نص نادر لابراهيم صالح شكر..إستقالة إبراهيم صالح شكر المدوية 1931

نص نادر لابراهيم صالح شكر..إستقالة إبراهيم صالح شكر المدوية 1931

23 كانون الثاني 1931

صاحب السعادة المحترم

منصرف لواء بغداد

تحية واحتراما:

وبعد فان عصامية وثبت من مكامن الكرامة، في اروع صور الجلال، وفي انبل عواطف الاخلاص فكانت سراج الشم، ومصباح الاباء، ومازالت ملتمعة على حواشي الايام وصفحات الحوادث، منذ "تنمر الاتحاديين" حتى استنسار "الجندي الصغير".

هذه العصامية اللامعة الوضاءة، لا تطفئها اكاذيب العصبة الغادرة ولا تمس بالكيد الخبيث الساقط، وانما تظل مشعة ساطعة الشعاع، فنورها مستمد من تقوى الوطن، وايمان العقيدة المخلصة المطمئنة، ويأبى الله الا ان يئم نوره ولو كره "الخائنون".

هذه العصامية المؤمنة المطمئنة مازالت ولن تزال تغني انشودة المجد، في احرج المواقف الخطرة، وتنشد لحن الكرامة، في اخطر الظروف الصعبة، فاذا عبس الحظ، وتكدر العيش، وتجمعت الحياة، راحت باسمة لوجاء هائمة الضمير، مطمئنة النفس، فمهمتها في الحياة مقارعة الصعاب، ومنازلة الكوارث، والعمل على ما يرضى امجاد البلاد وضمير الواجب الوطني.

هذه العصامية المخلصة الابية، لا تسف الى المباآت الاهلة بالحشرات والجراثيم فتجارى اعداء البلاد، وصنائع العانس الشمطاء" المترجلة بين "اشباه االرجال" وانما هي تمكث في العلياء المنيعة، تجاري كبرياء الوطن، وتصانع كرامة الشعب، وتمهد المبادئ السامية، وتكافح في سبيله، غير آبهة لفحيح الصلال السامة، وغير ملتفتة لعواء الذئاب المسعورة.

***

تلك عصامية انعم الله على بها، فاذا حدثت عنها فبنعمة الله احدث، فنحن انما نعيش في بلد، يتطلب الافصاح من خدمته عنما يكنون ويضمرون بعد ان اصبح الخائن يتبجح بخيانته، وراح الا ثم يفاخر باثامه، وبدت الرذيلة سافرة متبرجة اذن فالغيارى معذورون اذا حدثوا بما افاء الله عليهم من نعم وافرة وكرامة سابغة.

اما البؤس والشقاء اما الفقر والفاقة، اما ذلك كله فلابد منه في الحياة وهو خير من الثروة المسروقة والمال الحرام، والجاه الزائف، والمكانة الكاذبة، ثم ان الجوع خير من التدني الى التقاط الفتات المتساقط من مائدة الاستعمار، اذن "فاني غني" رغم الفقر المدفع، والفاقة الساحقة.

لست املك مالا، ولست املك نشبا وقد ترك لي ابي دارين اثنتين، ملك الاولى بكد يمينه، وورث الثانية عن ابيه فبعتهما وعشت بالثمن، فانا الان اسكن بالاجرة دارا صغيرة متهدمة، هي خير عندي من "القصور" التي اقامها السحت واشادتها الخيانة وسكن اليها الفجار.

وقد الفت العيش الشريف، من الخدمة الشريفة، في الصحافة الشريفة ولكن حكومة "الوضع الشاذ" عطلت جريدة "الناشئة" منذ سبع سنين ولما تزال معطلة، ثم عطلت جريدة "الزمان" سنتين اثنيتين كاملتين، ثم عطلت "المستقبل" و"اليقظة" و"التجدد" ثم عملت انها واقفة بالمرصاد، لاية صحيفة اصدرها مالم اجنح الى مهادئة السياسة الاستعمارية الغاشمة، او السكون عن مطاياها، من المحسوبين على هذه الديار، وهم الد الخصوم.

والوزارات المتتابعة في هذه البلاد، انما تضافرت على تعطيل الصحف التي اصدرتها بعد ان جربت وسائل الاغراء، وبسطت لي كفها، بما عليه من كد الفلاح، وتعب العامل، لاهادئها فقد، فخابت في اساليبها المغرية، واني في هذا الموطن ولهذه المناسبة اتحدى الوزارات، الوزارة تلو الوزارة، والوزير بعد الوزير، وافخر بهذا التحدي ما دمت اعيش بين اناسي، يتعبدون المال ويهملون الكرامة وهذا نوري باشا السعيد الوزير الدائم في الوزارات المتتالية، ورئيس الوزارة الان، كان يلوح لي (بالنيابة) اذا هادنت وزارته فكنت الوح له بها عن طريق الشعب اذا جاءت، ولما عطلت صحفي الواحدة بعد الاخرى، ولما سدوا في وجهي سبل الارتزاق النبيل، ولما لم يبق في يدي من اوراق الحياة، الا ورقة واحدة، هي (ورقة التوظيف) سألتها لامسح بها جبين الطفل المعصوم ودمعة الصبية البريئة، والزوجة المخلصة الصبور.

لايكفي الانسان لان يكون غنيا، صاحب مال وعقار، او وزيرا يتمتع بالقلب الفخامة والمعالي، وانما ينبغي له ان يضم الى الثروة والالقاب، نفسا ابيه ورأيا فاضلا، وخلقا شريفا، لاينحط الى المساوئ الساقطة، ولا يتخبط في البؤر الآسنة.

ان اوكار المجد انما وجدت لتحتضن، تسور البؤس، وافراخ الفقر، وان اعواد الكرامة الثابتة في حقل الشمم، لا تحصد بمناجل الصنائع السفل، ولا تشذب بالات الانذال الاخسة، وان صوت الحق لن يتبدد في الهواء.

اما اللهفة الاليمة، فتعود في قرارة النفس، سخطا متمللا، والسخط يحفز الحقد، والحقد يثير الشر، ويدفع الى الانتقام، ومسفوح الدم، خير من مسفوح ماء الوجه.

***

لقد توظفت في هذه البلاد، ولست قائلا بالابتعاد عن التوظيف، وانما انا من القائلين، باسناد الوظائف الى الخاص من ابناء البلاد وانقاذ – الدواوين الحكومية من عناصر الدخلاء، واشخاص السوء.

وما كانت، وظيفتي، ذات رأي مسموع، في ادارة البلاد وسياسة الشعب وانما هي وظيفة كتابية، ضئيلة الراتب، كثيرة العناء، وقد فضلتها على غيرها من الوظائف التي عرضت على لئلا احشر وتلك الضالة الحقيرة، التي لوحوا لها بالكرسي الناعم، والراتب الضخم، فهرعت اليها، غير ملنتفتة الى ايمان الشرف، واعلان الملأ بالوطنية الصارخة، والتصريحات الخطيرة.

وما توظفت، لاني هائم بالتوظيف، او مطمئن الى العيش من راتبه وانما توظفت بعد ان استحكمت حلقات الشفاء، وسد الظالمون في وجهي ابواب الحياة، فتأملت ملياً، فرأيت النجاة في طريقين اثنين، الاول يوصل الى الخطة وسقوط الاخلاق وامتهان الضحايا المقدسة، والمبادئ السامية ذلك هو طريق الصحافة المداجية، والكتابة المنافقة، وانى احتقر سالكيه، واستهتر بالداعين اليه، اما الطريق الثاني، فانه على خموله وكثرة اتعابه اضمن للسلامة، وادعى الى الراحة، هذا هو طريق التوظيف، الذي اخترته مكرها، وسلكته مضطراً وقد سلكته لارضي به بعض الواجب الذي قضت على به الاقدار الساحقة، واني صابر غير جزع مما صرت اليه، وغير ملام عليه من العصبة الطيبة، والملأ الصالح.

***

اما ان يعمد الانذال وسماسرة الوزارة الحاضرة، فيتخذوا من وظيفتي هذه وسيلة للتنديد والمبادئ الوطنية، او انهم يحاولون ان يتخذوا من وظيفتي وسيلة لافهام السذج باني اصبحت منهم، واتسمت بالعار الذي وسمتهم به الحوادث المتتالية، والايام المتتابعة، فذلك مالايستطيعه الانذال والسماسرة ولن يستطيعه سادة الانذال وسادة السماسرة، واي سيد في هذه البلاد مهما كانت شخصيته ومهما كانت مكانته، ومهما تكن صفته، وان قلامة من ظفر في اصبع من قدمي، لاضن بها ان تكون تاجا لتلك العصبة الضئيلة في نفسها واخلاقها وشرفها.

والوظيفة التي يستطيع الاخسة ان يوسوسوا بها حولي، من الواجب طرحها ونقض يدي منها، فانا اقدم اليكم هذه الاستقالة، وارجوا ابلاغها الى وزير الداخلية، ليطلع عليها، وليعلم منها ان صنائعه، وخدمة رغباته لايستطيعون مس الكرامة، اذا تغلغلت في اعماق النفس الابية الجبارة.

وسوف اجنح الى العزلة البائسة، زاهدا في الحياة، وسأترك هذه الحياة كريما خالدا!.

إبراهيم صالح شكر

عن كتاب (ابراهيم صالح شكر) للاستاذ عبد الحميد الرشودي