ترويض السرد الإنساني لأزمنة ما بعد كافكا

ترويض السرد الإنساني لأزمنة ما بعد كافكا

عباس الحسيني

بدأ الأمر وكأنه مجرد مسار لكاتب، راح يكدح مجتهدا في مطبات الغموض، الغموض وحده دون غيره من أدوات القنص الروائي، وهو، السيد كافكا، الذي لم يحظ كغيره من أدباء جيله، بالتقدير في عصره.

هل كان ليهودية كافكا اثر في تحوله الباطني؟

ربما تكون هذه الإشارة غير العادلة، والتي ضمنها الناقد الإنكليزي الشهير ذات مرة، جون دوفر ويلسون، حول الانكفاء في الذات اليهودية واتجاهها إلى الباطنية، وهو تحليل غير دقيق وبعد الشبه عن تجليات كافكا.

نسج فرانز كافكا حكايات طمس فيها الخطوط الفاصلة بين الواقعي والعبثي المراوغ والمرعب.

وهو اخطر ما يمكن ان يتبناه اي كاتب، او خالق نسيج فكري، لأحداث المهمات الأعظم التي يتصدى لها جميع الأنبياء والفلاسفة والمفكرون، وغيرهم، في المستحيل المتمثل بتغير نمط التفكير القائم والسائد لشعب او مجموعة إنسانية بعينها.

عمل كافكا بدقة لا رحمة فيها، وبتفان يمكن استدراكه عبر رهافة العبارة ودقة التصوير وسعة الأفق، حيث اقدم واثقا على تشريح القلق، بكل مرارته، والاغتراب، بكل تجلياته، والفكاهة السوداء بكل ثرائها الملغز،

وهي البنى الفكرية الكلاسيكية آنذاك، والتي تكمن تحت القشرة المصقولة بدقة متناهية، في المجتمع المخملي الحديث.

لم يكُ كافكا ليعلم أن رؤيته الأدبية الفريدة ستتبلور ذات يوم في مصطلح كــافــكــوي، وهو مصطلح قائم بذاته، وهي كذلك صفة نادرة تجسد مواقع وطبيعة الفخاخ البيروقراطية المشوشة، وغير المفهومة، التي يمكن أن توقع بوجود الإنسان في شرك الحيرة وافتراءات الازمنة.

نفس بشرية

استغلت قصصه الانساق المغذيةالعميقة لعلم النفس البشري، والمخاوف والأسرار الكونية التي تجاوزت الزمن والثقافة.

تاريخانية كافكا لا تشبه تاريخانية هيغل وفيورباخ، انه يحاور التاريخ في مديات قصيرة المدى وباستحضار تواريخ أخرى كما في ذاكرة المسخ، ليحيلها إلى مشرحة الواقع ممزقا إياها بمشرط الغواية والعبث المؤقت، انه مسرح متفاوت القيمة لكنه جسور ومعبر ومتواصل.

كافكا كان يمثل التحول، الذي لا مفر منه لجريجور سامسا، بطل كافكا المنهزم والممسوخ إلى صرصور،

انه البطل التراجيدي الذي لم ولن يتوقف عن العويل شعريا كما في هاملت و زيفاكو … حيث تكون السلطة مشرطا على اللسان، والمقصلة قبلة عاشقة على رقبة الضحية.

وقد استمر تأثير كافكا، كما تنبأ له كثيرون في التحول، وشق طريق السرد الغامض ببطء عبر بوابة مدارس تيارات اللا وعي الأدبية، والتي ضمنتها شروحات كلود ليفي شتراوس فيما بعد ضمن الحركة البنيوية.

والملفت ان جميع الأدباء والشعراء وارباب الكتابة من الذين جاءوا بعد الابتكار الكـافكـوي، وجدوا أنفسهم محاصرين في دهاليز رؤيته العالمية الغريبة، حيث الحدس الثاقب، والتدقيق شبه الممل في التفاصيل من الهمس والسمع والإنصات والتأفف والتوبيخ الدائم للذات والحوار الباطني وبشكل مخيف، حتى ولوج مراحل الاذعان للنص ومرارات اعادة فهم المأساة الإنسانية، ومن ثم إحالتها إلى مسارها الحقيقي، وبات المؤلفون بعد مرحلة كافكا غير قادرين على التخلص من لوثته المهيمنة، في السرد الخارج على المسارات التقليدية، او الأخاذ عبر تخوم اللغة المفخخة.

تبنى الوجوديون من أمثال سارتر وكامو ودي بوفوار وريجيس دوبريه ضمن جهود كافكا في الطروحات الإنسانية المحمومة والبحث عن المعنى الحقيقي والخلاص الأبدي من الشعور المثقل بالذنب والخطيئة المتبناة، تجاه التجاوزات غير المبررة على جوهر الذات الإنسانية التي اقترفت مطلع القرن التاسع عشر وما تلاه من ثورات تكنولوجية عمقت الهوة بين الإنسان والآلة بصفتها اداة إبادة وقتل وفناء.

كان المجتمع الغربي يزداد توحشا وتطرفا وابتعادا عن المحاور والقيم الإنسانية، ليفاقم غربة الأنـى المقيدة بمسارات السلطة والمؤسسات والأنظمة القاسية في مساراتها الضاغطة بشدة على الأحلام والتطلعات الإنسانية.

ومن كامو إلى سارتر، كانت بصمة كافكا تنتقل كعلامة دالة على تأملاتهم في العبث، والتجريد والإحالة إلى الغامض.

الواقعيون السحريون من اللاتينيين، مثل غابرييل جارسيا ماركيز وميخيل إستورياس وجورج امادو، قد نسجوا ايضاً خيوطا كافكاوية ضمن تجليات الاستعارة والاغتراب النفسي وإعادة تحليل القوالب السردية، في نسيجهم من الأدب الذي يصنف على انه مخيال مترف ضمن تيارات اللا واقعية السحرية.

السحرية الواقعية نفسها التي عمل عليها غابريل غارسيا في روايته مائة عام من العزلة، وخريف البطريارك وليس لدى الكولونيل من يراسله وكذلك في رواية حب في زمن الكوليرا، التي استهوت هوليوود وقد جسدها الممثل الكولومبي خافيير بارديم.

وفي عصر ما بعد الحداثة، أصبحت مراوغات كافكا الأسلوبية بمثابة خارطة طريق لأولئك الذين يرسمون تضاريس الوجود غير المؤكدة. حيث قام مؤلفون مثل توماس بينشون، وهاروكي موراكامي، وبول أوستر برسم لوحاتهم السريالية الخاصة بهم، مشوهين الواقع من خلال عدسات كافكاوية واضحة المعالم، حتى أصبح من الصعب التمييز بين العادي والاستثنائي.

عجز كوني

من نضال الفرد ضد الأنظمة اللاإنسانية، إلى عجزنا الكوني في مواجهة ألغاز الحياة، أصبح مصطلح الكافكاوي، اختصارًا للمحنة الوجودية.

الرجل الملهم الذي افتتح مسيرته بقصص كوميدية مظلمة لتناول سيرة رجل عادي، عادي حد التمرد على ما اعتاده من ظروف مؤسفة تكاد تتضخم لتتحول إلى عامل تأثير مهول في عواقبه – حيث يخصص للحالة الإنسانية سريرها الفصحي الفكري ويكاد يركب لها عقاقير سامة ومن ثم يدفنها في الضمير الإنساني

لقد أصبح الغامض واضحًا، والواضح غامضا كامرأة تتلوى من الموت لذة، ولن تكون أبدا أفعى، او كسمو وشموخ حضارة اقامها النبلاء على دماء وعظام المسوخ البشرية.

ولم يعد الأدب بعد السيد كما كان عليه من قبل، مجرد حكم وسير ذاتية لاناس مترفين وسعداء لا يفصلهم عن السعادة سوى عبور جسر صغير، او الانقضاض على طاغية بليد، الزمن الكافكوي هو الزمن الحقيقي لولادة الاسى الباطني، الاسى الإنساني الذي لا يرى، ولا يسترد، ولا يكشف عن ضعفه.