إسماعيل فتاح الترك.. الوهج الأخير

إسماعيل فتاح الترك.. الوهج الأخير

ضياء العزاوي

رحيل الفنان التشكيلي العراقي إسماعيل فتاح الترك (1934-2004) يغادر سماء الفن التشكيلي العربي أحد أهم بصماته, سواء في إطار اللوحة, أو فضاء النحت, فنانون ونقاد يكتبون شهاداتهم, في هذا الملف الذي تهديه (العربي) لكل محبّي فنه.

رسالة عن تلك الأيام

الأصدقاء المنفيون, الأصدقاء المولعون بالكلام حول مائدة العرق العراقي وسمك المسكوف, الأصدقاء الذين أخذهم الحزب إلى مملكته - مملكة الوشاية, كتابة التقارير المزورة, تواقيع مباركة الاختفاء حيث المرء يصبح رقما يسهل مسحه - الأصدقاء المتعثرون بجثث أصدقائهم.

كيف اجتمع كل هذا الحشد على مائدتك المصنوعة من طين البصرة? ذلك الطين الذي اختلط بدم الشهداء من الفقراء والمنسيين وبقايا النخل المحترق بنار قادسية القبائل الصحراوية.

أصغي إليك وأنت تتحدث عن عراق لم أعد أعرف صورته, ولم يعد للذكرى حنينها المفجع, عراق توسعت سجونه وأصبحت للمفقودين قوائمهم المحفوظة في أدراج المحققين, أصغي إليك وأنا أتذكر لقاءنا الأول في الستينيات بعد انقلاب فبراير الدموي, أنت اليافع القادم من روما محملا بروح التمرد وببضعة أعمال هي ما تبقى من مخزونك الدراسي في إيطاليا, معك كانت زوجتك ليزا بنت القبائل الجرمانية المدهشة الجمال والمندهشة بما يحيطها من عالم جديد. أما أنا فقد كنت خارجا من موقف السجن المركزي محملا بتلك الصور المحزنة لمشاهدة الذاهبين للتعذيب, ولبعض من خانته عزيمته وهو يدل على رفاقه لتضم ضمن قائمة المحققين. تحدثنا عن أشياء كثيرة, عن ألبرتو مورافيا, الرسام كتوزو, وعن التجارب الحديثة في الرسم والنحت, ولعل أعمالك التي عرضتها في صالة الواسطي عام 1965 كانت بيانك الفني ضد ما كان شائعا في التجربة العراقية, بيان اختزل اللوحة من الكثير من تزيينات كانت لا تخلو لوحة عراقية منها, فيها كان اللون الأبيض ومشتقاته الأساس في خلق رؤيتك وقد حمل النحت الكثير من خصائص اختزال اللوحة وبالقدر نفسه كانت العلاقة بينهما متباعدة بشكل لافت للنظر.

أتذكر الآن الصديق كاظم حيدر الذي لم يجد في تجربتك غير السهولة, في حينها قال عبارته المعروفة بيننا (لو وضعت في غرفة مغلقة ليوم واحد لكان بإمكاني أن أعمل معرضين من أعمال إسماعيل) ضحكنا لنكتة الاختلاف هذه. لم أكن في موقع الشك في تجربتك التي فتحت نافذة جديدة إلى جانب نافذة أخرى تمثلت في معرض الشهيد لكاظم نفسه الذي قدم ملحمة الحسين عبر مناخ أسطوري يتداخل فيها روح المسرح مع الولع بالجزئيات المحلية, في حينها كان تعليقك أنه معرض ينتمي إلى المسرح لا إلى الرسم,لم تكن محقا في قولك وفي الوقت نفسه لم يكن تعليق كاظم محقا أيضا. كنتما نموذجا للمأزق الذي تلبس التجربة العراقية في حينها, مأزق أوجده بروز فنانين شباب ضاقوا ذرعا بما هو شائع من تجارب أساتذتهم فأخذوا يخلقون حقائقهم غير مبالين بهاوية اليأس أو إثم تحدي أساتذتهم الجالسين كالآلهة, كنا كما تتذكر مهمومين بالاختلاف الخلاق ولم تعد سماء بغداد في حينها تتسع لروحنا, ولعل زيارة الشاعر يوسف الخال القصيرة لصديقه جبرا هي جناح الطائر الذي دلنا على سماء بيروت المدهشة, وليصبح (كالري وان) عبارة تتكرر بيننا بكل ألفة, استقبلتني هذه الصالة في معرض شخصي كان البداية لمعرضك ومعرض كاظم حيدر ومن ثم جاءت أعمال رافع الناصري, سالم الدباغ وآخرين. هناك تعرفنا على وضاح فارس الذي سميناه (أبو صادق) لكثرة أكاذيبه, ولم نكن بعيدين في هذه الكنية عما سماه الشاعر الفلسطيني توفيق الصائغ في ديوانه الذي صممه له بـ (مسيلمة الكذاب).

أفكار تمردية

لعب أبو صادق بأفكاره التمردية دورا كبيرا في تقديمنا لبيروت ومعه اختفت العشرات من أعمالنا ولم نكن بالمبالين لروح الصداقة التي جمعتنا. روح اللامبالاة هذه تذكرني بتمثال الرصافي, في حينها كنا نسكن في الشارع نفسه وقد تعودت على المرور عليك وأنت تعمل في حديقة الدار المؤجرة مع مكي حسين, واتحاد كريم, وسليم عبدالله. كنت سعيدا بفوزك بثلاثة نصب للشعراء من مجموع أربعة ومصرا على مغامرة صبها بنفسك بمساعدة تلاميذك, كان التمثال يتجاوز ثلاثة الأمتار بينما ارتفاع بوابة الحديقة في حدود المترين, عندما أشرت عليك إلى هذا الاختلاف كان جوابك جواب من لم يخطط لتنفيذ العمل بشكل محسوب: (نخلع الباب), ضحك الجميع وسط الحديقة التي أصبحت مملوءة بالأنقاض وبالروائح المزعجة للشمع المحروق.

أخذتك هذه النصب عن إبداعك الفعلي لسنوات عديدة, والتحقت أنا بخدمة الاحتياط لأقضي قرابة العامين في المناطق الكردية, في حينها وضمن الوقت المسموح في رابية مرتفعة ومعزولة في منطقة دينارته كنت أقرأ وياللمصادفة رواية كزنتزاكي (الاخوة الاعداء) من يومها لاأطيق مشاهدة الجبال الجرداء, ولم اتخل عن كتاب كزنتزاكي طيلة هذه السنوات, وعندما زرت قبل سنوات بعيدة مع زوجتي جزيرة كريت اليونانية حرصت على زيارة قبره الواقع على مرتفع يطل على العاصمة وسط دهشة زوجتي التي لم تعرف عني مثل هذه الرغبات. كنت وقد حضرت معي تلك الأيام المؤلمة حريصا على تذكرها شاهدا للقسوة والعنف الأيديولوجي المنغلق وفي الوقت نفسه عرفانا بجميله في تلك السنوات القاسية, كانت رؤيته قاموسي اليومي لروح الغفران.

بعد سنوات من مغادرتي العراق التقيتك في لندن, كنت تشتغل في حينها على نصب الشهيد الذي أثار الكثير من المقالات بسبب محاولة المعمارين إغفال مساهمتك عند ترشيحه لجائزة الآغا خان المعمارية, حدثتني كثيرا عن التداخلات المتنوعة إلا أنك كنت متعجبا من مقال تسلمته الجريدة من ألمانيا, وكيف قررت الجريدة إنهاء المدخلات لما فيه من تفاصيل ومعرفة دقيقة بالنصب. كنت مندهشا وسعيدا بذلك المقال, التزمت الصمت في حينها ولم أخبرك بأنني كنت كاتب هذا المقال. يومها ذهبنا إلى مرسمي مرات عديدة وحاولت غوايتك بالعودة للرسم ونسيان كل السنوات التي ضاعت في تنفيذ نصب الشعراء, ضحكت لهذه العبارة وغادرت لندن محملا بأنواع مختلفة الحجوم من الورق المصنع باليد ودفترين غير مرسومين من مجموعة كنت أهيئها لمجموعتي التي عملتها لعدد من الشعراء العرب, بعد أربعة أشهر جئتني محملا بأعمال مدهشة حقا وكم كنت سعيدا وأنت تقلبها بحميمية واضحة.

لعلك شعرت بانتصارك الشخصي على روح اللامبالاة التي تلبستك ولسنوات لأسباب أجهلها.

بعد زيارتك الثانية عام 1988 كان بإمكانك أن تقيم معرضا شخصيا في صالة الكوفة في لندن بعد قطيعة قاربت العشرين عاما, في حينها سألتك عما حدث للدفترين, ضحكت ثم قلت هديتك هي هذا الدفتر الذي رسمته بالكامل كتحية لأستاذي جواد سليم.

من يومها أصبح للرسم قدسيته اليومية لديك, طقس للهروب من عالم قاس رغم بهرجة مظهره الخارجي ولم يعد بالإمكان أن تغض الطرف عن قوافل الجثث القادمة من جبهات الحرب المجنونة وكم كنت سعيدا بتخليصك بعض الفنانين الشباب من هذه الحرب ليعملوا معك في نصب الشهيد الذي تمت مصادرة فكرته النبيلة ليكون وثيقة للآلاف من الشهداء الذين أصبحوا وقودا لمختبرات السياسة وأحلام القوة الفارغة.

عن /مجلة العربي