إسماعيل فتاح الترك : الفن العراقي طليعة الفن العربي المعاصر

إسماعيل فتاح الترك : الفن العراقي طليعة الفن العربي المعاصر

حوار : عادل كامل

في أوائل الخمسينات، جاء فتى جنوبي حاد المزاج إلى بغداد ليدرس الفن، ولما أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة سافر إلى روما. وذلك عام (1964) قدم أولى تجاربه الفنية في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث.

كان اتجاهه الفني بمثابة التجديد وإضافة تيار فنين ينسجم والمتغيرات الثقافية والاجتماعية وقد تبلورت تجاربه النحتية واتخذت طابع البحث عن الجذور بإبعاد الحداثة في الفن. وتعددت تجاربه بين النحت والرسم وإقامة الأنصاب والقيام بإعمال إدارية منها أمين عام لاتحاد التشكيليين العرب .. ألا أن أعمال إسماعيل فتاح الترك، لا تكمن في هذا التنوع وحسب، بل في رؤيته للوحدة الجدلية القائمة بين الأثر الإبداعي وروحية الانبعاث الجمالي والحضاري بصورة عامة. أنه واحد من جيل ينتمي إليه كاظم حيدر ورافع الناصري وضياء العزاوي وماهود أحمد وغيرهم.. ولنتوقف عند أسئلة تخص واقع التشكيل الحديث في العراق ... ترى كيف ينظر إسماعيل فتاح إلى واقع الفن الآن في القطر؟ بهذا السؤال بدأ حواري معه !

• ماذا يقول الفنان إسماعيل فتاح، وهو يغادر العقد الخامس من عمره؟

- لا للعجز.. لا لليأس.. لا للسنوات.. نعم للحب الآتي!

• ما الذي يبهجك حد الفناء؟

- الحياة.

• بأي معنى؟

- بالولادة والموت.. أو ما بينهما!

• ما الذي يمنعك؟

- الحب!

• لو قدّر لك أن تعيش بدون حب.. فماذا تفعل؟

- يمكن أن أصاب بمرض الكآبة..!

• وإذا أصبت؟

- لا أعرف ماذا أفعل!

• الآن 14/5/1985 أراك شديد الحزن..؟

- هذا أحد الأيام التي أنا فيها بدون فرح وبدون حزن وبلا عطاء وبلا مفاجآت. وكل الأشياء عادية.. ومثل هذه الأيام تعيسة في حياتي..

• لو عدنا إلى الماضي: ماذا يتذكر إسماعيل الترك من طفولته.. أو ماذا تبقى منها؟

- كانت طفولتي طويلة وممتعة.. وكانت صعبة أيضاً.

• لماذا صعبة؟

- لآني كنت طفلاً شديد الحساسية حرمت من نعمة التفوق لسوء توجيه المعلمين لي فكرهت المدرسة رغم حضوري الدائم وعدم انقطاعي عنها فأصبحت من الطلاب المهملين الذين يعتمدون على الذكاء الفطري.. كنت أحصل على ست خيزرانات هي حصيلة توجيهي اليومي من المعلمين.

• كيف توزعها؟

- الأولى لتأخري عن الدوام.. والثانية لآني لم أحضر واجبي (أو لأن شقيقتي كتبته لي والمعلم كان يعرف ذلك حالاً) والثالثة لأني لا أعرف قراءة المحفوظات في الاصطفاف.. والرابعة لأني لم أقلم أظافري.. والخامسة لأني لم أت بمنديل.. والسادسة لأنني حرك في الصف ولا أنتبه للأستاذ!! كانت سعادتي تبدأ بعد انتهاء دوام المدرسة. وكنت سيد الموقف في العطل المدرسية!

• أود أن تحدثنا عن ألعاب الطفولة تلك؟

- كان لدينا، في كل موسم، لعبة خاصة. مثلاً كانت لدينا (الدوامات) إلى (المصرع) والخرز (الدعبل) و (الجعاب).. وكنت ماهراً فيها جميعاً.

• وهل تحب أن تعود إلى ذلك العمر؟

- كل ما حصل بعد الطفولة لا يغني بشيء عن تلك الأيام العظيمة ذات النكهة الفريدة الخالية من المسؤولية..

• لكني أعرف أنك صرت تتحمل العديد من المسؤوليات..؟

- أود أن تكتب، لو سمحت، ما يلي، قبل الإجابة: أن المدرس كان يقسمنا إلى ثلاثة أقسام: (......) وأنا كنت في خانة النقاط!!

• إذن كيف كنت تنجح؟

- كنت أعتمد على ذكائي الفطري..فأنا دخلت امتحان السادس الابتدائي دون إن أفتح أي كتاب. لكني كنت متقدماً في الحساب..

• وهل تحب الرياضيات الآن..؟

- أعتقد أن الرياضيات هي التي جعلتني أفكر بأنني أمتلك قابلية ما..

• ماذا تعني..؟ وضح.. أرجوك؟

- كل إدراكي كان وليد ذلك. وربما جاء نصب الشهيد ليمثل ذلك..

• وماذا تعني؟

- كنت أعطي النتيجة قبل أن ينهي المدرسة السؤال وبدون أن أمارس كتابة الحل.. وللحق كان أستاذ الحساب الوحيد الذي يمدحني ويضعني في خانة الأسود.

• وماذا عن اللغة العربية؟

- كنت ضعيفاً فيها – عدا درس الإنشاء

• لكنك الآن تتحمل المسؤولية كفنان وأستاذ ومربي.. فضلاً عن دورك كـمين عام لإتحاد التشكيليين العرب.. وكأب..؟

- أنا في هذه الأشياء كلها، وخاصة في التدريس، وفي مسؤوليتي كأمين عام، جاد جداً.. ولهذا لا أقبل ألا بالنتائج الجيدة جداً للطالب أو للعطاء الإبداعي على صعيد تحقيق شرف هذا المسؤولية..

• حسناً.. هل حدث لك انقلاب في حياتك..؟

- الانقلاب الأول الذي حدث في حياتي بدأ بالموت. وقد حدث ذلك في الطفولة وترك بصمات كبيرة في حياتي كلها. وبدأت تتبلور أفكاري بفعل هذا الحدث..

ويتذكر الفنان أنه كان قد شاهد، في عام 1948، (أماً) ترفض البكاء على ولدها الذي أستشهد في فلسطين كانت تقول: لا أريد أحد أن يبكي. أريدهم يهلهلون. وتقول أن ولدها كان شهيداً بل مات من أجل الوطن.

• هل لهذا الحادث صلة بنصب الشهيد؟

- حتماً له تأثير.. ولكن قبل هذا أود أن أعود إلى حادث آخر.. ففي عام (1940- 1941) في شارع (أبو الأسود بالعشار) ومن شرفات تظل عليه كانت الشرطة تقاوم الاحتلال البريطاني.. وأتذكر جيداً أن أحد أفراد الشرطة وأسمه (عباس) كان يقاوم أن (عباساً) قد أستشهد.. وقد مر جثمانه من أمامناً وسط عدد قليل من الأشخاص.. لكن هذا الحدث كان يرسم لي موتاً متميزاً! كل هذا وأنا في السادسة من عمري.- أنه الموت الأسطوري. وقد حفر في نفسي أخلاقاً كبيرة للبطولة والقيم والدفاع عن الأرض..

• كيف أصبح إسماعيل الترك نحاتاً؟

- دخلت معهد الفنون الجميلة رساماً (1953).

• ولِمَ الرسم؟

- صمت طويلاً، ثم قال بحرارة:

- كانت مادة الطباشير نادرة في فترة الحرب العالمية الثانية لكني كنت أصنع منها قطارات صغيرة. وبسبب هذا كنت أحصل على (خيزرانات) إضافية.. لكني كنت أشعر بالقدرة على عمل شيء ما.. كنت أحب الطين.. وأعمل منه نماذج مختلفة من سيارات وعجلات وأشكالاً بشرية.. وأتذكر أني، عندما دخلت أحدى حاملات الطائرات الإنكليزية إلى البصرة، صنعتها من الكارتون! وأهديتها إلى مصرف البصرة.

• لكنك في المعهد.. اخترت النحت بدل الرسم؟

- في المعهد كان لدينا درس الأعمال اليدوية يدرسنا فيه الأستاذ الشيخلي وكنا نشتغل بالطين.. في الدرس الأول جذبت انتباه الفنان الشيخلي فأخذني إلى الفنان جواد سليم.. فقال لي الأخير: لابد أن تكون نحّاتاً! وبالفعل وجّهني جواد وله الفضل في كل ما حصل بعد ذلك!

• عندما شاهدت جواد سليم لأول مرة! ماذا أثار فيك؟

- لم يجذبني فيه أي شيء؟

• لماذا؟

- لأنه كان ينحت بأسلوب حديث ولم يكن لديّ الوعي لفهم هذه الأعمال.. كانت تطلعاتي مدرسية وواقعية..

• وبعد ذلك؟

- في السنوات الأخيرة من المعهد شعرت أن جواد سليم عملاق ومبدع.. وأزداد إعجابي به بعد عودتي من ايطاليا.. وأعتقد أني لم أر فناناً. عظيماً مفكراً وحساساً ومؤثراً مثل جواد سليم.

• والآن كيف تقيّم جواد سليم؟

- سأكرر كلمتي المعروفة: أن النحت العراقي الجديد لابد أن يمر تحت نصب الحرية.. حتى يأخذ أبعاداً عراقية مبدعة ومعاصرة.

• لكنك في تلك الفترة، وما بعدها، لم تتأثر بالنحت العراقي؟

- طيلة وجودي في أوربا تأثرت بكل المدارس المعاصرة، واستفدت من أبعادها الفكرية والتقنية.. وتأثرت بفنانين لهم جذور شرقية مثل (مور) و (جياكوميتي).. بعد عودتي إلى العراق، في مطلع الستينات، بصورة غير مقصودة شعرت بأني فنان عراقي معاصر بإبعاد فنية تنتمي إلى الروح الشرقية.. وبدأت تتعمق هذه الروح وتربط بالقيم الفنية العالمية التي هي مشحونة بهذه الأبعاد الفنية. وأعتبر أن عملي المعاصر فيه أغناء للحركة الفنية العالمية لفنان عراقي.

• لكن أعمالك التي عرضتها في الستينات كانت تحمل هماً بالتمرد.. كيف تنظر إلى تجربتك الفنية أو تقيّمها الآن؟

- فترة (1964) التي مر فيها الأدب والفن لا يمكن فصلها عن الوعي العام سياسياً واجتماعياً ونفسياً.. كانت الحياة تعسة.. وثمة تفكك في القيم.. والانحلال في الطموحات.. والمصير كان مبهماً.. وهذا ما جعلني أشعر بمأساة كبيرة لإنسان يعيش في هذه الفترة وفي العراق.. فجاءت أعمالي تعبّر عنها.

• لكن نصب الشهيد يمتاز بمعاصرة أو بعطاء معاصر.. هل يمثل مرحلة جديدة في مسيرتك الفنية؟

- أنا أعتقد أن نصب الشهيد هو خلاصة كل تجاربي الفنية، على صعيد الإبداع والمعاناة وبالقيم العظيمة المرتبطة بالإنسان العظيم.. وكان لديّ شعور بأنني أستطيع التعبير عن إنساننا.. فجاء نصب الشهيد.. وهو أمل، أو أقل هو طموح كبير أن أكون أنا الإنسان – الفنان – الذي عبّر أعظم رمز للحياة.

ماذا سيفعل إسماعيل فتاح لو كان:

• معلماً

- كنت. والآن لو عدت لمنعت ضرب الأطفال.

• بحّاراً؟

- أزور الموانئ العظيمة.

• عصفوراً؟

- أعشق.

• طبيباً؟

- عيادة مجانية.

• صحفي!

- أن لا أكذب!!

• ناقداً؟

- أطور الإبداع.

• إسماعيل الترك؟

- إسماعيل الترك!

الأسماء التالية، ماذا تعني لديك:

• فائق حسن؟

- معلم ومؤثر ومؤسس.

• ألبياتي

- مغني مبدع دائم العطاء

• خالد الرحال؟

- موهوب في الطفولة.. أغني مرحلة الفن في الخمسينات

• يوسف الصائغ

- مبدع متنوع ومشاكس لطيف مع الأصدقاء ورسام جيد وكسول

• د. علاء حسين بشير

- مقتحم للإبداع مخلص في عمله وأخاف عليه من الإطراء..

• أحمد راضي؟

• عينة متميزة في الكرة العراقية الجديدة.

• حسين سيعد؟

- فنان ومهندس للكرة وأخلاق تحترم في الملعب.

• فلاح حسن؟

- لاعب ظهر قبل آوانه!

• كاظم حيدر؟

- أول زميل عراقي محفز للإبداع وقائد له.

• إسماعيل الشيخلي؟

- منظم جيد وأداري ورائد في الفن العراقي.

• ماذا تحب في إذاعة بغداد؟

- أحب إذاعة بغداد.

• وفي التلفزيون؟

- أمل حسين ((أخبار باللغة الأجنبية)) ومؤيد ألبدري في ((الرياضة في أسبوع)).

• في جريدة الجمهورية؟

- صفحة آفاق وصفحة رياضة؟

• في جريدة البعث الرياضي؟

- طبيعة الاختصاص والصراحة وقوة الرأي.

• مجلة الأقلام!

- لا أقرؤها ألا نادراً مع الأسف.

• مجلة آفاق عربية؟

- سيرة التاريخ.

• فنون؟

- أحب في فنون كل سلبياتها!

• وعي العمال؟

- أطلع عليها نادراً!

• جريدة الثورة!

- الصفحة الأولى والأخيرة و ((إشارة)) أحياناً والصفحة الثقافية.

• ألف باء؟

- أحب قراءة كل ما فيها!

• والمستقبل؟

- هذه مؤشرات المستقبل للعطاء.

• مفردات.. أو صور.. ماذا تعني لديك؟

• الميلاد؟

- العطاء.

• الرماد؟

- نهاية الأشياء.

• بلابل داخل الأقفاص؟

- أحبها

• السعادة؟

- الفكر المبدع.

• الموت؟

- أسوأ الحتميات!

• فتاة شابة تمشي تحت المطر؟

- رؤية نحتية!)

• سكير

- إغراق في الذات.

• طفل يذكّرك بطفولتك؟

- أقدام حافية.

• طائرة؟

- ورق ملون!

• نحّات فاشل ومغرور؟

- خسارة مادية للتلفزيون.

• صحفي كاذب؟

- إنسان مجامل

• اللون الأبيض؟

- السعادة.. الإبداع..

• أن يكون جواد سليم معناً الآن؟

- أنحني له وأقبل يده.

• لو صار إسماعيل فتّاح ناقداً، وطلب منه أن يقيّم أعماله النحتية..فماذا سيقول؟

- يحتاج أن يثور من أجل أبداع جديد لرؤيته وإحساسه!!

• ألا ترى أن هذا كلام فيه خطورة؟

- الخطوة أن لا تقول هذا الكلام!

• قلت أنك حزين في هذا اليوم!

- وقلت أنا هذا هو اليوم الذي أنا فيه طبيعي وكم كنت أود أن أكون حزيناً وثائراً ومتحفزاً ومتفتحاً للحب وللنصب المبدع.

• اليوم!

- الفنانون الشباب في الثمانينات عليهم ثقل كبير أكثر مما كان عليه الفنانون الذين سبقوهم..

• لنفترض أنك لم تكن إسماعيل الترك والتقيت بإسماعيل الترك، بعد ربع قرن، فماذا تسأله؟

- من أكون حتى أساله!

• إسماعيل الترك ذاته؟

- من وجهة نظر طفل أشعر أنه أنجز أشياء غير معقولة.. برؤية الشاب أشعر أنه كان طبيعياً جداً خاصة في عصرنا. وبرؤية الإنسان الذي يحاورك الآن أشعر أنه لا بد من ثورة على قيم أعتمدها ويجب أن تكون جذوراً لإبداعات جديدة!!

• ما الذي يقلقك الآن؟

- الموت!

• لماذا الموت؟

- لأنه أصعب الحتميات. لأنه العقم

• والذي يفرحك؟

- الانتصار!

من كتاب في النقد الفني تاليف عادل كامل "