صفحة من تاريخها الحديث.. الفلوجة ومقاومة الاحتلال البريطاني

صفحة من تاريخها الحديث.. الفلوجة ومقاومة الاحتلال البريطاني

د. حاتم حميدي الضاري

تقدمت القوات البريطانية غربًا بعد احتلالها بغداد في (11/آذار/1917م)، ووصلت الفلوجة بعد عشرة أيام واشتبكت بالقوات العثمانية فيها، التي لم تستطع المقاومة طويلًا واختارت الدفاع عن الرمادي. فاحتلت القوات البريطانية مدينة (الفلوجة) في (22/3/1917م)،

ولم تنفع مقاومة الشيخ الضاري وعشائر المنطقة والقوات العثمانية من إيقاف التقدم نحو الفلوجة، التي احتلوها في الثاني والعشرين من شهر (آذار 1917م)، واضطرّ القائد التركي أحمد بك أوراق لإخلائها، بعد أن أحرق جسرها الخشبي ليعيق ملاحقة المعتدين لقواته.

وقد قامت قوات الاحتلال البريطاني بعدد من الإجراءات التأديبية والاحترازية في المدينة، ومنها: نفي رئيس بلدية المدينة السيد (عبد الحميد كنه) إلى (هيت)، وفرض الإقامة الجبرية عليه، وتعيين الكابتن (سلفن) حاكمًا سياسيًا في الفلوجة، ونشر نقاط حراسة مختلفة في أماكن عدة من المدينة، والسيطرة على النقاط المهمة القريبة من المدينة، وأهمها سدة (السرية الإستراتيجية شمال الفلوجة، التي دمرتها القوات العثمانية عند انسحابها لإغراق المنطقة بالمياه، وإعاقة تقدم القوات الغازية إلى الرمادي، ومد سكة حديد من بغداد إلى الفلوجة لتأمين الإمدادات العسكرية، وإقامة مهبط للطائرات.

أمَّا المدافعون من العشائر فقد عبروا نهر الفرات بـ(الشخاتير)([25]) إلى الجانب الغربي من الفرات (شامية الرمادي)؛ لمواجهة المحتلين الذين واجهوا مقاومة عنيفة، وتكبّدوا خسائر فادحة،ولكنهم بالرغم من ذلك تمكنوا من تحقيق نصر على القوات المدافعة بعد تمكنهم من احتلال قاعدة الرمادي على حين غرّة.

ولأهمية هذا النصر وتأثيره في سير الحرب وقتها؛ أبرق القائد الميداني البريطاني في قاطع الرمادي إلى الملك البريطاني جورج الخامس، والجنرال مود في بغداد في (5/10/1917م)، يهنئهم فيها بالنصر، قائلًا: “أبعثُ بأحسن التهاني إليكم، وإلى جميع الجنود الذين اشتركوا في الاستيلاء على الرمادي وأسروا جميع قوات الترك هناك».

ثالثًا: مشاركة الفلوجة في التصدي للاحتلال البريطاني بعد احتلال بغداد

وعقد في وقتها اجتماع تفاوضي بين الشيخ (حــــــردان العبد الحميد العيثة)، والشيخ ضــــــاري المحمود، والحاكم العسكري (كروفر)؛ لبحث موضوع حملات الحصار والتهجير التي تعرضت لها المناطق الثائرة التي قاتلت مع العثمانيين ضد البريطانيين بقيادة الشيخين حردان وضاري. وبعد هذا اللقاء اعتقل الشيخ حردان في معركة العزيزية ونفي إلى جزيرة (هنجام)، في الخليج العربي قريبًا من مضيق هرمز.

وقد وثقت بعض الكتب البريطانية المؤرخة لحرب غزو العراق؛ مشاركة العشائر في معركتي الرمادي الأولى والثانية في العام (1917م)، ومنها عشائر الفلوجة، ولاسيما قبيلة (زوبع) بقيادة الشيخ ضاري، فمن ذلك ما يقوله المراسل الحربي (إدموند كاندلر) الذي كان مرافقًا للجيش البريطاني وقتها: «بدون شك؛ كان تقدمنا غير مجدً إلى الرمادي في شهر تموز عندما هربنا من حرارة الجو، مما قلل من اعتبارنا. وأصبحت عشائر الدليم والعشائر الأخرى شمال الفلوجة معادية لنا علنًا»([ . وقال في موضع آخر عند حديثه عن معركة الرمادي الأولى التي هزم فيها البريطانيون: أن قوة الدفاع في المدينة كانت تضم إلى جانب القوات التركية (قوات عربية غير نظامية)، ويقصد بها عشائر المنطقة..وقد ذكرت هذا الأمر بعض المصادر العربية ولا سيما العراقية منها التي اعتنت بتاريخ سير المعارك في العراق واحتلاله تحت عنوان (حرب العراق) أثناء ذكر موجود القوات العثمانية والقوات المتحالفة معها في معركتي الرمادي؛ حيث “كان جحفل الفرات التركي، بقيادة العقيد (أحمد بك أوراق) مؤلفا من سرية خيالة... ومن بطارية صحراء ومن ثلاثة أفواج... ومن فصيل مدفعية بحرية... ومن متطوعي العشائر، جمعًا يكون نحو (20) ضابط ونحو (1100) بندقية وسيف».

وقد ذكرت هذه المصادر شيئًا ليس بالكثير -للأسف- عن اصطدام هذه القوات العشائرية بالقوات البريطانية، ومن ذلك: مهاجمة المجاهدين والعشائر رتلًا بريطانيا منسحبًا من معركة الرمادي الأولى، وتكبيده خسائر، حتى وصوله منطقة (سن الذبان) واحتمائه بها، قبل مواصلة انسحابه إلى الفلوجة([32]). وكذلك وما وقع يوم (9/9/2017م)؛ حيث “تقدمت بضعة مدرعات إنكليزية مع دورية خيالة باتجاه الرمادي من ضفة الفرات اليسرى، فاصطدمت بخيالة الأتراك المعززة ببعض العشائر والمجاهدين، ثم انسحبت إلى الفلوجة بعد أن تكبدت بعض الخسائر.

وما حصل أيضًا ليلة (21/22 أيلول)؛ إذ “قامت بعض القطعات والمجاهدون من جحفل الفرات التركي بهجوم مباغت على ستارات القوة الإنكليزية المرابطة قرب (جرف الأحمر) في ضفة الفرات اليسرى فكبدوها بعض الخسائر وأسروا منها (10) جنود وغنموا منها بعض الأسلحة والتجهيزات».

وبعد ذلك بأيام حدثت “بعض المصادمات الطفيفة بين خيالة جحفل الفرات التركي والمجاهدين وبين قطعات الستر الإنكليزية، خلال المدة التي مضت بين (22و28 أيلول سنة 1917م.وقد أغفلت مصادر أخرى -تمامًا- ذكر مشاركة قوات عشائرية من أبناء الرمادي والفلوجة و(أبو غريب) وغيرها من مناطق (لواء الدليم) في معارك الدفاع عن الفلوجة ومن ثم الرمادي والبغدادي.

مؤتمر الرمادي

تذكر المصادر البريطانية أن لقاءات عشائر لواء الدليم للتحضير للثورة كانت قائمة، ومن ذلك ما تضمنته برقية مرسلة من لجمن (الحاكم السياسي) في لواء الدليم إلى قيادته، عن الأوضاع في المنطقة الغربية، بتأريخ (3 تموز 1920م)، أي قبل أكثر من شهر من مقتله؛ يذكر فيها خبر عقد اجتماع لعشائر المنطقة -يقصد عشائر المنطقة الممتدة بين مدينتي بغداد والفلوجة- في مضيف الشيخ ضاري المحمود بحضور الشيخ (حسن السهيل) شيخ بني تميم؛ ولذلك بادر لجمن لعقد لقاء ضم شيوخ قبائل مناطق (لواء الدليم)، وهو ما عرف لاحقًا بمؤتمر الرمادي، الذي حاول (لجمن) فيه الحيلولة دون إعلان عشائر اللواء للثورة. وهو لقاء انتهى بفشل لجمن، وتعمق علاقة العداء بينه وبين الشيخ ضاري الذي خيب مسعاه.

ويقول السيد (سلمان هادي آل طعمة) في كتابه (كربلاء في ثورة العشرين) عن تفاصيل هذه اللقاء: «ولإثبات وحدة المسلمين وتكاتفهم وتآزرهم حدثت ندوة المحاورة الرائعة التي دارت بين الشيخ ضاري والقائد الإنكليزي لمنطقة الفلوجة المدعو (لجمن) الذي أراد أن يشق وحدة الصف العراقي والإسلامي بإثارة النزعة الطائفية».

ومن الحوادث المهمة في ثورة الفلوجة وما حولها؛ هو وصول مبعوث الثورة في الفرات الأوسط (جدوع أبو زيد) في أواخر شهر تموز إلى مناطق المحمودية و(أبو غريب) والفلوجة، وجولته على عدد من قبائل لواء الدليم؛ لاستنهاض هممها، ولقائه برؤساء الجنابيين في منطقة الشامية، وحديثه معهم عن ضرورة المشاركة في الثورة. وقد أجابه الشيخ الحاج عاصي رئيس الجنابيين “المعروف بحماسه الوطني وسبق له الاتصال بعض رجال الثورة في الفرات: “بأننا مع الثورة والثوار لهم ما لنا وعليهم ما علينا والآن أنا وعشيرتي تعمل بكل إخلاص وتضحية، ثم اصطحب السيد جدوع في جولته على عشائر اللواء.

عن بحث : مقاومة عشائر الفلوجة للاحتلال البريطاني ودورها في ثورة العشرين.