كيف إستغنت الحكومة العراقية عن الموظفين البريطانيين في العشرينيات ؟

كيف إستغنت الحكومة العراقية عن الموظفين البريطانيين في العشرينيات ؟

اناس حمزة الجيلاوي

ان المصالح البريطانية في العراق بعد احتلاله يمكن حصرها بهدفين اساسيين:

الهدف الاول: تأمين السيطرة على طرق الواصلات من اجل الوصول الى مستعمراتها في الهند.

الهدف الثاني: اقتصادي داخلي، وهو السيطرة على موارد البلاد الاقتصادية وابعادها عن اية منافسة اجنبية.

ومن اجل تحقيق هذين الهدفين كان لابد لها من الاعتماد على العناصر البريطانية في السيطرة على القطر المحتل والاستئثار بموارده، وقد استقدمت بريطانيا منذ السنوات الاولى للاحتلال عددا كبيرا من الموظفين البريطانيين والهنود.

وفي عام (1916م) وعام (1917م) اصدرت دائرة الشؤون الداخلية لحكومة الهند اوامرها الى العمال (السجناء والحمالين) بالالتحاق بمعسكرات بريطانية لتشكيل فيلق سمي ب(فيلق العمال العسكريين الخاضعين للضبط والربط) وباشرت حكومة الهند بأرسالهم على شكل وجبات الى العراق، وكان معظم هؤلاء من اصحاب السوابق كما سبقت الاشارة الى ذلك.

اما بالنسبة الى الموظفين البريطانيين فقد كان (233) منهم يتجاوز عمره الخامسة والاربعين عاما وان ثلثي عدد الحكام السياسيين العاملين بتاريخ (اول حزيران 1920م) كان يقل عمرهم عن ثلاثين عاما وما يقارب ربعهم كان عمره خمس وعشرين عاما أو اقل من ذلك. اتصف هؤلاء الموظفين بقلة الخبرة وعدم فهمهم لطبيعة العراقيين، اما العسكريون منهم فكانوا لا يصلحون للإدارة المدنية بسبب تربيتهم العسكرية ولم يكن بإمكانهم حل مشاكل القطر المحتل.

من جانب اخر فأن اساليب المحتلين واوامرهم الصارمة وتعاملهم الفوقي وتفضيل مصلحتهم على مصلحة السكان المحليين كانت من الاسباب المهمة التي ادت الى رفض الشعب العراقي للوجود البريطاني في العراق، بالإضافة الى الاسباب الاخرى القائمة على اساس رفض الوجود الاجنبي في البلاد.

ويؤكد ولسن بأنه عثر على مجموعة من الوثائق بعد ثورة النجف عام (1917م) تبين عزم وتصميم الثوار على قتل الموظفين البريطانيين، وفي مقدمتهم الحكام السياسيين، ولكن سرعة الثورة حالت دون تحقيق ذلك، ومع ذلك فقد لقي عدد من الحكام السياسيين مصرعهم اذ قتل الضابط (ريكلي) في شهربان والملازم (مكدونالد) في العمادية والنقيب (ووكر) والنقيب (جاردين) في المنطقة الشمالية من العراق.

اما في المنطقة الجنوبية فقد قتل العديد من الحكام السياسيين، ففي (كانون الثاني من عام 1918) قتل النقيب (مارشال) مساعد الضابط السياسي في النجف.

من جهة اخرى لم يقتصر رفض العراقيين على الموظفين البريطانيين فقط، وانما رفضوا كذلك المتعاونين معهم من بعض العراقيين ايضا من المرتزقة(130) واللذين حاول البريطانيون تجنيدهم في معسكرات خاصة (الليفي)، وينقل لنا ولسن حالة الرفض الجماعي لهؤلاء المرتزقة حيث قال: ((فقد كفرهم الناس في الشوارع وكانت الكؤوس التي يشربون فيها علنا)) ويضيف ولسن ((ان الانخراط في صفوف المرتزقة كان يعني الخزي والعار أو حتى القتل)).

وفي معرض حديثه عن ثورة العشرين يلقي الفريق (المر هولدن) قائد القوات البريطانية في العراق خلال عام (1920م) باللائمة على غطرسة وغرور حاكم الديوانية الميجر (دايلي) من خلال اعتدائه على شيخ عشيرة الظوالم (شعلان ابو الجون) وكان ذلك سببا مباشرا لقيام ثورة العشرين، ويصف (هولدن) حكام البلاد السياسيين ب(سوء التدبير)(133) وضحالة المعرفة بأهل البلاد اللذين يؤثرون الكرامة والإباء والتخلق بالاقدام والشجاعة)(134)، وقد اعتاد هؤلاء الحكام السياسيون النظر الى ابناء القطر المحتل نظرة السادة الى العبيد.

وفي (27 شباط 1927م) قدم نوري السعيد (وكيل وزير الدفاع في الوزارة النقيبية الاولى) اقتراحا الى مجلس الوزراء لتبديل الموظفين الهنود بالعراقيين، وقد نال الاقتراح موافقة الحكومة التي قررت الاستغناء تدريجيا عن الهنود لذلك اصبح عدد العراقيين في نهاية عام (1921م) ستة آلاف عراقي في حين انخفض عدد الهنود الى (5425) بعد ان كان عددهم خلال شهر نيسان من العام نفسه (17539)(138) مستخدما ويعود سبب ذلك ايضا الى الاجراءات التي اتخذتها الحكومة البريطانية بعد مؤتمر القاهرة لعام (1921م) والهادفة الى تقليل الكادر وتخفيض النفقات في اعقاب ثورة العشرين.

وتعد معاهدة عام (1922م) صدرت إدارة ملكية بأجراء انتخابات المجلس التأسيسي وعهد الى وزير الداخلية (عبد المحسن السعدون) بتنفيذ ذلك، ورغم البيان الذي اصدره السعدون والذي دعا فيه الى ممارسة الانتخابات، لكن الشعب قرر مقاطعة هذه الانتخابات ما لم تتم الاستجابة لمطاليبه ومنها سحب المستشارين البريطانيين من الالوية، ذلك لان وجودهم قد شل ايدي الموظفين العراقيين.

وقد شكلت الحكومة العراقية لجنة لمناقشة بنود المعاهدة العراقية – البريطانية، وابدت هذه اللجنة جملة من الملاحظات حول الموظفين البريطانيين واستخدامهم الواسع، وطالبت اللجنة بإلغاء كل الوظائف التي جاء ذكرها في الجدول الثاني وهم موظفو الدرجة الاولى من مستشاري وزارة الداخلية والمالية والعدلية، وكذلك موظفو الدرجة الثانية وهم مستشار وزارة الاشغال والمواصلات ورئيس محكمة الاستئناف والمفتشون العامون لدوائر البريد والشرطة والصحة والكمارك ومدراء الري والاشغال العمومية والحسابات ومساعدو مستشاري وزارتي الداخلية والمالية وسكرتير الايرادات في وزارة المالية.

كما اقترحت اللجنة ايضا زيادة عدد الحكام العراقيين في المحاكم وكما يلي، ان المحكمة التي سيكون فيها حاكمان بريطانيان يجب ان تتألف من خمسة، والتي سيكون فيها ثلاثة حكام بريطانيين من سبعة اعضاء.

كما اقترحت اللجنة اعتبار آراء المعتمد السامي استشارية فقط، وبعد تشكيل توفيق السويدي لوزارته الاولى في (28 نيسان – 25 آب 1929م) اصدرت التنظيمات التالية:

جعل وظيفة المستشار استشارية لا تنفيذية وله ان يبدي آراءه في الشؤون التي يحيلها عليه الوزير.

تخفيض عدد الموظفين البريطانيين.

حذف بعض فصول الميزانية وخاصة ما يتعلق بمخصصات اللذين انتفت الحاجة اليهم تمهيدا لإنهاء خدماتهم واحلال العراقيين محلهم.

احتج المندوب السامي البريطاني (فرنسيس همفريز) على توجيهات توفيق السويدي وهدد الوزارة بطلب تقدم به الى الملك فيصل الاول بعدم الموافقة على سياسة الاستغناء عن الموظفين البريطانيين، وبعد سلسلة من المفاوضات اصطدم خلالها توفيق السويدي بالمندوب السامي والمستشارين البريطانيين فقدم استقالته في (25 آب 1929م).

وبعد تشكيل عبد المحسن السعدون لوزارته الرابعة في (19 ايلول 1929م) بدأ الخلاف واضحا بينه وبين بريطانيا حول عدد الموظفين البريطانيين في العراق، ويعود خلاف السعدون مع البريطانيين حول هذا الموضوع منذ تشكيل وزارته الاولى في (18 تشرين الثاني 1922م) وحتى استقالة وزارته الرابعة بعد انتحاره ليلة (13 تشرين الثاني 1929م).

حاول السعدون ان يتخلص من بعض الموظفين البريطانيين اللذين انتهت عقود خدمتهم في العراق، لكنه اصطدم بالسلطات البريطانية، ومن اجل تمديد صلاحية الموظفين الاجانب قررت وزارته اصدار لائحة نظام وزارة الداخلية التي حددت بموجبها صلاحيات المفتشين الإداري ين وحصره فيما يلي:

ان تكون وظيفة المستشار استشارية وليس اجرائية.

ان يبدي المستشار رأيه فيما يراه مناسبا لتمشية شؤون الوزارة.

له الحق في الاطلاع على تقارير المفتشين الإداري ين ويصدر اوامره لهم نيابة عن الوزير.

ولدت هذه اللائحة ردود فعل عنيفة لدى السلطات البريطانية وعلى الفور اقترح (هيوبرت يانغ) وكيل المندوب السامي في (25 تشرين الثاني 1929م) على الملك فيصل الاول ان يمتنع عن الموافقة على اللائحة.

وعلى اية حال فقد انهى السعدون حالة الخلاف بينه وبين البريطانيين بانتحاره، فتشكلت وزارة ناجي السويدي في (18 تشرين الثاني 1929 – 9 لآذار 1930م) التي شغل فيها ناجي شوكت منصب وزير الداخلية فأخذ على عاتقه مهمة متابعة مهمة السعدون في تقليص عدد الموظفين البريطانيين وتحديد صلاحية المستشارين، ولان الامر يتعلق بوزارة الداخلية فقد اعادت الوزارة النظر في الأمور التالية:

نظام وزارة الداخلية.

قانون إدارة الالوية.

قانون التفتيش الإداري.

تقليص عدد الموظفين البريطانيين في ديوان الوزارة وفي مديرتي الشرطة والصحة وتحديد صلاحية موظفيها.

اما في البرلمان العراقي، فقد وجهت انتقادات عنيفة الى الحكومات المتعاقبة لتساهلها في اعطاء الامتيازات للموظفين البريطانيين، ففي مجال الاعيان قال العين (مولو مخلص) عام 1928م: ((ان في العراق حكومتين، تتألف الاولى من موظفينا الصغار ويعني بهم (العراقيين) والموظفين الكبار ويعني بهم (البريطانيون) واستغرب من المبالغ الباهظة التي تمنح للموظفين البريطانيين تحت اسم الارشاد أو الاشراف، وذكر ان عدد ما موجود منهم تحت هذا العنوان هو (199) مشرفا يتقاضون من الرواتب ما تبلغ قيمته (45) لكا من الروبيات، اضافة الى المخصصات البالغة (5) الكاك فيكون المجموع (50) لكا فإذا اضفنا اليهم المترجمين والموظفين الاخرين من الهنود وغيرهم فنرى ان المبلغ الذي يصرف لهم يبلغ نحو (60) لكا.

وفي الجلسة التي عقدها المجلس النيابي في (13 آذار 1930م) القى عضو المجلس (ياسين الهاشمي) خطابا جريئا قال فيه: ((ان الموظفين البريطانيين هم اللذين يحكمون العراق حكما كيفيا لا يستند الى المعاهدة، وقد لا ترضى بحكمهم حكومتهم، وقد اشار الهاشمي الى ما قاله السعدون في حفلة استيزاره الرابعة (19 ايلول 1929) ((بأنه لا يحق للموظفين البريطانيين ان يتجاوزوا حدود صلاحياتهم ولا يتجاوزوا على سلطات الوزراء العراقيين، ولكن هؤلاء تجاوزوا الصلاحيات واستهانوا حتى بالسعدون نفسه))(160).

وعلى اية حال فقد استمرت المطالبة بالتخلص من النفوذ البريطاني خاصة وان الراي العام اخذ يطالب بشدة لانهاء خدمات الموظفين الاجانب واحلال العراقيين محلهم، وكان من الطبيعي ان يتقلص عدد البريطانيين تدريجيا خاصة بعد دخول العراق الى عصبة الامم في (3 تشرين الاول 1932م).

م. كلية التربية الاساسية ـ جامعة بابل ــ 2012