في رحيل أليس مونرو: سيدة القصة القصيرة المعاصرة

في رحيل أليس مونرو: سيدة القصة القصيرة المعاصرة

أنور محمد

في أعمالها التي تجاوزت أربع عشر مجموعة قصصية وصدرت أغلبها مُترجمةً إلى اللغة العربية إلى جانب رواية “حيوات فتيات ونساء” 1971، تُلقي بنا الكاتبة الكندية أليس مونرو (1931-2024) في أعماق الشعور الإنساني، فلا نَمُلُّ الحياة؛ بل ونسخر مِمَّن يشوِّه قيم الجمال فيها. فالحياة لا تشيخُ في حكاياتها مهما كانت جافَّة وقاسية.

فتكتب سردًا لعلَّه الأكثر وهجًا وتوهجًا في فن القصَّة القصيرة التي قلَّ زبائنها كما قلَّ كُتَّابها، أمام ازدياد الطلب على الرواية. وهي التي وصفتها الأكاديمية السويدية بقرار منحها جائزة نوبل للأدب عام 2013 بأنها: “سيِّدة القصة القصيرة المعاصرة التي يمكنها استيعاب التعقيد الملحمي الكامل للرواية في بضع صفحات قصيرة فقط... وكثيرًا ما تحتوي نصوصها على تصوير لأحداث يومية لكنها حاسمة... تجليات لها سماتها تلقي الضوء على القصة المحيطة وتطرح أسئلة وجودية في ومضة براقة».

أليس مونرو نالت على قصصها جوائز مثل: جائزة الحاكم العام في كندا عن قصة “رقص الظلال السعيدة” عام 1968، وجائزة جيلر (Giller Prize) مرَّتين، مرَّةً في عام 1998 عن مجموعة “حب امرأة طيبة” ومرَّةً ثانية في عام 2004 عن مجموعة “هارب”، وجائزة بوكر الدولية (International Booker Prize) عام 2009، وجائزة نوبل في الأدب عام 2013. وهي تكتب بِشعورَيْن؛ شعور القاص/ الراوي، وشعور البطل. وبوعيٍ نقدي تنفذُ فيه إلى روح الاحتجاج على العلاقات الإنسانية غير المتكافئة في بيئتها المحلية التي نشأت فيها في “وينجهام أونتاريو” التي كانت مسرحًا لأحداث قصصها ذات الخصوصية الريفية، وذلك في مجموعاتها مثل: حياة الصبايا والنساء، صديقة شبابي، المتسولة، الكثير من السعادة، حب امرأة طيبة، أقمار المشتري، سرٌّ يؤرقني، كراهية وصداقة وغزل وحب وزواج، ارتقاء الحب، سعادة مفرطة، عزيزتي الحياة (2012) وهي آخر أعمالها.

تسردُ مونرو الوقائعَ بعين مَنْ يرى ويعيش، وليس بعين مَنْ يتفرَّج. فنتعرَّف على حياة شخصيات أقاصيصها التي أغلبها من النساء وهُنُّ يَعِشنَ حالات العنوسة والزواج والطلاق والاغتراب والعودة إلى الوطن، وكأنَّها تكتبُ روايةً وليس قصَّةً قصيرة، وبحماسةٍ شديدةٍ للحياة، ودون أن تقع في الثرثرة، ما يعكسُ غنى الروح عندها. والكتابة في حالتها ليست لَعِبًا من ألعاب الفكر، فحياة شخصياتها في قصصها وأغلبها من النساء كما ذكرنا، وإن كان فيها تخييل لدرجة الكذب، وكذبٌ لدرجة الصدق، فإنَّها حياة فيها تأكيدٌ للوجود البشري في مواجهة الصعاب، فلا نهرب بالحقيقة، بل لنشعر بها ونعيشها بخطوطها السوداء والبيضاء، وبعدَّة كثافات، وذلك حتى لا تُفسد القص.

«وصفتها الأكاديمية السويدية بقرار منحها جائزة نوبل للأدب عام 2013 بأنها: سيِّدة القصة القصيرة المعاصرة التي يمكنها استيعاب التعقيد الملحمي الكامل للرواية في بضع صفحات قصيرة فقط».

أليس مونرو كانت قد كتبت أوَّل قصَّة- “أبعاد الظل» (The Dimensions of a Shadow)، ونشرتها عام 1950 عندما كانت طالبة في جامعة وسترن أونتاريو (UWO) خلال تخصصها في اللغة الإنكليزية والصحافة، وهي لمَّا تكتب، فإنَّها تكتبُ عن الواقع كما هو وبحسِّ انطباعي؛ فالبشر في قصصها أشخاصٌ عاديون مثلنا، وقد نعرفهم، وقد نلقاهم صدفةً. شخصياتٌ قد نسخرُ منها أو تسخر منَّا إن في قسوتها أو رِقَّتِها. نختلف معها، تخالفنا. ولكنَّها شخصياتٌ تعبِّرُ عن حضورٍ إنساني فنعيش معها عواطفها، انفعالاتها، تأملاتها، حماسها للعيش بسلام. فأليس مونرو وبهذه القصص تتحوَّل إلى قوَّة ثقافية وروحية تشيع الجمال. ولم تشتغل مونرو في السياسة رغم مشاركتها في الثورة الثقافية في الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت، والتي أشركت شخصيات قصصها معها في الثورة.

في قصتها “الدب يصعد الجبل”- 1999، والتي تحوَّلت إلى فيلم سينمائي تحت عنوان “بعيدًا عنها” عام 2007، تمثيل جولي كريستي وغوردن بينسنت، إخراج سارة بولي، تحكي عن زوجين يقضيان في بيت ريفي حوالي أربعين عامًا مثل عاشقين وصديقين. وإذا بالزوجة فيونا تبدأ بفقد ذاكرتها، تُصاب بمرض الزهايمر. فتطلب من زوجها أن تنتقل للعيش في دار العجزة، وهو ما يُدمي قلب زوجها غرانت فيشعر بالحزن والألم، وأنَّ الدار هذه تمنعه من زيارتها مدَّة تزيد على الشهر كي تأتلف مع حياتها الجديدة.

الزوج غرانت لا يبخل في الوقوف إلى جانب زوجته متذكِّرًا حياته معها بدقائقها، فيما هي تفقد ذاكرتها وتخسر تلك الذكريات المليئة بالحب والسعادة. معركة وإن كانت يائسة وخاسرة ما بين الزوج غرانت مع ذاكرة زوجته فيونا إلاَّ أنَّه يبقى ينتظر عسى أن تعود لها. صراعٌ مأساوي وإن لم يجرٍ فيه دمٌ، صراعٌ تعلو فيه موسيقى الشجن الإنساني في تحدٍ لليأس منتظرًا أن تتذكَّر، لأنَّه سيبقى يتذكَّرُها، ويتذكَّر في مواجهةٍ للألم بقوَّة وشجاعة، وهو ما يخفِّف من أثر الفاجعة، وهنا تجيء تلك “التشيكوفية” في قصص أليس مونرو التي توفيت منذ أيام بعدما عانت هي الأخرى مثل بطلتها من مرض الزهايمر لأكثر من عقد من الزمان.

عن الضفة الثالثة