الكاتب الرصين والصحفي الجريء

الكاتب الرصين والصحفي الجريء

شكيب كاظم

كاتب راحل

يعد الأستاذ إبراهيم صالح شكر، من رواد الصحافة العراقية، إلى جانب: روفائيل بطي وانستاس ماري الكرملي وعبد الغفور البدري،ومحمود أحمد السيد، وعبد الرزاق شبيب وعبد القادر إسماعيل البستاني والجواهري الكبير وعبد الوهاب محمود وغيرهم، إذ أصدرَ العديد من الصحف،

لكن سيف التعطيل كان مشهراً ضدها، ولعل صراحته وجرأته في نقد أدواء المجتمع العراقي، كانت السبب في قرارات التعطيل وإلغاء الأمتياز، ولو كان مداجياً ومداهناً ومرائياً،لما طال صحفه المنع.كما كان من كتاب المقالة الرصينة، التي يكتبها بلغة راقية عالية، وهي لغةٌ كان يكتبُ بها كبارُ المنشئين وكتاب المقالة أمثال: أحمد حسن الزيات ومارون عبود وأمين نخلة، وكامل الجادرجي في جرائده: الأهالي وصوت الأهالي وصدى الأهالي، والجواهري الكبير في جريدته (الرأي العام) قلتُ: كانت صراحته جالبةَ للأذى،.

ولعل برقيته التي طيرها لرشيد عالي الكيلاني، رئيس الوزراء الذي أعلن انتفاضته على العرش، ممثلاً بالوصي الأمير عبد الإله بن علي، وبدفع من ما عرف بالمربع الذهبي، وهم العقداء محمود سلمان قائد القوة الجوية، وصلاح الدين الصباغ، ومحمد فهمي سعيد وكامل شبيب، يساندهم المدني محمد يونس السبعاوي، وهي ما عرفت بالأدبيات السياسية العراقية بـ (حركة مايس/آذار 1941) لعل هذه البرقية من أوضح الأدلة على جلب الأذى له التي جاء فيها: السحاب الأحمر إنما يتدفق في الأفق لتشرق على مجد ملَّ الرُقاد بين الأحلام والذكريات، فهب إلى الجهاد في حشد واسع من الأمل، واضح الرجاء، يستمد النصر من نور الله، ويأبى الله إلا ان يتم نوره.وبين زغاريد البطولة وهُتافِ الشرف، وتهاليل الكون يتولى الذادةُ والحُماة أمانة الجهاد في كتائب حمراء، تواكبها هالة من ضياء يوهج بالإيمان وتقوى الرحمن. باسم الله والوطن. حي على الصلاح، حي على الفلاح، حي على خير العمل. ولنا أن نقف عند اللغة الراقية لهذه البرقية، مما يؤكد ما ذهبت اليه آنفاً بوصفه مقالياً جيداً، واضعين في الحسبان، أنه يوم أبرق هذه البرقية كان قائم مقاماً لقضاء خانقين، حتى إذا أُديل (بحركة مايس/آذار)، بعد سبعة وعشرين يوماً، من معارك غير متكافئة، بين الجيش العراقي، وقوات بريطانية، شعر إبراهيم صالح شكر بالخوف والإحباط، فكان يمضي أيامه خائفاً يترقب، وبعد أقل من شهر من انفراط عقد حكومة الدفاع الوطني، نقل إلى قضاء قلعة صالح،التابع للواء العمارة، قائم مقاماً للقضاء، وبعد أكثر من أربعة أشهر فصل من الوظيفة، ويظل الضعف الإنساني، هذه الجبلة التي جُبل عليها الإنسان وفُطِر، سبب في الكثير من التصرفات التي تؤكد ضعف الإنسان أمام متطلبات الحياة وفروضها القاسية، إذ ما عتم العراق، بعد أقل من شهر على عودة الوصي إلى بغداد، أن اعلن الحرب على دول المحور، فأهتبلها إبراهيم صالح شكر فرصة سانحة بارحة ليطير برقية أخرى، لكن هذه المره، ليست إلى رشيد عالي الكيلاني، بل إلى غريمه عبد الآله، مؤيداً خطوة الحكومة بإعلانها الحرب على دول المحور، أي ألمانية وايطالية واليابان. وأنا أقرأ الدراسة التي كتبها نجلُه مليح صالح شكر، ونشرها في الطبعة الدولية لجريدة (الزمان) في العاشر من مايس/ آذار 2013، وقفت متأملاً في نظرته الثاقبة والذكية إلى بعض الشخوص، الذين جلبهم الملك فيصل الأول معه أو استدعاهم بعد توليه عرش العراق، ممن تعاونوا معه أيام القتال ضد القوت العثمانية، وهي ما يطلق عليه اسم (النهضة العربية) التي انطلقت في التاسع من شعبان سنة 1334 الموافق للتاسع من حزيران سنة 1916. ومنهم ساطع الحصري، إذ كان ينتقدُه لأنه جاء بمدرسين أجانب، ليدرسوا تلامذة العراق، جغرافية فرنسة، ويتركون جغرافيا العراق، ويحدثونهم عن أنهار الراين والسين والتايمس ويَنْسَوْن دجلة والفرات، ويروون لهم تاريخ نابليون وبسمارك، ويدَعون تأريخ عمرَ بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، هذا الصحفي الذي كان يندد بالانتداب البريطاني ومعاهداته مطالباً بحرية الصحافة والتظاهر والتعبير، مطالباً بإبعاد الأجانب عن وظائف الدولة العراقية، تحت مسمى (المستشار) والتجنيد الإجباري، ومندداً بزيارة الداعية الصهيوني (الفريد موند) لبغداد، منتصراً للطلبة الذين تظاهروا احتجاجاً على زيارة هذا الصهيوني، بعد أن عوقب بعضُهم. ويظلُ يندد بهذا الأجنبي، التركي المستعرب ساطع الحصري، لائماً وزارة المعارف على إبقائها هذا الأجنبي وغيره من الأجانب في ملاكات الوزارة، الذي كان لا يجيد الكلام بالعربية، إذ وأنا أقرأ الكتاب المهم للأديب المصري الكبير الأستاذ وديع فلسطين.

وقفت على حقائق لسان هذا الرجل، الذي هو خليط من عاميات شامية، وعراقية ويمنية وتركية، ويوم يدعوه المجاهد العربي اللبناني أسعد داغر لإلقاء محاضرة عن القومية العربية، يقول الأستاذ وديع فلسطين في كتابه المعنون بـ(وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره) وشَرَع ساطع الحصري في القاء محاضراته، ولم يكد يبدأ حديثه بصوت خفيض، حتى أخذ الحاضرون يتهامسون متسائلين بأية لغة يتحدث هذا الرجل؟ فكلامه غير مفهوم وهو مزيجٌ من لكنات تركية وعراقية ومغاربية ومقدونية، ضاعت أثنائها مادة المحاضرة، وإذا كان جانبٌ من الحاضرين قد صَبَر على معاناة الاستماع، فان الغالبية العظمى منهم تسللت لواذاً خارج القاعة حتى كادت تفرغ من الحاضرين، ويوم يدعوه صديقه الأمير مصطفى الشهابي، رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، لتناول الغداء صحبة ساطع الحصري، يلبي الأستاذ وديع فلسطين الدعوة، ولما بدأ يتحدث – كما يقول الأستاذ وديع – لم أفهم منه حرفاً، واستصوبت التحول إلى الانكليزية فجاوبني بها بكلام واضح، واستمر الحديث بيننا بهذه اللغة الأعجمية طوال الجلسة وفي غير مشقة.

عن الحوار المتمدن