عرّاب الثقافة الشعبية.. وداعاُ

عرّاب الثقافة الشعبية.. وداعاُ

زيد الحلي

في اليوم الاخير من الاسبوع المنصرم، خسرنا شخصية ثقافية مهمة، كانت شاهدا تاريخيا على عقود من الزمن، عملت بجد لنشر المعرفة الثقافية والوعي الفولكلوري..

إن إرث الفقيد الاستاذ باسم عبد الحميد حمودي الذي توفي عن عمر بلغ سبعة وثمانين عاماً، سيظل حجر الزاوية في فهمنا للتاريخ العراقي المعاصر، وتبقى مؤلفاته ودراساته مرجعًا هامًا للأجيال القادمة في رحلة استكشافية، عميقة الجذور، تسهم في إثراء المعرفة التاريخية، وتصحيح الأفكار الخاطئة. فحين نقرأ او نتابع خطوات وعطاءات استاذنا في فهم الحياة العراقية، نلاحظ اصراره على تقديم صورة شاملة عن الوطن، وإسهامه الحضاري وأثره في الوعي الإنساني، مؤكدا إيمانه العميق بأن مواطني العراق مهما بلغت اختلافاتهم المذهبية، متحدون في الجوهر.

لم تكن المساهمة الرئيسة التي قدّمها ابا شهرزاد مجرد مساهمة فردية في الاهتمام والكتابة الفولكلورية، بل كانت برنامجاً جديا للدراسة التاريخية المعاصرة لحياة الناس وعاداتهم الاجتماعية في بغداد والمحافظات، ولاسيما في القرنين المنصرمين، وكان من الجيل الذهبي بهذا المجال، حيث كان يرفض بصلابة اختزال تاريخ العراق بما كتبه " بعض " المستشرقين من ذوي القلوب المريضة لأهداف ومصالح على قياس الترويج الفكري والقيمي والعنصري المغلوط، مؤكداً بهذا الصدد أن "التاريخ ليس أرض حياد، بل هو موضوع الحقيقة والواقع ".. لذلك نجده كرّس حياته ومسيرته الثقافية لخدمة الفولكلور العراقي بمختلف صوره خدمة لتاريخ الوطن الذي اكتشف فيه طاقة إيحائية ورمزية كبيرة على الصعيد الانساني والثقافي.. وقد تبحّر الراحل في سير الشخصيات العراقية في السياسة والثقافة، وكرّس حياته وأبحاثه للغوص في أعماقها وصيد جواهرها..

لقد تميّز الاستاذ باسم، في كتاباته واطروحاته وحواراته بالمزج بين المدرسة القديمة للمؤرخين المحليين، مستعينا بكونه ابن هذه الثقافة، فاستفاد كثيرا من الموروث الشعبي، وبمناهج البحث التاريخي الحديث، كونه حاصل على شهادة قسم التاريخ في كلية التربية عام 1960.

للراحل كتب عديدة توزّعت بشكل أساس بين الادب الفلكلوري والتراث والنقد القصصي والاعلام والتاريخ المعاصر، ولا زالت مؤلفاته القيمة بين أيدينا تمضي معنا، ونمضي معها في رحلة التاريخ المعاصر التي لا تنتهي، لغناها وتنوعها، وقد أضحت مرجعا علميا وأكاديميا مهما للوقوف على حقائق تاريخنا بموضوعية ورصانة..

رحم الله كاتبنا الاثير ابا شهرزاد..