مع الأمير عبد الاله ..ذكرى وانطباعات

مع الأمير عبد الاله ..ذكرى وانطباعات

عبد الغني الدلي

من وزراء العهد الملكي

في شتاء 1957 عندما كنت سفيراً للعراق (في المغرب) ، قام الأمير عبد الإله بزيارة للرباط ، وحل ضيفاً على صديقه ولي عهد المغرب الأمير الحسن ، ملك المغرب حالياً ، في قصره الخاص في السويسي ـ الرباط ،

وفي اليوم التالي لوصول سموه جاء لزيارتي بصورة مستعجلة صديقي المرحوم الحاج أحمد بناني رئيس التشريفات في القصر الملكي وقال أن مكلف برجاء خاص إليك ذلك أن القائم بالأعمال الفرنسي (وكان السفير غائباً) قد طلب من القصر ترتيب موعد له لمقابلة الأمير عبد الإله ليبلغه رسالة هامة من الحكومة الفرنسية ، قلت للحاج البناني أن العلاقات الدبلوماسية شبه منقطعة بيننا وبين فرنساً بسبب موقفها من الجزائر كما تعلم ولا أستطيع تحقيق مثل هذه المقابلة ولا أظن الأمير سيرتاح إليها وهو في زيارة خاصة . قال لا أدري كيف يكون ذلك ولكني أؤكد رغبة المقامات المغربية العليا بهذا الأمر … كان الأمير الحسن قد أعد حفلة عشاء مساء ذلك اليوم للأمير وحاشيته وأنا منهم في مقر سكناه وقبل موعد العشاء قابلت الأمير منفرداً وشرحت له الموضوع فوافق على اقتراحي بأن يأتي القائم بالأعمال الفرنسي إلى قصر الأمير الحسن وينتظر في القاعة الصغيرة في مدخل القصر في آخر السلم المؤدي إلى غرفة الطعام وبعد انتهاء العشاء أنزل أنا أولاً للقاء القائم بالأعمال ثم ينزل الأمير في طريقه إلى غرفة التدخين فألتقيه وأقدم له القائم بالأعمال ، وهكذا كان …. نهض السيد (لاويت) عندما أقبل الأمير وحيّاه بكلمات عربية ثم تكلم بالإنكليزية قائلاً : « … إن حكومتي كلفتني بوصفها أحد كبار المساهمين في شركة النفط العراقية بإبلاغ سموكم عن استعدادها لتقديم أية تسهيلات مالية يحتاجها العراق لمشاريعه الإعمارية التي تقدرها الحكومة الفرنسية أعظم تقدير ، وذلك إظهاراً لحسن نواياها ورغبتها بتوثيق العلاقات بين الدولتين وترجو حكومتي أن يوافق سموكم على هذا العرض ويساعد في إنجازه “ .. ولم يستغرق الأمر أكثر من دقيقة واحدة ، حتى التفت لي الأمير وقال : “ أبلغ سعادة القائم بالأعمال شكري على حضوره وأن يعلم حكومته بأننا في العراق لسنا بحاجة للمساعدات المالية لإنجاز مشاريعنا العمرانية وقريباً ربما سيكون لدينا فائض نقرضه أو نساعد به الغير .. ولكن إذا كانت الحكومة الفرنسية تريد حقاً تحسين العلاقات معنا فإن الطريق لذلك هو أن تكف عن أعمالها العسكرية ضد أبناء الجزائر وتمنحهم حقهم بالحرية والاستقلال “ . ترجمت كلام الأمير للقائم بالأعمال وانتهت المقابلة حيث واصل الأمير طريقه إلى غرفة الاستراحة والتحقت به بعد أن ودعت القائم بالأعمال .

لقد سررت بهذا الموقف من جانب الأمير وقد جاء عفوياً صادقاً دونما تحضير ، وقد دهش له الأخوان المغاربة ، ولم يشاؤوا إذاعة الخبر ولم نصر نحن على ذلك حرصاً على واجبات الضيافة والعلاقات الطيبة بين البلدين .

والحادثة التالية تدل على إنسانية الأمير ودمائة خلقه وتسامحه وحبه للدعابة .

إعتاد أحد الوزراء السابقين أن يطلب مقابلة الأمير مرة كل أسبوع ولم أعلم أن الرجل من المطيلين في الحديث دون مراعاة الوقت . فلما قدّمت إسمه للأمير هز رأسه قليلاً قم قال ليكن موعده يوم الخميس حيث عدد الزائرين أقل . وحضر الرجل وكان على جانب كبير من الثقافة والإناقة ولكنه بعد دخوله مكتب الأمير بقي يتحدث أكثر من نصف ساعة . والوقت المتعارف عليه هو ربع ساعة فقط لكل زائر . وقد أربك هذا الأمر منهجنا وأحرجنا مع بقية الوافدين ، فشكوت الأمير من ذلك فأجابني (ماذا أعمل أنا لا أستطيع منع الرجل من الكلام وهو في ضيافتي . ولكن عندي رأي .. حدّدوا له موعد المقابلة في المرة القادمة في آخر ساعات الدوام لعلّ الجوع يدركه فيختصر الحديث ويوفر الوقت عليّ وعليكم) . وفعلاً قمنا بتطبيق الاقتراح وحددنا موعد زيارته التالية في آخر ساعات الدوام ودخل عند الأمير في تلك الساعة وظلت آمالنا معلقة بعصافير معدته ، غير أن تلك الآمال خابت وامتدت المقابلة إلى ما بعد ساعات العمل . ولما انتهت المقابلة سألت الأمير كيف حدث هذا ؟ قال (لا أدري ولكن يبدو لي أن الرجل قد استعد للأمر وتناول وجبة الغداء مبكراً قبل الحضور … فاستمر بالحديث ولم يشعر بجوعٍ ولا من يحزنون وأجركم عند الله ! (

رحم الله الأمير عبد الإله لقد كان نزيهاً عف اليد واللسان ، فلم يُعرف عنه الاشتراك في صفقات تجارية له أو لذويه أو تقاضي عمولات كما يفعل أكثر الحكام وما يزالون بل ، كان يرفض كل نوع منها . وعلى سبيل المثال عرضت إحدى الشركات الأجنبية تقديم هدية خاصة له من صنعها وهي طائرة مائية يمكنها الهبوط في الأنهار والبحيرات الصغيرة ومناطق الأهوار مما يسهل رحلات الأمير لمختلف أنحاء العراق ، ولكن الأمير علم أن تلك الشركات تسعى للحصول على مقاولة كبيرة من مجلس الإعمار فقرر رفض العرض وألقاه في سلة المهملات .

وظلت موارد الأمير محدودة براتبه الشهري رغم واجبات منصبه المتزايدة . وأذكر مرة تطرق الحديث فيها لهذا الموضوع في أوائل عام 1956م فقال أنه يعاني من ضائقة مالية هذه الأيام سببها أنه يدفع مرتبات شهرية لرئيس الخدم والطباخ وأعوانه نحو 400 دينار شهرياً وهم الآن يطلبون زيادة فيرتفع المبلغ إلى 500 دينار أو أكثر وسيضطره ذلك لتخفيض مصروفاته المعتادة ..

فسألته ولماذا لا تطلبون من الحكومة زيادة مرتبكم ؟ سكت ولم يجب على هذا السؤال .

أما قصر (رحاب) الذي كان يقيم فيه مع العائلة وقد انضم إليها الملك فيصل الثاني بعد وفاة والدته فكان بسيطاً بمبناه وأثاثه ، ولا يضاهي الكثير من بيوت الطبقة الموسرة في بغداد أو غيرها من مدن العراق .. ومن المعروف أن الأمير لم يخلف بعد استشهاده مالاً ولا عقاراً وكل ما تركه أربع سيارات قديمة من النوع الذي يستخدم في المراسيم الملكية وقد صادرتها الحكومة وبيعت بثمن بخس .

كان الأمير عبد الإله مخلصاً لوطنه مؤمناً بمستقبل العراق ودوره في خدمة أهداف الأمة العربية والإسلامية ، وبحيوية أبنائه وبما يملكه من ثروات طبيعية وموقع ممتاز ... وكان أميناً على حقوق الملك حريصاً على رعايته بوصفه رمز الدولة وضمان وحدتها .

ولكنه ، وللأسف لم يكن مدركاً لأبعاد الشر وفنون الكيد والوقعية عند الآخرين ، وقد تحمل الكثير من الإفتراءات والأراجيف في حياته وبعد استشهاده . لقد حجب خصومه كل ما عنده من حسنات ومزايا ، عن الناس ، وكالوا له من المساويء والاتهامات ، “ ما شاءت مكارمهم السمحاء من غير تطفيف ونقصان « .

مجلة ( الموسم )