باسم عبد الحميد حمودي:النشاط الثقافي شاحب ومتشظٍ والمثقفون يعيشون في جزر متباعدة

باسم عبد الحميد حمودي:النشاط الثقافي شاحب ومتشظٍ والمثقفون يعيشون في جزر متباعدة

حوار/ علاء المفرجي

الكاتب والناقد والباحث باسم عبد الحميد حمودي ولد في الديوانية من عائلة بغدادية، أنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها،ثم أكمل الدراسة الجامعية سنة 1960م في كلية التربية قسم التاريخ، ثم عُين مدرساً في الدغارة، ثم عاد إلى بغداد ليستقر فيها لغاية يومنا هذا.

وأول مقال نشره بعنوان (الفراغ) في جريدة (بغداد المساء) سنة 1954م، أشاد بدوره الناقد الراحل الدكتور علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس، تولى رئاسة تحرير مجلة الأقلام التي تُعني بالأدب الحديث، وكذلك رئاسة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية التي تعني بالثقافة والفنون بالعالم. وعمل محرراً في مجلة التراث الشعبي ثم رئيساً لتحريرها، وسكرتيراً لتحرير مجلة الرواد التي تعني بأدب الرواد، ومسؤولاً عن صفحة التراث الشعبي في جريدة (المدى) ونشر العديد من البحوث والدراسات، وكان من أبرز مؤلفاته "عادات وتقاليد الحياة الشعبية العراقية" و (إعداد وتقديم). والزير سالم" و"تغريبة الخفاجي عامر العراقي". و"سحر الحقيقة. وكتب عن شخصيات ودراسات في التراث الشعبي."

كان للمدى معه هذا الحوار

- لقد قيل الكثير في قضية القراءة وضرورتها للكتابة وحيويتها..هذا ما قلته للناقد شكيب كاظم الذي قال: "لم أجد أحداً كان ينجز قراءة كل ما يقتني من كتب سوى المرحوم أبي أذ كان يذهب بين آونة وأخرى الى صديقه قاسم محمد الرجب ليعود بما لذ وطاب من كتب, ولا يذهب إليه ثانية إلا بعد أن يأتي عليها كلها قراءة، لذا لم يكن في مكتبته كتاب لم يقرأه" هل من هذه النشأة بدأت في عالم الحرف؟

• من بديهيات التكوين الثقافي للناقد والقاص والشاعر وسواهم أن يقرأ أولاً قبل أن يتشيأ أذ لا وجود لمبدع أو حتى كاتب عادي من فراغ... من بياض فارغ.

كانت المنافسة بيننا نحن طلبة الصف الأول-أ- في ثانوية الكرخ عام 1948 أن نزداد قراءة... أن نفرّغ كتب مكتبة الثانوية تدريجياً ونقرأها... ونناقش ما نقرأ في تجمعاتنا وفي درس الأنشاء الذي كان يحرص عليه أستاذنا شاكر الحبوبي.

وكان من معلميّ مدرسة الزوراء الابتدائية من شجعني أيضاً على القراءة وجعلني مشرفاً على مكتبة المدرسة ومسؤولاً عن إعارة الكتب للطلبة وهو أستاذ العربية المرحوم صالح الحكيم.

كان من حسن حظي أني نشأت بداية في بيت إنسان مثقف له مكتبة بيتية مرموقة هو المرحوم والدي,وكانت والدتي معلمة سابقة تقرأ أيضاً ولكن ليس بقدر انشداد الوالد للقراءة كان صديقاً للجواهري الكبير وبحر العلوم وذي النون أيوب وحسين الفرطوسي والشيخ مهدي مقلد وهو صديق حميم للشاعر محمود الحبوبي... وله صداقات أخرى كشف عنها قبيل وفاته بفترة المهم أن الوالد كان حافزاً للقراءة بقدر ماكانت شلة (الأول المتوسط) دافعاً وهي مكونة من الطلبة: صادق الصائغ ونزار عباس وشاكر السعيد ونزار شاكر المفتي(الطبيب) و مهندس النفط حميد أحمد الجودي ومهندس الطاقة راجح جاسم العاني وقحطان جاسم الأمين والماليان الكبيران طارق عبد الرزاق قدوري وزهير الخانجي وسواهم.

بعضهم دخل عالم الصحافة والأدب وبعضهم انصرف الى تخصصات أخرى مثل النطاسي نزار المفتي والمهندسين حميد الجودي وراجح جاسم وأستاذ اللغة الكبير طارق الجنابي.

القراءة اللذيذة تلك التي ينشد إليها المرء قبل كل شيء قبل أن يخربش كلماته الأولى وهي قراءة الصفاء والتعلّم والدهشة,القراءة قبل كل شيء والانشداد الى الكتاب هما أساس الدخول الى عالم الكتابة والفكر والأبداع, لذا تجد من يدخل عالم الكتابة بواسطة دكاكين النشر اليوم وهو يخطئ في اللغة وفي بناء الجملة ويزداد فجاجة في التعبير حيث يؤذي ذاته ويؤذي حركة الفكر والثقافة وهو يبني في فراغ شيئاً غريباً ممجوجاً كنا نجاور بيت المعمار الكبير الحاج إبراهيم جاسم العبطة زوج عمتي الكبرى ووالد الناقد محمود العبطة والمحامي محمد العبطة

وكانت مكتبة محمود العبطة الكبيرة خير معين لي للدرس والتعلّم كما كنت أحصل على بعض الكتب الجديدة التي لاتصل العراق من مكتبة الاستاذ عبد القادر البراك صاحب جريدة (البلد) وزوج خالتي السيدة سعدية عبد الرزاق وابن عمّها والصديقة الحميمة للسيدة سميرة عزام القاصة الفلسطينية المعروفة المحررة في جريدة الشعب, وقد كنت أنشر عندها في ملحق الشعب الأسبوعي بعض القصص, إضافة الى كرمها في إعارة بعض الكتب الحديثة التي تصل إليها وكنت حريصاً على إعادة ما استعير منها رحمها الله إضافة لذلك كان سوق السراي بالنسبة لي وأنا طالب ثانوية ثم جامعة عالماً مفتوحاً إذ هو سوق الكتب والمكتبات آنذاك, ولم تكن في شارع المتنبي أنذاك سوى المكتبة العصرية لمحمود حلمي وبعض المكتبات ثم دخلت مكتبة المثنى المتنبي بقوة وجلبت معها عدداً من المكتبات, وقد عقدت مع مجموعة من أصحاب المكتبات فيها علاقات صداقة, بدأت بالكتاب وانتهت به.

كنت اشتري ما يساعدني في دخلي البسيط كطالب ثم محرراً في جريدة (الناس) قبل حركة 14 تموز وجريدة (الاستقلال) ومجلة (الوادي) بين عامي 59-60.

- مثل كثير من النقاد بدأت قاصاً ثم تحولت الى ناقد, وأعتقد أن كتابك الأول (في القصة العراقية) الصادر عام 1961 يوحي ببداياتك,هل يوحي بذلك لأنك لم تستطع الأمساك بناصية القصة كمبدع, أم لأن حاسة النقد كانت أقوى؟

• لماذا تسمي (النقد) حاسة وهو (ملكة) تنشأ عن خبرة وتجربة وطول أناة واستشراف و(تفكيك) للنص موضع النقد؟

كتبت النقد وأنا أكتب القصة وكانت البدايات في الصحف العراقية في الخمسينيات والستينيات إضافة لمجلات(الشهر) المصرية) و(القصة) السودانية و(الأديب) و(الآداب) و(المعارف) البروتيّات.

ولقد نشرت القصص لا في الصحف المحلية فقط بل في مجلة (الآداب) التي كانت القصة فيها خاضعة للبحث وتقويم النقاد لكني وجدت النقد أقرب الى اهتماماتي.

ثم أن كتابي(في القصة العراقية) الذي صدرت طبعته الأولى عام 1961 عن مطبعة اتحاد الأدباء العراقيين أيامها جاء ثانياً بعد كتابي القصصي الأول (أناعاطل وقصص أخرى) الذي صدر عام 1958 وهو يضم مجموعة من القصص الأولى لي وقد كتب عنه الكثير من الأصدقاء في بغداد وبيروت أمثال موفق خضر وأحمد فياض المفرجي وسمير تنير وفاضل السباعي وسواهم في الصحف المحلية وفي مجلتي (الأديب) و(الآداب(.

لم أنقطع عن كتابة القصة تماماً لكنها أضحت الأهتمام الثاني بعد النقد والبجث الفولكلوري

- الناقد الراحل د.نجم عبد الله كاظم يعد كتابك هذا من بين كتب أخرى هي العلامات الأولى بين كتب أخرى لبداية النقد في القصة العراقية...ما تعليقك؟

• الاستاذ الدكتورنجم عبد الله كاظم رحمه الله لم يقل ذلك فقط بل عد جهدي النقدي من جهد رواد النقد الأدبي في مجال القصة العراقية وله شكري على موضوعيته التي يفتقد إليها الكثير من الدارسين الذي يتغافلون عن هذا الجهد.

تاريخياً يعد كتابي هذا الجهد النقدي الثاني بعد كتاب(القصص في الأدب العراقي) للدكتور عبد القادر حسن أمين الصادر عام 1955, قبل ذلك لم يكن هناك كتاب نقدي واحد في السرد العراقي ولك أن تحكم على ذلك إذ هوجهد شاب في الخامسة والعشرين لإصدار كتاب نقدي متكامل في القصة العراقية.

وقد استمر هذا الجهد رغم العواصف السياسية والحياتية, حيث جمعت ما توافر من دراساتي النقدية الجديدة وأنا في عزلتي في مدينة (الدغارة) لأصدر كتابي النقدي الثاني عام 1973 (الوجه الثالث للمرآة).. كان ذلك وقد جرت مياه جديدة في النقد القصصي العراقي...ظهر جهد أستاذنا الطاهر وجهد الأساتذة كاظم صالح وأنور الغساني والدكتور عبد الاله أحمد وفاضل ثامر ومؤيد الطلال وياسين النصير وسواهم,وصار للنقد القصصي موقعه المهم وسط الدراسات الثقافية

- عد الكثير إنك مختص بالفولكلور والتراث, ما الذي أخذك الى هذا الطريق؟

• في عام 1957 كتبت دراسة أولية عن التراث الشعبي العراقي في عدد شهر مايس من مجلة (الأديب) وقد لقيت الدراسة أهتماماً ومناقشة من الأساتذة غازي الكنين وعبد الله الجبوري وأحمد فياض المفرجي.

قبل ذلك وفي جريدة (المجتمع) الأسبوعية التي كان الدكتور صلاح نيازي يشرف على صفحاتها الثقافية كتبت عن تجارب المقام العراقي,ثم واكبت إصدار مجلة (التراث الشعبي) ونشرت بعض المقالات والحكايات الشعبية حتى بدأت العمل فيها متأخراً عام 1985 حتى عام 2003 ولا زلت عضواً في الهيئة الأستشارية لهذه المجلة الرصينة.

ما أخذني الى التراث الشعبي والثقافة الشعبية أن هذا العلم هو علم الحياة بمختلف مراحلها وإيقاعها المتنوع منذ لحظة الولادة حتى الوفاة.التراث الشعبي دراسة كل شيء في التشكيل الإنساني... العادات واللغة والأحلام والملابس والمعتقدات وال54 فقرة متلاحقة تعني الحياة الإنسانية.. فهل هناك أعظم من ذلك وأجمل؟ وما الضير أن يكون الكاتب متنوع الإهتمامات شرط أن يقدم الجديد الحيوي؟

- أنت من جيل عاصر تحولات الأدب والنقد في العراق منذ منتصف الخمسينيات...مالذي تقوله عن المشهد الأدبي في العراق لو قارنته مع منتصف الخمسينيات؟

• هذا سؤال محرج ولكني مضطر للإجابة عليه كان القاص عبد الله نيازي يستدين سلفة الحكومة ليطبع مجوعته القصصية, وكان لاينشرها إلا بعد أن يحصل على مباركة زملائه أمثال محيي الدين إسماعيل وفؤاد الونداوي وغيرهما كان عبد الملك نوري يدخل في نقاشات مهمة مع فؤاد ونهاد التكرلي,وكانت مقهى الواق واق وبيوت السادة نزار وجواد سليم وخلدون الحصري وعدنان رؤوف وسواهم مقرات لنقاشات معمقة وجادة في أدب القصة والمسرح والفنون التشكيلية كانت تجمعات أخرى لغائب فرمان وعبد المجيد الونداوي وحسين مردان تتم في جريدة(الأهالي) ومشارب أبي نؤاس.

في مقاهي العاصمة ومنتدياتها كان الشباب يحضرون جادين, يستمعون الى الجيل الأكبر بكل أحترام رغم ضيقهم أحياناً بما يطرحون لكن العملية الثقافية حاضرة بشكل حيوي ومتفتح.

اليوم رغم نشاطات اتحاد الأدباء الرائعة وجهد أساتذة النقد والدراسات الثقافية في الجامعات العراقية في عقد المؤتمرات المهمة التي تسهم وسائل الاتصال في نقلها,أجد النشاط الثقافي شاحباً متشظياً وكأننا نعيش في جزر متباعدة.

هذه ليس كارثة ويمكن ترميمها لكن الكارثة الكبرى هو وجود كتّاب الأجرة الذي يكتبون القصة والنقد والدراسات بأسماء غيرهم,وتقوم دكاكين الطبع بالتسويق اللافت.. مقابل دولارات معدودة!

- أنتقلت بحكم عمل والدك وعملك أيضاً الى مناطق مختلفة من العراق..مالذي أضافته إليك هذه المناطق؟

• أنا شارب المايين... ماء دجلة والفرات,وماء الغراف أيضاً, حيث تقع مدينة الحي التي كنت أزورها لوجود بعض أصدقائي فيها.

عشت طفولتي في الناصرية والشامية والسماوة وعفك وأبوصخير,وعدت مدرساً في ثانوية الصويرة ثم معتقلاً في الكوت في سجنها.

عند إطلاق سراحي نقلت بأمر الحاكم العسكري العام لأمر تربية لواء الديوانية عام 1965 التي تكرمت بوضعي في ثانوية الدغارة,وفي الدغارة استقرت عائلتي الصغيرة وأصبحت مديراً لمدرستها مدة ثماني سنوات تفرغت خلالها للعمل التربوي الإداري ولكتابة الدراسات النقدية المعمقة التي كانت تنشر في مجلات (الآداب) و(الأقلام) حتى ظهر كتابي النقدي الثاني عام 1973 (الوجه الثالث للمرآة)في وقت اشتغلت فيه على دراسة الاعراف العشائرية وسواني العشائر بمساعدة الشيخ عبد الأمير الشعلان شيخ آل شبانة وعشائر الأكرع (بعد الشيخ موجد الشعلان رحمه الله) الذي كان دليلي الهادي إضافة الى مساعدة من يزورني من وجهاء العشائر المجاورة مثل المجرولين والهلالات وآل عمر والسادة العواودة.

وعندما نشرت دراستي عن (السواني في عشائر الدغارة) في مجلة التراث الشعبي كان ذلك تمهيداً للعمل الأكبر عن سواني العشائر في العراق والعالم العربي, وكان ذلك أساساً لما قدمته في مؤتمر التراث الشعبي في المملكة الأردنية عام 94 من بحث مطوّل عن (القضاء العرفي عند العرب) وهو أساس الكتاب الذي تكرمت (دار المدى) بطبعه حيث أهدتني عشرين نسخة من الكتاب...فقط!

في هذا التجوال الذي استمر حتى عام 1973 نشرت الكثير من البحوث عن الحكاية الشعبية وتواريخ المدن العراقية المتعددة وطقوسها الشعبية.

أنا ممتن لتلك الفترة الذهبية الغنية التي جعلتني اهتم بالمأثور الشعبي العراقي وبنيته وأصوله

هذا ما أضافت لي تلك المدن وأهلها الميامين.

- ماذا تقول عن النقاد في تلك المرحلة؟

إنها ليست مرحلة بل مراحل ومازال تطور العمل النقدي حاصلاً ضمن التيارات الجديدة وما زال الدرس النقدي يتسع للكثير.

- لم نسألك عن عملك الإذاعي والتلفازي؟

ذاك حديث يطول ولي في الحقلين أعمال وبرامج ومسلسلات لهما سحرهما الخاص ولهما مكانهما المؤثر.

-بعد هذه الرحلة الطويلة مع الأدب والثقافة بشكل عام..هل تنظر الى الوراء بغضب أم بكثير من الانحناء؟

لست اوزبورن ولن أنظر بغضب الى الوراء فما جرى قد جرى وقد خسرنا الكثير من سني حياتنا, ولكني أنظر الى سنوات العمر الذاهبة بكثير من الحسرة لأني كان يمكن أن أقول الأفضل والأكثر تأثيراً وجمالاً.

· نشر في صحيفة المدى عام 2019