23 عاماً، عندما تم احتياري للعمل بصحيفة لوفيجار، حدث مثير فللمرة الاولى التي توظف فيها هذه الصحيفة الشهيرة شخصاً صغيراً جداً، وغير معروف «. يترك العمل الصحفي عام 1974، في هذه الاثناء كان قد انتقل الى التلفزيون حيث اطلق برنامجه الحواري الشهير « أبوستروف « في العاشر من كانون الثاني عام 1975 وسيتابع مشاهدوا التلفزيون رجلاً يرتدي سترة رمادية تذكرهم بمعلمي المدارس، يمسك بيده كتابا وبالاخرى نظارات، يحاول خلق علاقة حميمية بين المشاهدين والكتب، وستشهد حلقات برنامجه مواقف طريفة وصادمة احيانا، ابطالها تشارلز بوكوفسكي المخمورالذي قال عنه برنار بيفو « انه لا يوجد سوي بوكوفسكي واحد «، ومارغريت دوراس التي يصفها بأنها « سخية ومربكة «، و ألكسندر سولجينتسين الذي يردد امنية واحدة « اريد ان ارى وطني قبل ان اموت «، وباتريك موديانو الذي قرر ان يترك كرسيه شاغرا، وناباكوف الذي اصر ان يعرف طبيعة الاسئلة قبل دخول الاستوديو قائلاً: » اكره الارتجال، لم أقل مطلقا عشر كلمات لطلابي ما لم أقم بوزنها وكتابتها بعناية شديدة «، وسيظهر جورج سيمينون وفرانسوا ساغان ورولان بارت، وبورديو، وإيكو، ولو كليزيو، وليفي شتراوس، وحتى الرئيس ميتران، وفي عام عام 1987، يقرر برنار بيفو ان يقوم بمغامرة مثيرة وخطيرة، عندما سافر الى بولندا ليجري مقابلة سرية مع ليش فاليسا الذي كان يعيش تحت الحراسة في بولندا..

عام 2004 اختير عضوا باكاديمية غونكور، كان اول عضو في هذه الاكاديمية يتم اختياره باعتباره عاشقا للكتب وليس كاتبا. وسيترأس الأكاديمية من الاعوام ( 2014 الى 2019) بعدها يقرر الاعتزال «ليجد استغلالا حرا وكاملا لوقته مع الكتب «

في السنوات الأخيرة، كان نشطًا للغاية على موقع تويتر، حيث شارك أفكاره وتعليقاته الطريفة وحكاياته مع الكتب والطبخ وكرة القدم مع أكثر من مليون كتابع يكتب في احدى تغريداته. «لقد أحببت القيد المكون من 140 حرفًا، لقد ذكّرني ببداياتي في الصحافة، عندما تم تكليفي بأبحاث قصيرة!»،.واصل الكتابة، «ليبقي عقلي مفعما بالحيوية والبهجة والفضول»، اصدر عام 2021 كتابه الثامن عشربعنوان « لكن الحياة تستمر « يروي فيه الحياة اليومية لرجل تجاوز الثمانين عاما، كان هاجس الموت يطارده بعد تشخيص اصابته بالسرطان، فبرغم حيويته ومرحه إلا انه يعترف بان ازمات قلق كانت تنتابه، صحيح انها عابرة كما يقول لكنها عميقة ويعترف: » بالطبع، الموت هو ثيمة أفكاري السّوْداوية، الخيط ممدود وبيده المقص» ويضيف: » في مثل سني لا يمكن مخاتلة الموت أو عدم التفكير فيه، ونفكر فيه شباباً أيضاً ولكن عبوراً، نراه أبعد من أن يكون محتملاً» – ترجمة احمد المديني. لكنه لا يستسلم سيجد الخلاص في قراءة موليير والعودة الى زمن مارسيل بروست بروست المفقود، او في رحلة مع الامير الصغير: » الابتسامة تغيظ الموت، والضحك يطرده، ومن دون أن أفكر في الأمر وحده سلطان القراءة يعيد مزاجي الطبيعي إلى مجراه» قال انه اراد ان يقدم للقراء كتابا عن معاناة الوصول إلى الثمانين، والضعف والهزال ورفض الاستسلام، وعن إمكانية أن تكون سعيداً، وهانئاً ومرحاً رغم كل المنغصات.

يعترف انه ظل طوال حياته يخوض معركة مع الكتب، أحبها واحبته، وكان لها الفضل بانها منحته لقمة العيش، وقد شكل معها ثنائياً ظل الجمهور يتابعه لسنوات طويلة، فقد قررت الكتب مصيره، وكانت في كثير من الاوقات تفرض وجودها: » في بعض الأحيان تتلاعب بالقلب، احيانا بالعقل، لديها دائما سبب وجيه للبقاء. ويل للقارئ العاطفي بإفراط. ويل لأولئك الذين يشككون في ذاكرتها، ويل للمحافظين، ويل للشاردين. سينتهي بهم المطاف إلى الاستسلام جميعهم « - متعة القراءة -.