إسماعيـل فتاح الترك .. البحث عن الدلالة

إسماعيـل فتاح الترك .. البحث عن الدلالة

سهيـل سـامي نادر

كما في منحوتاته. الاداء الفني والعزوف عن العلاقات الروائية هي قيم جمالية هيمنت على رسوم الترك التمثال المحيط بالكتلة. إن السعي الى الرهافة في التحديد ونفي التشريح وحسية فملامسة مادة الخط للبياض في الرسم كانت تأكيداً لملامسة الحدود الخارجية لمادة من الوجهة الجمالية الصرفه

كان الفنان قد أكد على قيم كهذه في النحت ايضاً. المرتبطة بالخط ورهافة التحديد، ومن ثم علاقة الخط والشكل بالبياض. حتى تمثيل شيء غائب، ولا التقرب من أداء محدد، بل الاحتفاظ بالقيم الفنية نفسها من ورائها. فمشروع الفنان الاصلي ليس اقامة وحدة بنائية من عناصر مختلفة، ولا يكررها، لأنها لم تكن تشكل سوى لحظة تنفيذ لا تسترجع. ويبدو أن هناك قصداً فنياً نقاط ولطخات حبر تحركها أحياناً فرشاة تسحب الخط الى انشائية جنينية ما كان الفنان مكافئ غير جوهري. لقد ظلت ألوانه محايدة، بل جاءت أحادية، ولا تعدو غير عنصر المصادفة الفنية. ومرة اخرى نلاحظ ضمور اللون وتحديد وظيفته كساند او ثم حقق الترك في انتقالة قصيرة الى الرسم التجريدي القيم السابقة نفسها، مضيفاً اليها الى تماسك الاشكال في الفراغ. يستخدم التلوين فيها الاّ على نحو مسحات من ألوان محايدة شفافة وظفت فنيا وأدت انشغالا فنيا صرفا، وقيمتها الجمالية مؤكدة بهذا المقياس وحده، والفنان نفسه لم، بل أرادت اظهار نقاء الخطوط الخارجية وكفايتها وعلاقتها بالفراغ، من هنا كانت هواجس فكرية ولا رغبة في اظهار اية أوضاع تشي بالحركة والشغل وأعمال التفسير متلاشية على صفحة بيضاء. إن اسلوبها التعبيري لا تقوده ارادة تمثيل محددة ولا وجعلها تبدو مجرد حركة خط متآكلة في الفضاء تعيّن حدودا مختارة باختزال وتذهب أجزاء منه (رجل، امرأة، الاثنان معا) ولقد امتنع الفنان عن أي تمثيل روائي لها غرض عملي يختص بالنحت، وموضوعاتها تلخصت بتمثيل الجسد الانساني أو والمادة اللونية والانشاء. كانت قريبة من تجارب التخطيط الحر غير المرتبطة بأي العقدين التاليين فنستطيع التأكيد على أن رسومه فيها كانت متقشفة جدا في الخطوط خشية في سنوات دراسته بروما في الستينيات، لكننا للاسف لم نطلع عليها.

أما ما أفادنا الترك عن تاريخه الفني بأنه كان يستخدم اللون في رسومه التشخيصية من دون معادلة القيم الفنية بالرسم، وأنه متشوق إلى عاطفة لونية كانت مؤجلة طويلا.. الامر كله يتلخص بأن الفنان فّسر على نحو مضمر القيمة العاطفية لاهتمامه المتزايد فهو لا يمنحني الحرية والمتعة كما في الرسم! لكن الترك لم يصل الى هذه المرحلة بقوة من قبل نحات قديم قد يغرينا باستحصال معنى جديد كهذا: لم أعد أحب النحت متروك لتداعي هذه الحالات فضلا عن التقييم الشخصي. ولا شك أن الإحساس بها اللجوء اليها خلاصا من يباس شديد أو معاناة في التعبير. إن قرارا بهذا الشأن، فليس من المناسب وصف هذه الحيوية متعارضة مع أنساق فنية أخرى إلاّ في حالة على الحيوية التي يتيحها الرسم من حيث الاتصال المباشر وانعدام التوسطات التـقنيـة تعاكس النحت ولا تثير فيه اضطرابا كما سوف نلاحظ. وأكثر من هذا أنها لا تؤكد الاختيارات الجديدة أي مغزى سلبي في علاقة الفنان بعمله الاصلي كنحات. فهي لا الفنان غزارة لونية فاجأت الجميع. من جهة أخرى علينا أن لا نستنتج من هذه إن هذه التحركات تمت في جو مليئ بالهمة والحماس شكلته في الأصل رسوم نثر فيها يراها منتشرة حقا في تقنية تخدم هذا الهدف المعلن. الاخيرة أو حافظ على روحيتها.

إن هذا يعني أنه كرس لرسومه التعاطف اللازم لكي والملاحظ أنه بوساطة الكرافيك أعاد إنتاج بعض الرسوم التي أنجزها في السنوات وبالعكس أشار بوضوح إلى إحدى الوظائف التي يتيحها الكرافيك وهي الانتشار. خاض تجربة جديدة في الكرافيك من دون أن يخشى الطبيعة النوعية لهذه النقلة، قد عزز من ذلك البرنامج، مثلما أثار تسؤلات عما يضمره في النحت. وأخيرا منها، كالحديث عن تاريخه الشخصي والفني. ولا شك أن انتاجه الغزير في الرسم الترك نفسه قدم مثالا على ذلك: فقد أدخل في برنامجه الفني ثقافيات كان يتحرج تضم اليها جميع السلوكيات التي لا يمكن تقدير دوافعها الحقيقية في لحظتها. إن وتغيير المفاهيم الجمالية. مثل هذه التنقلات تنتج حالة من النشاط في التعبير اللغوي إن لحظات مثل هذه تضم خبرات التحولات الاسلوبية، واستخدام مواد جديدة، منه باحثين عن الرضا والكفاية ولربما في كلمات الترك نفسها: الحرية والمتعة. ازاء ذلك يحدث أن يختبر الفنانون نسقا فنيا محددا ليتحولوا عنه الى آخر أو يستفيدون دللوا بطريقة لا تخلو من اقناع على أنهم حصلوا على مكافآتهم عن جدارة! اعتادوا قديما ربط العمل الفني بالمعاناة والألم وليس بالحرية والفرح والتمتع. ولقد يعملون في زمن مطلق. وثمة مثال مناسب في هذا الشأن، فالكثير من مبدعينا ثقافي يلون الخبرات الشخصية ويغير من دلالات اللغة، حتى لو اعتقد الفنانون أنهم الكلمات تعيش منطقها، ولقد أصبحنا منتبهين أكثر مما مضى الى وجود عنصر زمني والفهم وتحسين التلقي. يتوصلون اليها. وأحسب أن الموقع المناسب لها هو الاحتفاظ بها كحاشية للتعاطف إن حركتين الى اليسار واليمين على نحو أنتج مركزين لهما، مع وجود كتلة رمزية. فقد شطر الفنان قبة من الطراز العراقي الى قسمين متساويين وباعد بينهما في متوفر في منشأة نصب الشهيد بقوة، مع الأخذ بالحسبان القياسات الكبيرة لهذا النصب من حيث اختلاف النسب بين حجميهما والطبيعة الجسدية لهما. لعل الحل الأول حركة المشاهد. أما الوضعيات فقد عّوض عنها بالعلاقة الإيمائية ما بين هاتين الكتلتين عّوض عنها بوضع مسافة مكانية بين كتلتين ساكنتين يتغير المنظور ما بينهما بواسطة وتصوير حركات، وأرى أنه قدّم بدائل عنها، فالحركة التي تحتاج أو تنتج مسافة نحات معاصر، إلا أن برنامجه النحتي ظل بعيداً عن بناء أو تمثل أفكار ووضعيات ليس من البساطة أن نستدل بتلك الخطاطة السابقة على طبيعة عمله النحتي، فهو المبادئ الوظيفية ألا هو مبدأ المواجهة. وتعابيرها النبيلة.

وكان من البداهة أن يحب النحت السومري، وقد أخذ منه أحد النحت الروماني، إلا أنه بالمقابل أحب بورتريهات الشخصيات الرومانية لقوتها شبابي مارس طيش الحياة. وفّضل النحت الأتروسكي الساذج بعض الشيء على ولقد أحب النحت المصري وفضله على النحت الاغريقي، فالأول وقور والثاني ووقار الكتل عديمة التفاصيل والأشكال التي تنغمر بالكتلة ولا يمكن الفصل بينهما. يكن يحب التفاصيل ولا الوضعيات ولا الأجساد المتحركة، وبالعكس، أحب السكون والحركة، ولا يحب نحتي عصر النهضة والباروك لاهتمامهما بالوضعيات. إذن لم يحب. فعلى سبيل المثال كان لا يحب النحت الاغريقي لأنه يعتني بالتفاصيل الجسدية الجمالية في المنجزات الحضارية على نحو سلبي، فهو لا يحب كثيراً، وأحياناً كان المفاهيم إلى معالجة الاقتراحات التي يجدها أثناء العمل ليس إلا. وكان يوضح أفكاره يستوليان على أحكامه الجمالية، في حين كانت طرقه الاقتصادية في التعبير تتجاوز يفسرها أو يولدها أو ينتج قرائن لها. إن ذوقه الفردي واستجاباته الخاصة المدربة كان الترك مسكوناً بالنماذج التاريخية من دون اهتمام كاف بالمفهوم الثقافي الذي صورة النحت نظراً لاندماج مجموع نقاط ارتكازه. والرصانة: اليدان ملمومتان، الساقان غير ظاهرتين، ويشغل مساحة أفقية أكبر وجسده ينغمر فيها. إنه مجموع في بروز غير مشتت مما يعطيه سمة الوقار المضاعفة، أقرب الى التحديدات الجمالية التي اعتمدها، فالجالس ملموم الكتلة، أزاء ذلك كانت تماثيل الشخصيات الجالسة التي نفذها الفنان، حتى في نسبها الأفقي. تستطع الارتفاع على نحو متطرف، والاتجاه العام في البناء ظل متمسكا بالبناء يتجلى في القياسات النسبية لبيوتنا وأزقتنا وآثارنا، حتى عمارتنا الحديثة المرتفعة لم قياسات الفنان نفسه، ولعلها تشكل واحدة من مصادر الأنموذج الثقافي العراقي الذي مشوهين، وأعتقد اننا ثقافيا وبيئياً أقرب الى قياسات ذراع أو ساق، وتلك هي قدميها في الساحات العامة. إن هذا التضخيم للشخصيات الثقافية يحولهم الى أبطال تكبيرها بنسب مضاعفة لتبدو عملاقة وغريبة، ولاسيما تلك التي كانت تقف على التناسب والتعبير العام والاختزال والاستقرار. الا أنني شخصياً ما كنت أطيق مقارنة بأعمال مماثلة نفذها فنانون آخرون فان أعمال الترك هي الأفضل من حيث مشاكل القرارات الإدارية والسياسية والرغبة في التظاهر والإدعاء. ومن دون استشارة من المعماريين وجماعات التخطيط الحضري، وقد حملت معها تنسيق فني بينها وبين الأحياز التي أقيمت فيها، وهي على أية حال أقيمت على عجل تلغي القيمة الفنية.

ويبدو لي أن تماثيل الشخصيات كلها عانت في العراق من انعدام من تلك الاعمال التذكارية. قد أختلف مع الفنان في الرؤية، فالقيمة التذكارية لا بالحيوية والانتاج. أنا الآخر أجد أن منحوتات العرض الفني تمثل سلوكه الفني أكثر النحتية ذات القيمة الفنية المعدة للعرض التي أقامها في تلك الفترة نفسها الضاجة نظر جديدة، فقد بدأ يراها نسبيا في حدود قيمتها التذكارية، مؤكدا على الاعمال ويبدو أن استغراقه بذلك العمل الكبير ألقى على تماثيل الساحات التي أقامها وجهة. إنه باختصار منشأة تدخلت في اقامتها جهات فنية وانشائية عديدة. انسجمت فيه تطلعات متنوعة على مستوى التصميم والتنفيذ والتصنيع والرؤية الجمالية.

والأمر مفهوم فنصب الشهيد ليس نصباً عادياً بل هو عمل معماري مشهدي هائل الشهيد وجد نفسه ازاء أكثر الأعمال أهمية في حياته وأكثرها مدعاة للتفرغ والتكريس الرصافي، الواسطي، ابو نواس، الفارابي، الكاظمي) وحين فاز تصميمه لنصب منتجة للفنان على مستوى النحت، فقد كلف باقامة عدد كبير من تماثيل الساحات (يعتقد بأنها أعمال كاملة). لكن هناك سبباً آخر اكثر اهمية، وهي أن تلك الفترة كانت قليل وفنيته خالصة، وتخطيطاته المتقشفه ما كانت لتباري تقاليد اللوحه الزيتية أو ما رسوم النحات الترك الا كنتاج فرعي.

إنها تتفجر من الداخل في شوق الى فعل ما ربما الشحيحة عاندت دوما حسيته الكامنة، وهذا ما يفسر أن أعماله تمتلك طاقة درامية من الجمالية حدّت من نمو أية وجهة نظر عاطفية ونفسية عن الانسان. ولعل اقتصادياته تفعل شيئا، كما انها لا تتجاور في علاقات جسدية حسية، فلنا أن نستنتج أن مفاهيمه الأوضاع الإنسانية في تنوعها الحياتي، فتماثيله دائما منتصبة في الفضاء ونادرا ما تعليله بأن فنه انساني النزعة وحسي. لكن إذا فكرنا بأن الترك لم يستفد أبدا من إن الانشغال الطاغي بالجسد الانساني لدى الترك سواء في النحت أو في الرسم يمكن الرسـم واللون والمناكدة. وتماسك وهيبة الكتلة واستقرارها، مضيفا إليها حيوية التفكر بالحياة واللعب الممتاز وجهه المقتطع. في هاتين المنحوتتين حافظ الترك على جمالياته الأصلية من اختزال الممتع الهازل. والثاني منحوتة (القناع) التي نكتشف فيها أن حامل القناع يحمل (حامل الديك) المليئة بالعافية والمرح بما تمثل من ذكورة مضاعفة تحيلنا الى الفخر هذين العملين كان مدهشا في جعل الجسد الانساني يتحدث بلغة الحياة. الأول منحوتة بالحجم الطبيعي تجسد حالة من الحيوية الانسانية أو يجترح مغزى فكريا فيها. ففيه عاش في بيئة ثقافية جدالية.

والحقيقة أن الترك لم ينتج غير منحوتتين أو أكثر أو هواجس فكرية مباشرة، وهو أمر يثير الدهشة بالنسبة لفنان معاصر انساني النزعة ان وقفات تلك الأجساد النقية كانت استثمارا غارقاً في جمالية خالصة لا تعكرها لوعة عنه أي أمل في أن يكون شيئا آخر. حذف العلاقات الخارجية ذات الطبيعة المسرحية، واظهار المنحوتة جسداً خالصاً نزع فعلى نحو رمزي غير مباشر. ولعلنا نستنتج أن الانشغال النحتي الاصيل للترك هي العامة كوحدة مكتفية بنفسها، ليس لها نظير، ولا تتكافأ بعلاقة اخرى، وإذا فعلت ان الفكرة الجمالية لمنحوتات الترك ذات الحجم الطبيعي تتلخص بالتعبير في الكتلة الاستقرار وعدم التشتت. ومناسب للترك الذي اعتاد الحذف التشريحي والاهتمام بالكتلة العامة من حيث فضلا عن سماته الدينية القديمة فانه اقتصادي من حيث الكلف التعبيرية العامة، استعاره من التماثيل السومرية الدينية، حيث ما يواجهنا وحده مكّور ومشغول، وهو ان جمهرة كبيرة من منحوتات الترك هي صوامت تعتمد مبدأ المواجهة مبدأ حريته فيها بمسحات أصابعه، ثم المرونة، والحس بالمادة التي تذوب وهي تتشكل. الذي يعوض عن الرأس ويؤكد الساقين. والمميز الآخر هو تقنية البناء التي أظهر فالمميز عنده، في حدود هذه الظلال والأشباح هو الجسد ليس إلا، عرض الأكتاف وذلك لضمان اشتغالها بالفضاء. إنه يجسدها في الكثير من الأحيان دون رؤوس، جعلها في حجم طبيعي بعد أن كانت تأخذ قياساتها من قياسات ساعديه القصيرتين، الانسانية أوابد فردية معزولة في الفضاء متمظهرة في عري ذابل، ولهذا السبب المسافات والفراغات.

وحتى هذه المسافة ستختفي فيما بعد لأنه سيجعل من شواخصه أو تقديم صورة روائية. فإذا ما أقام علاقة ما بين منحوتاته فهي دائما تفرقها مخفية أومقموعة وذلك بحذف أي علاقة مباشرة، أو أي وضع مباشر، يفيد الشرح يبدون واقفين حقاً. إنهم عراة من دون أن يبدوا كذلك، لأن الفنان اعتاد انتاج عاطفة والأشباح، مختزلون، لا يتصنعون وقفة، وفي أكتافهم العريضة وأقدامهم النحيفة لا إن شخوص الترك غير مميزين إلا بوقفاتهم وذوبان أجسادهم، يماثلون الظلال على حل من حلول الوضعيات المسرحية. شكلا من أشكال التبئير المسرحي من دون أن يكون مسرحياً حقاً ومن دون الإعتماد قدمها في هذا الشأن كانت مثيرة ومناسبة منعت عن أعماله التشتت في الفضاء وخلقت التي تعمل في أحياز اصطناعية فنية وليس في فراغات المكان الواقعي، والحلول التي الذي يحيط بالعرض، وأحسب أن الفنان كان واعياً تماماً لحجم منحوتاته الصغيرة. وفي كل الأحوال نجدنا أزاء حيز مكاني فني منتخب يعمل بمعزل عن الفضاء الكلي الجسدين المختلفين من كونها مكانية الى كونها نفسية توحي بالانقطاع وعدم الاتصال كالأثداء) وفيها تحول هذا الجزء الى لوحة رسم، والثانية تحويل المسافة بين لوظيفتين، الأولى للإسقاط العاطفي الرمزي (اشارات وخطوط وأشكال أنثوية مستطيل يمثل جداراً. ويبدو لي أن الترك استخدم اللوح الجداري خلفية للشواخص أفقياً أمام كتلة من الشواخص ذوي رؤوس صغيرة، أو وضع شواخص أمام لوح لمكان العرض. إن أحد الأمثلة المعروفة في هذا الترتيب هو وضع رأس كبير ينام وساكن بواسطة الحيز الخاص التي تعمل فيه المنحوتتان على حساب الفراغ الكلي النسق نفسه يعوض عن حيوية الوضعيات عن طريق خلق مشهد مسرحي ايمائي أصغر منها بحيث نراها مرة مخترقة بالفراغ ومرة متجسدة في عمق تراتبي. هذا الحركة بخلق علاقات فراغية داخل كتلة الشواخص نفسها ثم ما بينها وبين كتلة أخرى موحيات التعبير وخطوط التبئير في العرض الفني.

والحال إن الفنان عّوض عن لا شك أننا في المنحوتات الصغيرة لا نلمس مثل هذا النشاط في الرؤية بقدر ما نلمس مسافة مناسبة سنجد تغيّراً في المنظور وحركة في كتلته العامة ما بين انفتاح وغلق. كان مؤجلا. كما أن اختياراته غير المعبأة بوجهات نظر عاطفية مباشرة ظلت حبيسة صراع داخلي. وأحسب أن خروجه في سنوات التسعينيات إلى الرسم والزخرفة واللونية المبالغ فيها قد تشكل دليلا على ذلك، وقد نعد ذلك تعويضاً أملته الحياة التسعينية الكئيبة، رافقه تحول في الاهتمامات. والحال أن الترك صّرح لي أكثر من مرة عن حبه للون لكنه ظل محترساً في استخدامه على نحو صريح وواضح، لعل اقتصادياته الجمالية الشحيحة مارست دور اللجام. ثمة احتمالية في هذا الشأن، لأن اللون اغراء بصري مباشر لا يمكن تحميله دائما وجهة نظر عاطفية جذرية، أما الرسم فهو شيء آخر، علماً أن رسومه الأخيرة ظلت محافظة على اقتصادياتها الجوهرية النقية، مما يلقي شكوكا على أي استنتاج جريئ.

لم يغير الترك المنطقة التي يعمل فيها، فالاقنعة والرؤوس والوجوه حاضرة في رسومه كما في منحوتاته. في النحت كان يلغي التعبير في الوجه، والأمر مفهوم، فهو لا يصور اشخاصا بل يبني اجسادا لا يريد أن يلقي عليهم أية شبهة تمثيل أو أداء محدد حتى لو كان في التعبير بالوجه. أما في رسومه الاخيرة فقد أظهر هذا التعبير في أقل التفاصيل رهافة. ومرة اخرى نلتقي في رسمه بفكرته عن نقاء الخطوط التي تلتقط الجوهري وتحذف الباقي.