أليس مونرو.. عملاقة القصة القصيرة

أليس مونرو.. عملاقة القصة القصيرة

محمد ناصر الدين

لم يجانب الصواب نقّاد الأدب حين قارنوا أعمال الكندية الراحلة أليس مونرو (1931-2024) بروائع جويس وتيشخوف، إذ إنّ المتوغل في أعمالها القصصية الـ 14 والمكتوبة على امتداد أربعين عاماً يجد نفسه في قلب معمار قصصي تغوص مداميكه في النفس البشرية وعواطفها، وتثبت لنا أن الحقائق والحوادث المتواضعة لتجربة شخص واحد،

لو قدّر لها أن تُسرد عبر لغة يجري التعامل فيها مع الكلمات ببراعة الخيميائي، وتوليفة من خيال ومهارة في قراءة النفس البشرية، يمكن أن توفر المادة الخام لأدب عظيم ينطلق من المحلية إلى العالمية: كانت مونرو المتحدرة من ريف جنوب غرب أونتاريو خير من استطاع تجسيد الغابات الشمالية الكندية في قصصٍ قصيرة رائعة تترك في نفس القارئ مزيجاً من المتعة والأسى، ويُضفِي أسلوبها الساخر بمسحته اللاذعة بهجةً مدهشة على أشدِّ حكاياتها حزناً وكآبةً. كما أن إحساسها بالوقت، وقدرتها على قلب حياة الشخصيات رأساً على عقب، يضفيان عُمقاً رثائيّاً على قصصها. تظلُّ شخصيات مونرو عالقةً في الأذهان، وتتجلى كل براعتها في تصوير أدقّ التفاصيل في عالَمٍ بالغِ الصِّغَر: في «أسرار معلنة» (1994)، تكشف القوةَ المدمِّرة للحُبِّ القديم حين يَثِبُ إلى الذاكرة على حين غِرَّة.

تروي لنا مغامرات نساء من الريف الكندي ومعاناتهن، وامرأةٍ متنسّكة غريبة الأطوار استطاعتْ خلال عشاءٍ عجيبٍ أن تجتذب أحد الأثرياء الكبار من أستراليا البعيدة. وثَمَّةَ قصة عاطفية لإحدى السيدات تتعلَّق بالأَسْر والهروب في مرتفعات البلقان تكون في نهاية المطاف مصدرَ إلهامٍ لسيدةٍ أخرى فرَّتْ من زوجها وحبيبها في كندا. في «سعادة مفرطة» (2009)، نجد أنفسنا أمام أمّ شابَّة تكابد ألماً لا يُطاق بعدما فقدتْ أطفالها الثلاثة، لكنها تستمدُّ العزاء من مصدرٍ غير متوقَّعٍ. وفي قصةٍ أخرى، تتصالح امرأةٌ مع خيانةٍ مُوجِعة عبْر عملٍ أدبي تجمعها به مصادفةٌ بحتة. وتكشف قصصٌ أخرى عن الفجوات السحيقة التي قد تتخلل العلاقاتِ الزوجية، والقسوة غير المتصوَّرة للأبناء، والأخطار الخفية في أماكنَ كنا نخالها هادئة ومألوفة. في منتصف مسيرتها، بدأت قصص مونرو تتسع وتصبح أكثر تأملًا، حتى يحسب القارئ أنها تبدو بلا هدف حتى تقترب من الصفحات النهائية ويدرك بصدمة أنها في الواقع قد شيدت طوال الوقت بشكل معقد وملتوٍ مثل شبكة من الكلمات المتقاطعة؛ كما لا تنسى مونرو أن تعرج على تاريخ عائلتها: في مزيجٍ بين الواقع والخيال، نطّلع في «المنظر من صخرة القلعة» (2006) على فصولٍ من تاريخ أجدادها: أسرة رقيقة الحال من إسكتلندا تحلم في الثراء في أميركا أرض المغامرة والأحلام، في زمنٍ كان فيه الرجل هو الذي يحدد الشرط الاجتماعي للمرأة، والطبقة الاجتماعية تحدِّد مصير الفرد، وتقود وحشية الأب إلى كراهية الأبناء له ويصبح الموتُ السبيلَ الأوحد للخلاص.

صارت مونرو أكثر تقشفاً في الكتابة بعد نشر كتابها الأخير «حياتي العزيزة» (2012)، قبل فوزها بجائزة «نوبل» في السنة التالية: استحضرت موت أمها في هذا الكتاب: «الشخص الذي كنتُ أودُّ التحدُّث إليه حقّاً حينَها هو أمي التي غابت إلى الأبد. لم أَعُدْ إلى منزلي في مدة مرض أمي أو لحضور جنازتها؛ لقد كان لديَّ طفلان صغيران، ولم يكن هناك أحد في فانكوفر يمكن أن أتركهما عنده، وكنا بالكاد نستطيع تدبيرَ نفقات الرحلة، وكان زوجي يزدري الرسميات، لكنْ لماذا أُلْقِي باللوم عليه في هذا الشأن؟ لقد كان لديَّ الشعور نفسه. نحن نقول عن أشياء إنها لا يمكن أن تُغتفَر، أو إننا لن نسامح أنفسنا بسببها، ولكننا نفعلها؛ نفعلها طوال الوقت»: برحيل مونرو، يكون ذلك الجانب الرقيق في الكتابة الذي يلسعنا في سطره الأخير هو الآخر قد غاب إلى الأبد.

عن صحيفة الاخبار اللبنانية