رحيل الإنسان الباسم

رحيل الإنسان الباسم

علي حسين

هذا التركيب الفريد الذي يضم بين عناصره طيبة الإنسان العراقي، وشغف الكاتب بعوالمه، واستقامة وعفة الصداقة، وحنو الأب، والايمان بالثقافة حتى اللحظة الأخيرة من الحياة، وإعلاء قيمة المحبة. هذا التركيب العجيب احتواه شخص كانت الابتسامة لا تفارق وجهه لتختلط هذه الابتسامه بأسمه الذي اصرت والدته أن تسميه " باسم "، وكأنها كانت تعلم ان الابتسامة لن تغادر ملامحه، فمن النادر أن ترى باسم عبد الحميد حمودي من دون ابتسامته المتميزة.

واستميحكم عذرا ان تختلط مشاعري الذاتية مع تقييمي للراحل الكبير وانا اكتب عنه، ولكنني اظن ان الحديث يلمس جانبا ذاتيا، فقد عرفته منذ اكثر من ثلاثة عقود كان فيها هذا الانسان يقدم للآخرين افضل ما في دور المعلم من الحنان والاهتمام والرعاية.

يقول باسم عبد الحميد حمودي في اخر كتبه " العراقي الدكتور داهش " ان بغداد ظلت دوما موحية بتفاصيبل كثيرة، ولهذا لم يكتب عن بغداد باعتبارها ارثا تاريخيا وإنما كان يكتب عن القيم والمعرفة والحضارة، تفاصيل مدينة حاول باسم عبد الحميد ان يتفرغ لها ولحكاياتها، بل نستطيع القول انه عاش لها.

تربى باسم في بيت يعج بالكتب واحاديث الادب فوالده الاستاذ عبد الحميد حمودي تخرج من دار المعلمين العالية عام 1929 وكان من خريجي دورته الفنان عزيز علي وطاهر يحي رئيس الوزراء في عهد عبد الرحمن عارف، وعندما عين معلما في المدرسة الشرقية في الحلة كان من ابرز طلبته علي جواد الطاهر الذي خصص فصلاً من كتابه " اساتذتي " للحديث عن استاذه " عبد الحميد حمودي "، وفي متوسطة الحلة ارتبط بصداقة مدير المتوسطة الاديب الشهير ذو النون ايوب واستاذ اللغة العربية محمد مهدي الجواهري، في هذا الجو المشحون بالادب والفكر نشأ باسم عبد الحميد حمودي الذي بدأ حياته الادبية قاصا صدرت له عام 1958 مجموعة قصصية تحمل عنوان "أنا عاطل وقصص أخرى " وجاء على غلافها أنها " لوحات قصصية غرامية إنسانية واقعية "، وكان قبلها قد نشر عددا من المقالات في مجلتي الاديب والاداب اللتان تصدران في بيروت.

لم يشأ باسم عبد الحميد ان يحرمنا في الاشهر الاخيرة من حياته من كتاباته، وكان استمراره في النشر والتأليف يختلف عن استمرار غيره، فقد بدأ في الفترة الاخيرة وكأن هناك حلما يطارده، كأن عالم قديم يدعوه فلا يملك إلا ان يلبي الدعوة وأن يستمر في الكتابة كي تصل كلماته الى الناس. لقد مارس الصحافة بادوات الباحث، وكتب النقد الادبي باصرار الصحفي، واستهوته الرواية من اجل ان تصل رسالته وموضوعه الى اوسع دائرة من القراء ليمتعهم في معظم كتاباته بحكمة انسانية يقظة، تنم عن طيبة وذكاء ومحبة اصيلة للانسان، وكنا نتابعه وقد تجاوز الثمانين يتمتع بقدرة على إدراك العصر، ومتابعة اشكالياته، وروايته الاخيرة " الباشا وفيصل والزعيم " يدعونا فيها الى اعادة التفكير في نظرتنا الى التاريخ المعاصر والدعوة الى استخلاص العبر منه وهذا دليل على اهمية دور المثقف والذي حاول ان يلعبه طوال حياته، ان يكون مثقفا وطنياً.

استاذ باسم.. لكم نحتاج اليك في هذا الزمن، لكم نحتاج الى اضاءتك التراثية التي تنور العقول، وقلمك الهادئ.. لكنك اثرت الرحيل لنفتقدك، لكن صورتك ستظل شاخصة تذكرنا بالحكيم البابلي الذي لا يزال يجلس منذ الآف السنين، صامتا صامدا، وقورا، شاهدا، شاخصا نحو المستقبل، كذلك كنت ايها الباسم، وكذلك رحلت..