برنار بيفو.. ظاهرة الشَّغَـف بما هو الكتاب

برنار بيفو.. ظاهرة الشَّغَـف بما هو الكتاب

غسان الحلبي

يُمكِنُ القول إنَّ «ظاهرة - بيفو» لا لها مثيل في عالمِنا العربي بمعنى الفاعليّة والتأثير العام في حقـل اهتمامه، لا في المستوى الشخصيّ لصحافيّ مُدمِن قراءات دؤوب عبر عشرات السنوات، ولا – خصُوصًا - في المستوى اللوجستي (مجلات راقية، منصّات إعلام، صحُـف، هيئات أدبية من الطراز الأرفع... والحديث عن الربع الثالث للقرن العشرين وما قبل وما بعد)، والَّذي لاقى الرَّجُـل بسخاء التـفهُّـمِ والرعايَة وفتح الأبواب على مصاريعها أمامه للعمل والمبادرة والإبداع في اختراع مقاربات غير متوقَّعـة لمِهنته.

برنار بيفو صحافيّ، قارئ، عاشق للأدب لا في حدُود غواية الشاشة والعلاقات، بل في الغوْصِ في المتون النَّصِّـيَّة ومنها إلى جُوَّانيَّة الكاتِب مهما كان كبيرًا وهم كثُـر جلسوا أمامه في نقاشٍ لا تحدّه مواضعات إلَّا شغـف الكلمة والكتابة والأشرعَة التي تضربها الرّيحُ العاصفة نحو استكناه فعلهما وأثرهما. وهو رحَّالة في عالَم الكتاب بروحِ إعلاميٍّ متوهِّج قبل زمن «التسونامي الرقمي» واختلاط الراقي والمبتذَل، والحقيقي والزائف، والنفيس والرخيص، والنخبويّ والشعبويّ، في الآن عينه وفي الصورة عيْنها على مدار السّاعة. رحَّـالة مُبتدِع، في مشاركاته في بعض كبريات الصُّحُف، في مبادرته مع سرفان-شرايبر لإصدار مجلة «Lire» الشهيرة عام 1975، في بحثه العاصِف عن شكل برنامج تلفزيونيّ لمجدِ الكتاب، فكان «أبوستروف» (1975-1990)، ثُـمَّ «بْوِيّـون دو كولتور» (1991-2001). وكلّ ما يخطر في بال مثقَّـف ضليع مُتابع من كبار وجوه الأدب والكتابة والكلمة يجد أنهم مرُّوا من أمام بيفو في برنامجيْه وسط لهب الحوار والجدل والمنافـرة والانسجام والفهم وسوء الفهم والصخب داخل دلالات المكتوب والمنشور بلا أفكار مُسبَقة وبلا رقابة جائرة جاهلة بالمادَّة، تدّعي حرصها على انضباطها في قواعد نظام لا يفـقَـهُ الحرِّيَّـة في هذا الحقل أو غيره.

لقد بات في زمنه محض ظاهرة، لا يعنيه الموقع، ولا تغريه الصفـقات، ولا يضمحلّ فريسة مرآة أناه. من الشغف وإلى الشغف يعود. فالرجل هو القارئ par excellence، لازم ومتعدٍّ على حدٍّ سواء. مسكون بحسّ الأدب ومالك الشّيء يُعطيه. غير مكتفٍ بذاته إذا ما انتابته حمّى النّصّ، بل يمضي محوّلا إيّاها من عمليَّة تلقٍّ ذاتيَّة إلى طقس احتفاليّ مرئيّ مسموع يُقيم دنيا الأدب – وبالضّرورة ينقل العدوى- ولا يُقعدها. تصير اللغةُ المرصُوصةُ في الأوراق وجهًا إزاء وجوه، وجسدًا تبدِّده الكتابةُ كالإكسير لا يبقى منهُ إلّا انفعالات المعنى الآتي من وراء الحروف والكلمات. ونصًّا لا يقفُ عند حدّ كتاب إنَّما ينتشرُ عبر فضَاء شاشة الضَّوء فيروسًا لا بدَّ منهُ لحالةٍ ثقافيَّةٍ تدبّ فيها الحياة وتغلي بالحياة عينها.

برنار بيفو صورتنا التي لا نحياها في عالم كتابنا المسكون بجهابذة الأمر الواقع، والراسف محاطًا بالجنود. ها هو، مكلَّلٌ بالشّيب يُلقي الرِّحال شابّا بولَع الأدب، غير معاندٍ إيقاع الزّمن أو طامح إلى شخصه أيقونة أو مُنصِّب حاله عرَّاب المُريدين. كانت محطَّاته عرس الكتاب، لا تدبيجًا لمناسبَة أو تقريظًا لكتَـبَـة سلطان أو بدالا بخدمة، إنّـما ولوجًا إلى النّبع الحيّ الَّذي يسقي فعل الإبداع، وعروسه الكاتب لا الدَّاعية، والكتابة لا الاستكتاب، والخيار الحرّ لا البروباغندا.

تابعـه ملايين المشاهدِين، وجملة إيجابيَّـة منه في كتاب كانت كافية لوضعه على رأس المبيعات. كان أقرب إلى الموضُوعيَّة منه إلى فكرة السّوق. قـيل في إحدى الصحف الفرنسية إنّه الموت الثاني له في غيابه عن عالمِنا في السادس من الشهر الحالي وكاد يبلغ التّسعين. القـصد أنّ موته الأول كان توقّـف برنامجه المرئيّ الأسبوعيّ عام 2001 بالرغم من دخوله أكاديمية غونكور عام 2004 وترؤّسه لها عام 2014. لكنّ حيويّـته الإبداعيّة فقـدت منصّتها وفعاليّة تأثيرها الحاسم الذي اشتكى منها يوما المستشار الثقافي للرئيس ميتران ريجيس دوبريه الَّذي أراد «إزالة احتكار اختيار العناوين والمؤلفين من البثّ الممنوح لاستبداد رجل واحد يمارس دكتاتورية حقيقية في سوق الكتاب». لكنَّ «الملك لـير» (المستخدَمة هنا بمعنى فعل القراءة Lire كما لـقَّبهُ البعض) بقي محمومًا بشغف التّطلُّع إلى نشاطٍ يواكب التطوّرات الهائلة في تكنولوجيا وسائل الاتّصال، لكنّ ثقل السنين ردَّه إلى العائلة والأصدقاء والحياة الهادئة لا سيّما في السنوات القليلة الأخيرة.

ولا ینتهي برنار بیفو، ولا یكفّ عن إثَارة الشَّغف، ولن يُـخمَد صوت حكايته مع الكتاب والقراءة وهذا الولَـع بعالم الأدَب وولوج أدغال الروح الإنسانيّة عبره. الحدیث عن مَـوتِه هذه الـمرَّة توریة ملتبِسة، لأنَّـه ظاهِـرة أجَّـجتها روحُـه بحُبٍّ كبير لظاهرة الكتاب عينها الـمُهدَّدة الـيوم بشكل أو بآخَـر في عصر الاجتياح الرقميّ الَّذي يقدِّم لنَـا «المُحوّل التوليديّ المُدرَّب مُسبقًا للدردشة ChatGPT» ولا كتاب ولا مَن يُضِيء الشّموع

· عن موقع المدن