عمنا أبا شهرزاد

عمنا أبا شهرزاد

صفاء جبار

كنت أراهن على أن تكون الشاهد على أجيال ثقافتنا وتحولاتها، وأنت الحاضر فيها في كل عهودها منذ أواخر الخمسينات، الخائض في أدق تفاصيلها والمترفع عن صغائرها والمتجنب لصداماتها وانقلاباتها الراديكالية، والمتعامل معها بروح متسامحة عمادها التواضع والبساطة وسلاحها السخرية.

فأنتم، كما اعلم، من عائلة معمّرة، وكنت أظن انك ناجح عبر تساهلك وتسامحك وطيبتك ومحبتك التي تفيض بها على الجميع، في تجاوز كدرها وكربها وآلامها. لم أحدس أي حزن نبيل كنت تخفيه تحت ستار بسمتك وسخريتك وتسامحك، حتى رأيته يتفجر في أواخر حياتك بعد رحيل شريكة حياتك وما طال البلاد والعباد من مآس وخراب.

يا ترى كيف سيلقاك موسى كريدي، صديقك الذي اعتاد أن يماحكك ويتهمك بالتسرع في أحكامك وعواطفك واهتماماتك الواسعة؛ وأنك مثل طائر لا يوّكر في مكان طويلا، إذ سرعان ما تحلق بسرعة وخفة بحثا عن مكان آخر. أخاله يقول لك: ألست محقا ها أنت تتسرع حتى في موتك!!

كنت أراهن على طريقتك في الحياة، وقدرتك الفذة على تسفيه تراجيدياتها والقفز بين فخاخها بخفة وسرعة محلقا بجناحي التسامح والمحبة والتنقل بين فروع المعرفة والثقافة والإنتاج الإبداعي والإعلامي. وعلى العكس من الكثيرين منا ممن يلقون أنفسهم في بحر الكآبة وفي ذاك الشعور المأساوي الذي تخلفه تلك الرغبة (المستحيلة) في الكمال والإتقان؛ ويحرقون أنفسهم بلهب هذا النزوع الذي لا يقاوم.

كنت ستكون شاهدا مثاليا على ثقافتنا بكل أجيالها التي عايشتها وخبرتها عن قرب، كما هي الحال مع جيل الستينيات والأجيال التي تلته حتى جيل الكارثة، الذي رأيته وتعرفت عليه عن قرب ولم تكن، كعادتك، تبخل عليهم بنصيحة أو متابعة أو تعليق.

كان لي الشرف في العمل بمعيتك والتتلمذ على يديك في غير مجال من اهتماماتك المتعددة؛ لن أنسى ما حييت استقبالك لي وحنوك عليّ واحتفاءك بي عندما جئت هاربا من جحيم العمل الإعلامي لاجئا إلى التراث الشعبي (قلت لوكيل الوزير عند طلب نقلي حينها وبصراحة وبقسوة لا اعرف كيف تحملها!! لم يبق في ثقافتنا بعد خراب التسعينيات سوى التراث الشعبي)؛ فاخترتني أنت مديرا لتحرير مجلة التراث الشعبي التي كنت ترأس تحريرها، وتشرفت بالعمل معكم والنهل من محبتكم ومعرفتكم، أنت وبقية الزملاء الرائعين في الفريق الذي كنت تديره بقوة المحبة.

عمنا (كما يحلو لك أن نخاطبك) وأستاذنا، لم أكن أتخيل أنني يمكن أن أكون في هذا الموضع وأكتب في رثائك؛ كان لدي يقين بأنك ستكون الشاهد علينا وعلى كل ما مر من أجيال ثقافتنا الأخيرة وتظل تغمر الجميع بتعليقاتك المحبة والطريفة والحانية؛ وكنت أراهن على قوة الحياة فيك وأنت الباسم أبدا، عبد الحميد حمودي، وعلى فيض المحبة والطيبة والتسامح في روحك العذبة.

ربح موسى كريدي رهان السرعة وفيض محبتك قربه الآن، وخسرنا نحن تمهلك وظلك العالي الذي كنا نستفيء به. "وداعة الله" عمنا الجليل وأستاذنا الغالي.