من تاريخ كربلاء في عهد الاحتلال البريطاني

من تاريخ كربلاء في عهد الاحتلال البريطاني

كربلاء والموقف من الاستفتاء عن مستقبل العراق 1918

قام البريطانيّونَ بعد احتلالِ بغداد في 11آذار (1917م) بترتيب أمور السّيطرة، ومنها كسب مشاعر النّاس وعواطفهم بإصدار بيان في 19 من الشهر نفسه يحمل توقيع الجنرال (الفريد موند)، والذي أصبح وسيلةً لكسب مشاعر العراقيّين ومنهم أهالي كربلاء،

ونصّ البيان: ((... الغرض من معاركنا الحربيّة دحر العدوّ وإخراجه من هذه الأصقاع.... إلّا أنَّ جيوشنا لـم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء، بل بمنزلةِ محرّرينَ، لقد خضع مواطنوكم منذ أيام هولاكو الظالم للغرباء فتخرّبت قصوركم وتجرّدت حدائقكم وأنّت أشخاصكم وأسلافكم من جور الاسترقاق..... فبناءً عليه إنّني مأمور بدعوتكم بوساطة أشرافكم والمتقدّمين فيكم سِنًّا وممثّليكم إلى الاشتراك في إدارة مصالحكم الملكيّة[المدنيّة] لمعاضدة ممثّلي بريطانيا السياسيّين المرافقين للجيش؛ كي تنضمّوا مع ذوي قرباكم شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا في تحقيق أطماحكم القوميّة)).

عُلّق (منشور موند) على جدران أزقّة مدينة كربلاء، وأخذ الناس بقراءته، فانقسم الرأيُ على قسمين: الأوّلُ متفائل بسبب تصديقهم نيّة القوات البريطانيّة من دخول العراق، وهو القضاء على الاستبداد والتسلّط العثمانيّ، بينما أبدى القسمُ الثاني بعدم الارتياح والتشاؤم؛ بسبب مقارنة ما كُتب في هذا المنشور ووعود بريطانيا في بدايات الحرب. أرسل السير (برسي كوكس) الحاكم السياسيّ للحملة البريطانيّة في العراق بعد نشر هذا المنشور في مدينة كربلاء، ضابطاً هو الميجر (هلتن يانغ) إلى هذه المدينة بُغية الاطّلاع عليها، ومعرفة المزاج العام للأهالي، فاستقبله أحدُ الوجهاء وهو الشيخ فخري آل كمونة وكان يمثّل نفسه متحدِّثًا باسم أهل المدينة، وأنزل ضيفه في بيته في عزلةٍ دون وجود أشخاص من الأهالي، وفي هذا اللقاء تمّ الكشف عن ماهيّة المجتمع الكربلائيّ اجتماعيًّا وثقافيًّا، وتمّ الاتّفاق على منح عائلة آل كمونة سَدانة العتبات المقدّسة في كربلاء وإدارة المدينة بصورةٍ مؤقّتة، وهذا الأمر لم يمرّ بسهولة، فالعشائر المحيطة بمدينة كربلاء رفضت تلك الامتيازات، بل هدّدت باحتلال المدينة والسيطرة على عتباتها المقدّسة - ويبدو تحوّل الأمر إلى صراع بين أهل المدينة والعشائر المحيطة- وانتهى الأمر بعقدِ هدنةٍ بين الطرفين، وتمّ حلّ الأمر بتقسيم ضرائب المدينة على ثلاث: الأوّل لعائلة آل كمونة، والثاني لعشيرة آل عوّاد، والثالث لعشيرة آل عمران.

ثمّ ظهرت مشكلةٌ أخرى وهي رفض أهل المدينة تواجد أفراد العشائر في المدينة، والراجح أنَّ السبب هو انزعاج الأهالي من تواجد أفراد هذه العشائر المسلّحين بشكل غير طبيعيّ، ووصل النفور والتشاحن إلى التهيؤ للقتال بين أهل المدينة بزعامة آل كمونة بين العشائر، بسبب إصرار تلك العشائر والسعي للمشاركة بقوّة في إدارة المدينة، وبخاصّة أنَّ العشائرَ فتحت جبهة على أهل المدينة، بعقد اجتماع في (قصر الدراويش) الذي يقع خارج المدينة في قرية الطف في منطقة الحسينيّة، بحضور عشيرة (بنِي حِسن)، ودعا المجتمعون عشائر الفرات للسيطرة على كربلاء. أخذ البريطانيّون بالتخوّف من حركة العشائر وبخاصّة أنّها تعلم ما لهذه العشائرِ من دورٍ في معركة الشعيبة، وحصار الكوت، وطرد العثمانيّين عام (1915م) من مدينتي النّجف وكربلاء، وهذا التخوّف أوقعهم في خطأ كلّفهم الكثيرَ فيما بعد، وهو الاعتماد على سكّان المدن بدل العشائر، فقام البريطانيّون بسلسلة من الإجراءات التي منحت السيطرة لعائلة آل كمونة، إذ شكّلوا (الشبانة) التي ساندت هذه العائلة، وفرضت الأمان على الطرق الداخلة والخارجة للمدينة، وفرض الهدوء والسكينة في المدينة، فضلاً عن ذلك قام البريطانيّون بجرد الأملاك الرسميّة (العثمانيّة) والأهليّة أيضاً كنوع من التنظيم والإدارة، وقصمَ البريطانيّون ظهر المدّ العشائريّ في المدينة باعتقال الشيخ رشيد المسرهد، وإبراهيم أبو والدة، وشعلان العيفان من عشيرة الكوام وأرسلوهم إلى الهند - وبهما أخافت العشائر- وتقع مضارب العشيرتين في محيط مدينة كربلاء باتّجاه مناطق الفُرات الأوسط، وإرسال الميجر (بولي) كحاكمٍ سياسيٍّ، الذي شكّل فيما بعد حكومةً مدنيّةً وإدارةَ جبايةٍ وهيأة انضباط.

ويبدو أنّ موقف العشائر كان مزيجًا من الدّوافع الوطنيّة والمصالِح الآنيّة، فالوطنيّة هي رفض الهيمنة البريطانيّة أمّا الشخصيّة فأنّه يرجع إلى الصراع على سلطة المدينة، إذ يرون بأنّهم القوّة التي طردت العثمانيّين عام (1915م) ويستحقّون سُلطة المدينةِ كمكافأة لعملهم؛ ولذا فبعد فشلهم اتّجهوا للتعاون مع رجال الدين. قام البريطانيّون بأجراء على صعيد العراق بشكل عامّ، وهو وضع صيغة قانونيّة لربط العراق بالاحتلال المباشر، فبما أنّ القوّات البريطانيّة قادمة بأوامر حكومة الهند –البريطانيّة، فقد أمرت هذه الحكومة في الثلاثين من شهر تشرين الثاني من عام (1918م) وكيل الحاكم المدني في العراق (أرنولد تالبوت ويلسون) بإجراء استفتاءٍ في شكل الحكومة الجديدة في العراق، وكانت أسئلة هذا الاستفتاء قد نصّت على: 1- هل ترغبون قيام حكومة عربيّة تحت الهيمنة البريطانيّة تمتدّ من حدود ولاية الموصل الشماليّة حتّى الخليج العربيّ. 2- هل ترغبون بتنصيب رئيس عربيّ على هذه الحكومة. 3- وإذا كان الأمر كذلك، فمَن هو الذي ترونه مناسبًا لمنصب رئيس عربيّ على هذه الحكومة

. عُقد اجتماع في مبنى سراي الحاكم السياسيّ في السادس عشر من شهر كانون الأوّل عام 1918 م لأخذ الإجابات، وظهر تردّدٌ بين الأهالي عند توجيه تلك الأسئلة، فطلب الكربلائيّونَ من السلطات مهلة ثلاثة أيّام لكي يتداولوا في الأمر، وهي المدّة التي وافق عليها البريطانيّون، فعقد الكربلائيّون اجتماعًا في دار السيّد محمّد صادق الطباطبائيّ وثمّ في دار الشيخ محمّد تقيّ الشيرازيّ، ووضع جوابٌ واحد لا غيره وهو الطلب بإقامة حكومة عربيّة مُسلمة يرأسها أحد أنجال الشريف الحسين بن علي، ويبدو أنّ هذا الرأي هو من مؤثِّرات الإسلاميّين السياسيّين في كربلاء. كان (ويلسون) ينظر إلى مدينة كربلاء نظرةَ توجّس وحَذر؛ بسبب التخوّف من قيام أهاليها بنشاط يعرقل خططَ البريطانيّين في العراق؛ ولذا أصدر أوامره بضرورة استحصال نتائج مُرضيّة لسياسة حكومة الهند – البريطانيّة، والتي التقت مع مصالح قلّة من الكربلائيّين الذين نظّموا مضبطةً تؤيّد وجهة النظر البريطانيّة في الاستفتاء، وأوّل من صدّ هذه الرغبات هم رجالُ الدين في مدينة كربلاء، إذ أفتوا بأنّ: (كلّ مَن يرغب في حكومة غير مُسلمة من الناس مارقًا عن الدين) وبسبب هذه الفتوى أصبح هناك تردّدٌ من المجتمع الكر بلائيّ في إعطاء ردٍّ يتجاوب مع الاستفتاء؛ بسبب قيام الأهالي بالتحريض على رفض الاستفتاء، وبسبب موقفهم اعتقل البريطانيّون في 1 تموز (1919م) ستّة أشخاصٍ بتهمة إثارة النّشاط العَدائيّ ضدّ الوجود البريطانيّ، وهم عمر الحاج علوان، وعبد الكريم العوّاد، وطلفيح الحسّون، ومحمّد علي أبو الحَب، والسيّد محمّد مهدي المولويّ، والسيّد محمّد علي الطباطبائيّ لكن ذلك لم يثنِ الكربلائيين عن مطالبهم الحقّة واستمروا في جهادهم ضد الإنكليز حتّى تحقّق لهم مبتغاهم.

عن العتبة العباسية المقدسة ــ موقع مركز تراث كربلاء ــ تاريخ كربلاء