طه الهاشمي وموقفه القلق في عام 1941 .. هل حاول التوفيق بين الوصي والعقداء الأربعة ؟

طه الهاشمي وموقفه القلق في عام 1941 .. هل حاول التوفيق بين الوصي والعقداء الأربعة ؟

أحمد فوزي

بعد هروب الامير عبد الاله الوصي على عرش العراق الى الديوانية، وبعد ان قدم رشيد عالي الكيلاني استقالة وزارته برقياً، وثبتها بكتاب ارسله الى الديوانية في 31 كانون الثاني 1941 محملا الوصي مسؤولية الموقف السياسي المتدهور كاملة، ومتهما اياه بانه خضع للتأثير والضغط البريطانيين.. شكل طه الهاشمي وزارته الاولى (الوحيدة) في اول شباط 1941.

يحكي اسماعيل احمد ياغي في كتابه “حركة رشيد عالي الكيلاني، عن مجريات الاحداث التي ادت الى تكليف طه الهاشمي بتشكل وزارة تخلف وزارة الكيلاني فيقول: “استدعى الوصي رئيس مجلس الاعيان السيد محمد الصدر الى الديوانية بعد ان تسلم استقالة الكيلاني، وطلب منه ان يصطحب معه طه الهاشمي وبعض السياسيين البارزين للتشاور معهم في تشكيل الوزارة الجديدة.. وكان المرشحان الوحيدان هما محمد الصدر وطه الهاشمي.

فلما رفض الاول تسلم اعباء رئاسة الوزارة، عهد بها الى طها الهاشمي بايعاز من الصدر الذي كان قد اختلى بالوصي اثناء المشاورات.

وكان العقداء الاربعة: صلاح الدين الصباغ وفهمي سعدي ومحمود سلمان وكامل شبيب، قد طلبو من محمد الصدر قبل مغادرته بغداد لمقابلة الوصي في الديوانية ان ينصحه بان يعهد الى طه الهاشمي تشكيل الوزارة الجديدة وهددوا بالثورة اذا لم تعط الرئاسة للهاشمي الذي حاز على ثقتهم سيما وان الاخير كان يرى انه يستطيع ايجاد التفاهم بين العقداء وبين الوصي، فقد كان في نظرهم المرشح المناسب لرئاسة الوزارة.

وكان طه الهاشمي – المقتنع بوطنية واخلاص العقداء الاربعة – قد اجتمع بهم قبل سفره الى الديوانية، واحاطهم علما برغبة الوصي في تشكيل وزارة جديدة، وابلغهم انه سوف يقبل رئاسة الوزارة اتقاء لشر ما يحدث، وطلب منهم ان يتركوا السياسة ويتفرغوا لاعمالهم العسكرية.

وعندما اختلى محمد الصدر بالوصي في الديوانية، شرح له الموقف واشار عليه ان يختار احد حلين لا ثالث لهما فاما ان يوافق على ترشيح طه الهاشمي لرئاسة الوزارة بناء على طلب العقداء الاربعة واما ان يبقى، في الديوانية ويختار من يشاء لرئاسة الوزارة ويعارض بذلك العقداء الاربعة، حتى لو ادى الامر الى نشوب حرب اهلية، ولما تاكد الوصي ان ابراهيم الراوي يرفض مساندته وافق على الحل الاول، وهو ان يعهد الى الهاشمي رئاسة الوزارة.

* اما طه الهاشمي الذي لحق الوصي بالطائرة الى الديوانية ، فقد قبل في اول شباط 1941 تشكيل الوزارة الجديدة استنادا الى ان معرفته التامة بالعقداء الاربعة، وثقة هؤلاء بنياته الحسنة تجاههم، من شانها ان تعيد الاحوال الى وضعها الطبيعي.

ويقول ادموندس، المستشار البريطاني بوزارة الداخلية العراقية، في رسالته الى السفير البريطاني عن الاحداث التي ادت الى انقلاب الاوضاع “من المعتقد بوجه عام ان طه باشا قد اكد للضباط الاربعة بانه اذا عاد الى الحكم فلن يكون هناك ما يخشونه»!

وهكذا، تم تشكيل وزارة طه الهاشمي، الذي احتفظ لنفسه ايضا بوزارة الدفاع وابقى عضوين من وزارة الكيلاني المستقيلة.

وقوبلت وزارة الهاشمي بارتياح من جانب مجلس الامة العراقي، وكذلك من جانب قادة الجيش، الذي كانوا يحترمون طه الهاشمي كثيرا، كما كان الهاشمي بدوره يعتبرهم ابناءه وتلاميذه.

وبعد مدة اخذت ايد خفية تلعب من وراء ستار لبلبلة الجيش، مما دفع طه الهاشمي الى ان يصدر بصفته وزيرا للدفاع، قرارا بنقل العقيد كامل شبيب من قيادة الفرقة الاولى في بغداد الى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، عندئذ شعر القادة بان هذا النقل مقدمة لعمليات اشد خطرا وابلغ اثرا، وان الجهة الاجنبية، الايدي الخفية – هي التي تريد ذلك، فاجتمع العقداء الاربعة ورئيس اركان الجيش بالوكالة امين زكي سليمان، واعلنوا حالة الطوارئ في معسكر الرشيد، ووزعوا المفارز في نقاط مهمة من بغداد وحول القصر الملكي، واوفدوا فهمي سعيد يرافقه امين زكي لتقديم الرجاء الى طه الهاشمي بالاستقالة.

فعاد فهمي سعيد يحمل استقالة طه الهاشمي موجهة الى الوصي، وظلت استقالة طه الهاشمي معلقة بسبب هروب الامير عبد الاله الوصي خارج العراق.

ولكن اول عمل قام به الشريف شرف – الوصي الجديد المنتخب بعد هروب الامير عبد الاله – هو قبول استقالة طه الهاشمي.

وفي 14 نيسان عام 1951 قدم طه الهاشمي وعدد من زملائه رؤساء الوزارات السابقين وبعض السياسيين المعروفين باتجاهاتهم الوطنية طلبا لوزارة الداخلية بتأليف جبهة سياسية من احزاب وهيئات وافراد باسم (الجبهة الشعبية المتحد) وقد اعترضت وزارة الداخلية على عبارة (من احزاب وهيئات وافراد) لمخالفتها لقانون الجمعيات، مما ادى الى انسحاب ممثلي الحزب الوطني الديمقراطي، فاجازت وزارة الداخلية الجبهة في 26 ايار 1951.

وعقدت الجبهة مؤتمرها الاول في 8 حزيران 1951 وانتخبت طه الهاشمي رئيسا لمكتبها الدائم.

استمرت الجبهة الشعبية في العمل السياسي حتى انتفاضة تشرين الثاني 1951 فحلت مع بقية الاحزاب من قبل وزارة نور الدين محمود.

* كنت ارى العميد الهاشمي كثيرا في الحفلات الرسمية وحفلات السفارات العربية والاجنبية ، وكان دائما يتوسط حلقة السياسيين المعارضين للحكم، واغلبهم من جماعة حزب الجبهة الشعبية الذي يترأسه – بقامته الممتلئة ونظرته الثاقبة الصارمة، وكلامه المطعم بالمصطلحات العسكرية. وكلمته – اول مرة – في حفلة السفارة الالمانية ، المقامة على شرف وفود مهرجان ابن سينا المنعقد في بغداد في النصف الثاني من شهر اذار 1952.

كان “طه باشا” واقفا يتحدث الى الدكتور، هيونار باخ” الاستاذ في جامعة بون، ورئيس الوفد الالماني لمهرجان ابن سينا، حديثا جاداً..!!

* وبعد ان توقفا عن الكلام، تقدمت اليه، وعرفته بنفسي فقال:

- اهلا بالشباب، قلت: شكرا يا (باشا) على ترحيبك.. وارجو من فخامتكم ان تتكرموا علي بتوقيعكم فاني من هواة جمع التواقيع لكبار الشخصيات السياسية والعسكرية وفي دفتر ذكرياتي (الاوتوكراف) عدد لاباس به من هذه التواقيع .

قال مستفسرا وهل وقع لكم الدكتور باخ؟!

قلت: كلا، ولكني امل ان يوقع بعد توقيع فخامتكم يا (باشا).

فتناول الدفتر من يدي، وقدمه الى الدكتور باخ، وطلب اليه بالالمانية ان يكتب شيئا، او يسجل توقيعه.

اخذ الدكتور باخ الدفتر وسجل كلمة فيه من 9 اسطر باللغة الالمانية، وذيلها بتوقيعه، وتاريخ ذلك اليوم 18/3/1952.

ثم استرجع طه باشا الدفتر من جديد، واخذ يقرأ ويترجم لي ما سطره الدكتور باخ – وقال مازحا:

- لقد كتب لك تحية جميلة، واشاد ببلاد ما بين النهرين وثقافة رجالها، وروعة انهارها وجمال نخيلها.

* قلت مبتهجا: ارجو ان تتفضلوا بنقل شكري وتقديري واحترامي للدكتور باخ على جميل عواطفه نحوي، وتجاه بلادي.

وترجم طه (باشا) – الذي كان يجيد اللغة الالمانية – كلامي الى الدكتور باخ ثم التفت نحوي قائلا:

- اما انا فساوقع لك .. فقط !

ووقع طه الهاشمي في دفتر ذكرياتي.. وكان توقيعه واضحا كل الوضوح، بخط انيق وجميل، وسط احد صفحاته ذات اللون الابيض.

وقال –بعد ان انتهى من كتابة تاريخ ذلك اليوم تحته.

- اليس توقيعي واضحا .. ويقرأ من غير جهد ولا التباس!

* واسم طه الهاشمي الكامل هو طه بن السيد سلمان بن السيد صالح بن السيد احمد من سادات سامراء الذين هاجروا الى الموصل للعمل فيها وكان والده مختارا لمحلة البارودية في بغداد، وطه من مواليد بغداد عام 1888، تخرج في المدرسة الحربية في اسطنبول عام 1906 برتبة رئيس اركان حرب، وكان الاول في دفعته وهو شقيق ياسين الهاشمي – رئيس الوزراء السابق.

ان توقيعه ينقسم الى قسمين: اوله واضح، واخره فيه صعود ونزول، مما يدل على ان شخصيته تبدو لاول وهلة جلية واضحة ، وفي التالي يبدا فيها التذبذب فمرة الى الاعلى، ومرة الى الاسفل، حتى ينتهي به الخط الى نصفه، فيلتزم دائما اواسط الامور، ويبتعد عن المشكلات والمنغصات، ويخلد الى الدعة والهدوء والسكون عندما تدلهم الخطوب في السياسة الداخلية..!

هكذا.. كانت حياته السياسية حتى اخر يوم فيها، شانه شان الكثيرين في ذلك العهد الذي مضى فاغلبهم في المواقف الحاسمة.. يتهربون!

عن كتاب ( أسماء وتواقيع )