أليس مونرو ترحل بعد أن ملأت حياتها بالقصص

أليس مونرو ترحل بعد أن ملأت حياتها بالقصص

علي حسين

كانت في الثانية والثمانين من عمرها، عندما منحت جائزة نوبل للاداب عام 2013، وصفتها الأكاديمية السويدية بـ”سيدة القصة القصيرة المعاصرة”، مشيدة بقدرتها على “استيعاب التعقيد الملحمي الكامل للرواية، في بضع صفحات قصيرة فقط.”.

في ذلك اليوم لم تكن أليس مونور في منزلها عندما اتصل بها سكرتير الاكاديمية السويدية ليبلغها بالأمر.. ترك لها رسالة هاتفية، كانت في زيارة لابنتها التي سمعت خبر الفوز وذهبت لايقاظ والدتها، قالت الفائزة الكندية الاولى والوحيدة بالجائزة، انها نسيت ان اليوم هو يوم توزيع جوائز نوبل، وصفت ما حدث بأنه امر لم تكن تفكر به في يوم من الأيام . وبينما كانت تكافح من أجل السيطرة على عواطفها، فكرت في نجاحها وما قد يعنيه ذلك بالنسبة للأدب. قالت للصحفيين: “لقد انتشرت قصصي بشكل ملحوظ وأتمنى أن يجعل هذا الناس ينظرون إلى القصة القصيرة باعتبارها فنًا مهما، وليس شيئا نتلاعب به حتى نحصل على رواية مكتوبة.”. عندما اعلن فوزها بجائزة نوبل سأل احد الصحفيين الروائية الكندية الشهيرة مارغريت آتوود عن مشاعرها وهي ترى الجائزة الكبرى تذهب الى امراة كندية آخرى فاجابت آتوود: “ لن يذهب مبلغ الجائزة بعيدا فساحصل على وليمة فاخرة في بيت صديقتي آأليس “، بعدها وفي نفس اليوم تنشر آتوود على تويتر صورة لها مع اليس مونرو مع عبارة: “ الآن نحتفل بفوز الخيال الكندي الجامح « .

مساء الثالث عشر من ايار اعلن خبر رحيل أليس مونرو « والتي يطلق عليها لقب « تشيخوف الغرب «، وقد عانت في سنواتها الاخيرة من مرض الزهايمر واجريت لها عملية تبديل شرايين للقلب، وكانت قد اعلنت عام 2009 اصابتها بمرض السرطان، وصفتها مارغريت أتوود بأنها من بين كبار كتاب الخيال الإنكليزي في عصرنا: « كثير ما قورنت أليس مونرو بتشيخوف . لكنها أقرب اكثر لسيزان « .. أشاد بها سلمان رشدي ووصفها بأنها «سيدة الشكل القصصي «.

انطلقت من حياة بلدتها الصغيرة شرق كندا، لترسم لنا الوضع الانساني من خلال قصص قصيرة مستلهمة مسيرة حياتها التي مرت بمحطات من الاسى والعذاب والنجاح والشهرة .

ولدت “ مونرو أليس آن ليدلو “ في بلدة وينغهام في مقاطعة أونتاريو في العاشر من تموز عام 1931، كانت الابنة الأكبر بين ثلاثة ابناء آخرين والدها روبيرت إريك ليدلو مزارعا يربى بعض الحيوانات، لكنه اخفق في هذا العمل، ليتنقل في العيد من المهن، حتى انه جرب كتابة رواية مغامرات للفتيان لم تحظ بالنجاح ، فيما عملت والدتها معلمة في احدى المدارس قبل الزواج ، حرصت والدتها على تعليمها الفنون المنزلية لتهيئتها لدورها المرتقب كزوجة مزارع، كانت علاقتها متوترة مع والدتها التي ارادت لابنتها أن تصبح زوجة صالحة .. كانت الام مصابة بمرض باركنسون، فوقع عبء العناية بالعائلة على الفتاة التي لم يتجاوز عمرها الخمسة عشر عاما .قررت ان تهرب من جو العائلة الكئيب الى الكتب التي اخذت تتسلل الى حياتها، وجدت في الكتابة وابتكار القصص تعويضا عن الوجدة التي عانت منها في البيت والمدرسة، ظل حلم الكتابة يلاحقها قالت في حوارها مع باريس ريفيو: “ عندما كنت طفلة صغيرة، قرأت قصة الاطفال الشهيرة (حورية البحر) لكاتب الدنماركي كريستيان أندرسن ولم تعجبني، بل قل ان نهايتها لم تعجبني، لذلك رحت اذرع حديقة بيتنا جيئة وذهابا،وأنا أفكر بنهاية سعيدة للقصة. منذ ذلك اليوم تمنيت أن أكون كاتبة “ اكملت دراستها الابتدائية والثانوية في بلدتها، حصلت على منحة دراسية في جامعة اونتاريو لمدة عامين لدرسة الصحافة واللغة الانكليزية.

وخلال دراستها الجامعية تنقلت في عدد من الوظائف نادلة في مقهى، بائعة تبغ، موظفة في مكتبة، باعت دمها امام احدى المستشفيات لتوفر مبلغ تساعد به عائلتها، وبسبب وضعها المالي السيء، كان عليها ا الاختيار بين التوقف عن الدراسة اوالزواج في العشرين عمرها: “ كنت افكر في الحصول على منزل مناسب وانجاب طفل “ . بدأت الكتابة في سن المراهقة ارسلت قصصها الى الصحف المحلية، فكانت تواجه بالرفض .. في السابعة والثلاثيمن من عمرها قررت ان تتفرغ للكتابة، كانت قد اسست مع زوجها مكتبة لبيع الكتب القديمة باسم “ مكتبة مونرو “: “ أتذكر اليوم الذي بدأت فيه الكتابة بشكل حرفي . كان ذلك في شهر كانون الثاني وكان اليوم احد عندما قررت الذهاب الى المكتبة أغلقت الباب على نفسي. كنت وحيدة .. أتذكر أنني نظرت حولي إلى كل الأدب العظيم الذي كان حولي وفكرت، أيهأيتها الحمقاء ! ما الذي تفعلينه هنا؟ ولكن بعد ذلك صعدت إلى المكتب وبدأت في كتابة قصة عن والدتي، المادة المتعلقة بوالدتي هي المادة الأساسية في حياتي، ودائمًا ما تأتيني بسهولة. لذلك، بمجرد أن بدأت في كتابة ذلك، توقفت. ثم ارتكبت خطأ كبيرا. حاولت أن أجعلها رواية عادية، نوعا بسيطا من روايات الطفولة والمراهقة. في شهر آذار وجدت نفسي عاجزة عن اكمال الرواية ، وايقنت أنني سأضطر إلى التخلي عنه. لقد كنت مكتئبة جدا. ثم خطر لي أن افكك الرواية واضعها في قصة قصيرة. عندها تأكدت أنني لن اصبح روائية أبدا “ – حوار ترجمة احمد شافعي - . بعد اشهر ستجد امامها رزمة ارسلها الناشر، انها نسخ من مجموعتها القصصية الاولى، خافت ان يفتضح امرها، فقررت أن تخبأها في احد الادراج .. كان عليها الانتظار ايام لتخبر زوجها بالامر وتعلن انها اصبحت كاتبة بشكل رسمي، لم تتوقع ان مجموعتها القصصية الأولى، “رقصة الظلال السعيدة” – ترجمتها الى العربية رحاب صلاح الدين - سوف تفوز بجائزة كندا الأدبية، التي تعادل جائزة بوليتزر للرواية.

تعترف ان القراءة كانت حياتها الحقيقية: « كنت أعيش في الكتب. كان كتاب الجنوب الأمريكي هم الكتاب الأوائل الذين أثروا فيّ حقًا لأنهم أظهروا لي أنه يمكنك الكتابة عن المدن الصغيرة، وسكان الريف، وهذا النوع من الحياة الذي كنت أعرفه جيدًا».

تحصل على هذه جائزة حاكم كندا مرتين، وفي المرة الثالثة تنسحب: « كنت اريد ان امنح الفرصة للكتاب الجدد « .. عام 2009 تمنح جائزة البوكر مان عن مجمل اعمالها، وقد اكدت لجنة الجائزة في قرارها باأن مونور: «تضفي على كل قصة نفس القدر من العمق والحكمة والدقة الذي يجلبه معظم الروائيين إلى الروايات مدى الحياة». واضاف بيان اللجنة ان: « قراءة أليس مونرو يعني في كل مرة أن تتعلم شيئا لم تفكر فيه من قبل». قالت انها تريد ان تجعل الناس ينظرون إلى القصة القصيرة باعتبارها فنا مهما، وليس شيئًا تتلاعب به حتى تحصل على رواية مكتوبة.»

في معظم قصصها – ترجمت معظم اعمالها القصصية الى العربية - تمزج أليس مونرو بين سيرتها الذاتية ومشاهد من الحياة اليومية لمحيطها الاجتماعي . تقدم صور متعددة للناس العاديين، يكتشف القارئ مدى ذكائهم وقدرتهم على الحلم، إضافة إلى أكاذيبهم والنقاط المظلمة في حياتهم وهفواتهم وشجاعتهم ونياتهم الطيبة. يشبه النقاد شخصيات اليس مونور النسائية بابطال فوكنر وتشيخوف و جون أبدايك وكارسن مكولرز، حيث الحيرة بين التمسك بالعائلة والهرب نحو الحرية، بين الاهتمام بمسؤوليات العائلة، او مسايرة الرغبات التي تمليها المشاعر الشخصية، تتنوع ثيمة القصص بين الموت والمرض واخطاء الحياة والفرص الضائعة واللامبالاة، ومواجهة لحظات الاختيار الآنية التي ربما تنقلهم خارج حياتهم الروتينية، أو ترضي نوعا ما فضولهم تجاه الحياة.. وسيجد القارئ ان العديد من قصصها تتناول فيها وبشكل غير مباشر جوانب من حياتها الشخصية، من الطفولة إلى حياة المزرعة الى زواجها المبكر، والانتقال إلى كولومبيا البريطانية ثم الطلاق والزواج ثانية والعودة الى البلدة الأم الصغيرة: “الكتابة الشخصية تهمني “، شغلتها كتابة الرواية إلا ان القصة القصيرة كان لها مكانة خاصة: “أرغب بكتابة رواية تعيدني إلى نقطة الصفر وتمنحني لحظات تجريبية “، طاردها النقاد بسؤال ظل يتردد طوال مسيرتها الطويلة: لماذا اقتصرعملها على عالم القصة القصيرة؟ تقول لمحرر من صحيفة التايمز في مقابلة أجريت معها عام 1986: “ أنا لا أفهم حقًا الرواية، لا أفهم أين من المفترض أن تأتي الإثارة في الرواية، أنا أفهم ذلك في القصة. هناك نوع من التوتر الذي إذا كنت أحصل على القصة بشكل صحيح يمكن أن أشعر به على الفور.”. في بعض الأحيان أقسمت أنها لن تكتب رواية أبدا، وكادت أن ترفض هذا التحدي باعتباره أكبر من أن تحاول حتى القيام به. لكن في أوقات أخرى بدت وكأنها تتساءل بحزن، كما قد تتساءل إحدى شخصياتها، عن مدى اختلاف حياتها لو أنها كتبت رواية يتلاقفها القراء .

قالت في مقابلة أجريت معها عام 1998، عد نشر مجموعتها القصصية «“ حب امرأة طيبة” – ترجمتها الى العربية اميرة علي -: “ أفكر في شيء الآن، كيف يمكن أن تكون رواية، لكنني أراهن أنها لن تكون كذلك»” . “ واعترفت بأنها جربت في بعض الأحيان تحويل قصصها إلى روايات، لكنها قالت إنها وجدت أن القصص “تبدأ في الترهل” عندما فعلت ذلك، كما لو أنها تم تجاوز حدودها الطبيعية. ومع ذلك، لم يتبخر الإغراء تمامًا. وقالت بعد سنوات: “طموحي هو أن أكتب رواية قبل أن أموت».

في السنوات الاخيرة قبل اعتزالها الكتابة – اعتزلت باشهر قبل حصولها على جائزة نوبل «، اصبحت قصصها أكثر قتامة على الرغم من أنها غالبًا ما وصفت حياتها بأنها عادية ومتفائلة بشكل عام. ومثل فوكنر وتشيخوف كانت مونرو قادرة على بث الحياة في عالم بأكمله. .