برنارد بيفو: الرجل الذي أكَلَتْه الكلمات!

برنارد بيفو: الرجل الذي أكَلَتْه الكلمات!

بروين حبيب

ما أن تشير الساعة إلى التاسعة وأربعين دقيقة من مساء كل جمعة، وعلى أنغام البيانو يعزف الكونشرتو رقم واحد لرحمانينوف حتى يطل على شاشة القناة الثانية الفرنسية برنارد بيفو، بنظارة طبية ترتاح على طرف أنفه تحت حاجبين كثيفين،

وكتاب بين يديه، محاطا بثلاثة أو أربعة كتّاب مشهورين أو مغمورين لا يهم، فيتسمّر الفرنسيون والناطقون بالفرنسية أمام شاشاتهم الصغيرة لساعة وربع الساعة من الزمن ولمدة ربع قرن كامل ليتابعوا برنامجه الشهير «آبوستروف» وأخاه الأصغر «حساء الثقافة» وبعد نوم هانئ تتخلله أحلام بالكلمات، يتوافد الفرنسيون صباحا على المكتبات للحصول على نسخة من الكتاب الذي تحدث عنه بيفو في حلقته في اليوم السابق.

تبدو هذه الحكاية أشبه بقصة من أدب الخيال في عصر السوشيال ميديا والهواتف الذكية، التي نعرف وجوه مؤثريها أكثر من وجوه أحبتنا. لكن هذا فعلا ما كان يحدث يوم كان الكتاب غذاء الروح، والكتّاب هم «البلوغرز» الحقيقيين. كان يصنع هذا الحدث الأسبوعي ولسنوات طويلة رجل نذر نفسه للقراءة، وسماها مهنة كما جاء في عنوان كتاب شهير له، لكنها كانت بالنسبة له سببا للحياة وقدَرا، إلى رحيله قبل أسبوع بعد يوم واحد من عيد ميلاده التاسع والثمانين (05/05/1935 – 06/05/2024). بدأ بيفو حياة عادية وانتهت استثنائية، فقد وُلد لأبٍ بقّال سجن أثناء الحرب العالمية الثانية، كما كان مساره الدراسي عاديا مع ولع شديد بكرة القدم، إذ درس في كلية الحقوق ليتركها إلى مركز تكوين الصحافيين، حيث وجد نفسه، فتخرج ثاني دفعته. جرّب حظه في كتابة الروايات لكن روايته الوحيدة «الحب في رواج» التي نشرها في الرابعة والعشرين من عمره لم تلق لا الحب ولا الرواج من القراء، فعاد إلى ما هو مهيّأ له ويجيده، فالتحق محررا بأسبوعية «الفيغارو الأدبية» لثلاث عشرة سنة كاملة، عرف فيها الكتب والكتّاب ودور النشر، فكانت بنكَ معلومات ورصيدا مميزا لنجاحاته في ما بعد.

وللحقيقة لم يترك الكتابة في الصحف والمجلات منذ تخرّجه سنة 1957 إلى ما قبل وفاته بقليل، وهذا الشغف البالغ حدّ الهوس بالقراءة والكتب دفعه إلى تأسيس أشهر مجلة فرنسية متخصصة في مراجعات الكتب وعرضها، وكل ما يدور في فلكها بعنوان «لير» (قراءة) مع صديقه جان لوي سارفان – شريبر، وتزامن هذا مع حدث مفصلي صبغ حياته وحياة ملايين القراء، إذ انتقل برنارد بيفو من كائن ورقي، إلى وجه تلفزيوني بعد تجربة تمهيدية في برنامج ثقافي قدّمه بعنوان «بين قوسين» حصل ذلك الحدث المفصلي يوم 10 يناير/كانون الثاني 1975 حين قدّم حلقته الأولى من برنامجه المباشر «آبوستروف» على الهواء، ليبقى ولخمسة عشر عاما (آخر حلقة من البرنامج بثت في 22 يونيو/حزيران 1990) ملكَ البرامج الحوارية غير منازع، ومكتبةً أرشيفية بصرية لكتّاب وكتب صاغت القرن العشرين على قالبها. 724 حلقة عرض فيها أكثر من خمسة آلاف كتاب، واستضاف مئات المبدعين، ولا تزال بعض مقاطعها رائجة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى الآن، بعد عقود من بثها.

كثيرة هي الأسماء الكبيرة التي جلست بين يدي بيفو نعدّ منها ولا نعدّدها: ألكسندر سولجينستين المنشق الروسي صاحب «أرخبيل الغولاك» كلود ليفي ستروس فيلسوف البنيوية الفرنسي، مارغريت دوراس صاحبة «هيروشيما حبيبتي» أمبيرتو إيكو السيميائي الإيطالي ومؤلف رواية «اسم الوردة»، ميلان كونديرا في واحد من أندر لقاءاته التلفزيونية، فلاديمير نابوكوف بشروطه الغريبة وحديث عن «أصابع لوليتا» إضافة إلى عدد من كبار الفنانين والسياسيين، مثل الممثلة جين فوندا، والمخرج رومان بولانسكي وزعيم التيبت الدالاي لاما والملاكم الأسطورة محمد علي. لكنه استضاف أيضا كثيرا من الكتاب المغمورين، أو أصحاب التجارب الأولى الذين خرجوا من بعد حواره معهم مشهورين، وارتفعت أرقام مبيعات كتبهم، ورغم أنه لم يكن من أهدافه استفزاز المشاهد ـ كما يحدث في البرامج الحوارية الآن لرفع نسبة المشاهدة ـ إلا أنه استضاف شخصيات مختلفة عن جو برنامجه العام، فظهر في برنامجه سارق البنوك سباغياري ونجمة السينما الإباحية بريجيت لاهاي. ولم يكن برنامجه على امتداد عقد ونصف العقد، نموذجيا دائما فبعض حلقاته عرّضه لانتقادات شديدة مثل تقديمه لكتاب غابريال ماتزنيف، الذي وَصفَ فيه بتباهٍ علاقاته الجنسية بالقاصرات، ولم يعترض من الحاضرين سوى الكاتبة الكندية دونيز بومباردييه، التي أدانت سلوك ماتزنيف، وقد ندم بيفو بعد ذلك بسنوات أنه لم يساندها وبرر تصرفه بأنه «في تلك المرحلة، كان الأدب يأتي قبل الأخلاق، أمّا اليوم فالأخلاق تأتي قبل الأدب». ومثلها ما حدث في حلقة الكاتب الأمريكي المثير للجدل تشارلز بوكوفسكي الذي حوّل الحوار إلى كارثة حقيقية، إذ كان يشرب – يوم كان شرب السجائر والخمور مسموحا به في الاستديو- ويثرثر ويتحرّش بإحدى الضيفات، حتى قال له الكاتب كافانا «اخرس يا بوكوفسكي» فترك الكاتب المخمور الحلقة مترنحا مرفوقا بخوف بيفو، من أن يتقيأ أمام الكاميرات كما صرح بذلك لاحقا.

والغريب أن الصحافة العالمية توافقت على انتقاد برنار بيفو، فقسم منهم لامه على السماح لكاتب مثل بوكوفسكي بالمغادرة دون محاولة ثنيه عن قراره، ومنهم من انتقده على فتح هواء برنامجه لسكير لا تُؤتمن تصرفاته، إلى حد المطالبة بإيقاف البرنامج. لكن البرنامج استمر وتابع بعضَ حلقاته الناجحة ستةُ ملايين مشاهد، رغم أن حسرةً بقيت في قلب برنارد بيفو لأن أسماء مهمة أفلتت من قبضة «آبوستروف» مثل، سيوران ورينيه شار وجان بول سارتر. وقد شَرح لنا برنارد بيفو بنفسه سرّ ظاهرة برنامجه وكواليسها في كتابه «مهنة القراءة» الصادر سنة 1990 ولم يصل إلى القارئ العربي مترجما إلا بعد ثلاثين سنة من صدوره، ويقول فيه إن الصحافي هو مترجم الفضول العام، أي يجد فيه كل مشاهد لسانا يَسأل به الكاتبَ عما يرغب في معرفته، وهذا الأمر ما كان ليتمّ بنجاح حقيقي لبرنارد بيفو، لو لم يكن يقرأ بنفسه كل الكتب التي يعرضها، وهو القارئ النهم الذي مارس هذا الشّغف اللّذيذ عشر ساعات يوميا، بمعدل خمسة كتب أسبوعيا لسنوات، وكان يرى أنه من الخداع للمشاهد أن يحاور صاحبُ البرنامج كاتبا لم يقرأ له.

لم يركن برنارد بيفو إلى نجاحه العظيم في برنامج «آبوستروف» الذي كان يصنع ذائقة قارئي الفرنسية إلى حد احتجاج البعض بأنه يمارس ديكتاتورية على سوق الكتب، فما أن فقد برنامجه «حساء الثقافة» شعبيته ووهجه بعد عشر سنوات من الوجود، حتى فتحت جائزة «الغونكور» أشهر الجوائز الفرنسية الأدبية ذراعيها لاستقبال برنارد بيفو، كأول عضو غير كاتب – فقد كان صحافيا في الأساس – ليصبح بعد عشر سنوات رئيسها الذي ترك بصمته الواضحة على قوانينها، فخمسُ سنوات من رئاسة هذه الأكاديمية المرموقة، نقلتها من حال إلى حال، حيث انفتحت على الروائيين الشباب ومنع بيفو أعضاء الجائزة من مزاولة أي عمل لدى دور النشر، كما فرض عليهم قراءة الأعمال المقدمة، وكأنهم تلاميذ يُمتحنون أمام أستاذهم. وقد تعوَّدَ على هذا الدور يوم أطلق بطولة للإملاء في فرنسا (Dicos d›or) تحولت بعد سنوات إلى مسابقة عالمية يشاهدها الملايين، وتبث مباشرة، وتقام في أكبر المسارح الفرنسية مثل، الأولمبيا أو حتى قاعة البرلمان، بل وأقامها في مقر هيئة الأمم المتحدة في نيويورك.

وهذا الشغف بالقراءة وتخصيص أيام العمر لها لم يحل بينه وبين عشقين قديمين رافقاه أيضا طيلة حياته: كرة القدم إلى حد تأليف كتاب بعنوان «كرة القدم باللون الأخضر» عن فريقه المفضل «سانت إيتيان» وكان معلّقا رياضيا على كأس العالم سنة 1986، كما أنه كان يزوّد الفريق الوطني الفرنسي بالكتب، لعل عدوى القراءة تمسّ بسحرها اللاعبين. أما عشقه الثاني فكان النبيذ وقد خصّه أيضا بكتاب «قاموس عشاق النبيذ».

حياةٌ ملهمةٌ عاشها «عاشق الكلمات» الذي كان مثل بورخيس لا يرى الجنّة إلا مكتبة مترامية الأطراف، فهل سنسمع صدى صوته من العالم الآخر يصرخ يوما بعنوان أحد كتبه «النجدة! أكلتني الكلمات».

· عن القدس العربي