من طرائف الاستاذ جعفر الخليلي

من طرائف الاستاذ جعفر الخليلي

رفعت مرهون الصفار

كان الخليلي استاذا ادبيا .. كاتبا .. خصيب الذهن نافذ البصيرة .. حافظ البديهة . ذرب اللسان ..سمح الطبع .. رقيق الشمائل .. كريما . متواضعا .. وفيا .. يكره كل انواع التعصب .. كان يلقاك فتأنس الى حضوره .. ويغيب عنك فتشتاق الى لقائه وهو يمتلك الى جانب ملكته الادبية ملكة التحدث فلا احسب مستمعا للخليلي مل حديثه او سئم امثلته التي ينتزعها من الواقع فيأتي بها شواهد لما يقول سلسلة وحكايات تجعل السامع اذانا صاغية ..

والى هذه الملكات يعزى انجذاب الكثير من مختلف الطبقات اليه

ولم تقتصر صفات الخليلي الى الادب والشعر وانما كان يعرف بالظرف وبراعة النكته ولا يفوته ايرادها حتى على نفسه فيتحول مجلسه الى مرح متواصل ليس لكثرة ما يرويها من الشواهد والامثله ولا لطول باعة في الادب والقصة والشعر , وانما للمقالب التي كان يحوكها وهناك شواهد كثيرة على ذلك فمن النكات العارضة والدالة على سرعة البديهة مانشرته جريدة الايام العراقية (قيل للاستاذ جعفر الخليلي انك ابو الصحافة فقال انا ابوها حين يريدون شتمها ولعنها – لعن الله ابا الصحافة – اما قصورها وسياراتها فليس لي منها شيء ) ونشرت جريده الزمان على لسان الخليلي قوله – وهو يشكو داء النقرس ( النقرس يسميه العرب داء الملوك ) قائلا ( لست ادري لماذا ليس لي من الملوك الا مرضهم).

اما رفاههم وهناؤهم فلهم وحدهم دون غيرهم.. كتب الخليلي في الجزء الثاني من كتابه ( هكذا عرفتهم ) هذه الطرفة : وضلت امنية التقائي بنظير زيتون زمن طويل دون ان يكتب لي التوفيق لتحقيقها على قرب حمص من بغداد وعلى كثرة زيارتي سوريا ولبنان.

وفي صيف 1966 كنت في بيروت وقد اتخذت من مكتب السيد محمود صفي الدين صاحب دار بيروت لتغيبه في اوربا واذا بشخصين يدخلان المكتب وقد نم سيماؤهما على انهما وجهان كريمان وشخصيتان محترمتان وقد تقدم احدهما بنصف خطوة عن الثاني وقد ضنني خليفة السيد محمود صفي الدين بدار بيروت او اني وكيله او احد موظفي مكتبه وقدم الي صاحبه قائلا انه الاديب الشهير نظير زيتون وبدل ان اشهق شهقة الفرح الذي حقق الله امنيته اذ اعطاه الدنيا برمتها هذا الالتقاء تماسكت وتجاهلت الامر فلقد لذ لي في تلك الساعه ان امزح وسالت الرجل الذي قدم لي زيتون وما هو عمل الرجل قال انه الاديب الكبير وقد طبقت شهرته دنيا العروبة والاوساط الادبية فكيف تجهله ولا تعرف اسمه؟ وتمالكت نفسي وقلت له وحضرتك من تكون ؟ فقال انا محمد علي الطاهر .. يا لله ما اعجب ماتفعل الاقدار وتجيء بها المصادفات فهذا رجل اخر من رجلات الكبار المحبوبين الذي طالما تمنيت ان اراهم وطالما فكرت في السعادة التي ستغمرني اذا ماكتب لي ان احظى بلقاء احدهم فانا اعرف الاستاذ الطاهر منذ زمن بعيد . منذ ان كان يصدر جريدة الشورى وكانت تصل الي بطريق المبادله مع جريدة الراعي ثم لم اعدم الرسائل التي تجعلني اعرف هذا المجاهد الكبير والوجه العربي المشرق بفضائله وايمانه وتضحياته , يا لله ماتفعل المصادفات كيف جمعت بين هاتين النعمتين وانزلتهما علي كما تنزل الرحمه من السماء وكنت اثب من الفرح ولكني تمالكت نفسي كما قلت وعدت الى ماعرفت به من الدعابة وتظاهرت بجهلي الرجل وقلت : ماهو عملك انت ؟ ويظهر ان الاستاذ الطاهر ضيق الصدر شديد الغضب فقد برم وسئم وظن ان الجالس وراء المكتب والذي استخلفه السيد محمود في محله اقرب الى السوقة منهم الى اهل الثقافة فكرر قوله وبشيء من العصبية والحملقه قائلا : انا محمد علي الطاهر وقلت ولكن الم تقل انك زيتون ؟؟ قال لقد قلت لك ان صاحبي هذا هو نظير زيتون ولم اقل لك انا نظير زيتون .. قلت لا فرق فلتكن انت الزيتون او هو ثم عدت مرة اخرى للتباله وكان قد ضاق صدر ابي الحسن الطاهر اكثر ولم اعلم يومها انه اذا ضاق صدره فلن تكون العائبه حسنه لقد عدت اسئله اذا فمن يكون صاحبك هذا ؟؟ قال وقد بدأ على وجهه الامتعاض لقد قلت لك انه الاديب نظير زيتون فاذا كنت لم تسمع به ولم تعرفه فما الذي استطيع ان افعل انا والمهم ان تعلم ان للاستاذ نظير زيتون مجموعة كاملة من كتب لسان العرب هنا بدار بيروت وقد جئت به ليتسلمها فهل ستسلمها له ام لا ؟؟ قلها مرة واحدة ( وبعد ان جلس الطاهر وجيء بهما بالمرطبات نفد صبري فقمت من وراء المكتب وتقدمت اليهما وقلت والان جاء دوري لتعريف نفسي لكما فانا فلان، وقفزا في وجهي وتعانقنا طويلا فضحكنا طويلا).

الطرفه الثانية : ( دكتور مصطفى جواد نسيج وحده في البحث والعلم والادب وان ملكاته في التحقيق كانت موضع اعجاب الجميع فهو موسوعة ودائره معارف متنقلة اذ كان عالما بمفردات اللغة العربية وعلومها متضلعا من لهجاتها الخاصة وقد استغل الخليلي هذه المعرفة فاتفق مع الشاعر الشعبي الساخر حسين قسام الذي عرف عنه بقدرته اللغوية ايضا وباستطاعته ان ينظم الشعر بسرعة وبكلمات وجمل تبدو لك عربية ولكن لا اصول لها في اللغة الدارجة او المعاجم اذ تنطلي معانيها على السامعين فضلا عن انه نسيج وحده في تمثيل الادوار الفكاهية وظرف ونسج الاحاديث والنكات اتفق الخليلي مع هذا الشاعر ان يحضر الى سينما الوطني حيث يحضر الدكتور مصطفى جواد عصر كل يوم الى ادارة السينما ثم يدعي انه بنى سينما في مدينة الشنافية وانه جاء ليشتري افلاما ويستمر في كلامه الذي ذكرناه سابقا غير المفهوم عدا المقدمة– شراء افلام مما دعا الخليلي ان ينبه حسين قسام بان الاجدر به ان يخاطب الجالس بقربه وهو الاستاذ الدكتور مصطفى جواد لكونه عالما لغويا ومتضلعا من اقرب اللغات من الممكن ان يتفهم مطلبه عند ذلك اتجه القسام الى دكتور مصطفى مكررا الطلب معيدا الكلام الذي لا معنى له مضيفا له كلاما مطولا فما كان من الدكتور مصطفى الا ان يطلب منه التسهل وان يعيد قوله فاعاد ثانية وثالثة ورابعة دون ان يفهم الدكتور او اي من الموجودين شيئا وبعد مضي على مايزيد ربع ساعة على هذا المنوال ضحك الخليلي والقسام وعرف الدكتور مصطفى بالشاعر فكانت مداعبة استلطفها الحضور وعلى راسهم الدكتور مصطفى جواد ..

ومثلما كان المرحوم الخليلي يحوك النكات والمقالب على غيره فقد كان يتقبل نكات الاخرين ومقالبهم بصدر رحب . فقد اقامت جريدة الهاتف مسابقة شعرية مدارها استعمال كلمة (كلك) في موال والجائزة اشتراك في جريدة الهاتف لمدة سنة مجانا وقد اشترك فيها شعراء شعبييون كثيرون من النجف وخارجها . وفي اثناء الحفل الذي اقامته جريدة الهاتف لاعلان اسم الفائز اتضح انه والدي الشاعر مرهون الصفار .. عندها وقف والدى مبتسما “شاكرا” للهاتف هذه البادرة وللجنة التي اختارته قائلا : لعل الخليلي اراد ان يضرب عصفورين بحجر واحدر , فهو اولا اراد تكريمي وانا صديق عزيز عليه وثانيا ان جريدة الهاتف تصلني مجانا بغض النظر عن فوزى بالمسابقة او عدمه .. هنا قام الخليلي ضاحكا ومهنئا والدي مؤكدا له انه كان جديرا بالفوز بالمسابقة بين ضحك المجتمعين وتعليقاتهم ثم قال ان اللجنة تألفت من الشيخ محمد علي اليعقوبي والسيد محمود الحبوبي والاستاذ صالح الجعفري ولا باس ان اذكر الموال :

اهل الحسد واللؤم كل فرد منهم كلك

واحدهم بكل فعل لب الكلب لكه لك

يبسم ويخفى المكر كصده يعبر كلك

والاعوج اعوج فلايعدل وجاره مله

والزين ظاهر جلى مايخفه بين المله

كلبه خله من الدغش ومن المجارم مله

والميل وسط البحر لتظن يلحكه كلك ..