إكتشاف ( الجنائن المعلقة ) والبعثة الآثارية الألمانية

إكتشاف ( الجنائن المعلقة ) والبعثة الآثارية الألمانية

علي طالب

مما لا شك فيه ان البعثة الأثرية التي تهم بحثنا هي بعثة الآثاري الالماني الأستاذ ربرت كولدوي، حيث في العام 1898 تأسست في برلين الجمعية الالمانية الشرقية بامر من القيصر (فيليهم الثاني) و كان من اول اعمال تلك البعثة هو ارسال بعثة اثارية للتنقيب في مدينة بابل و اختير المهندس روبرت كولدوي ليترأس هذه البعثة و كان من اهم اهداف تلك البعثة هو التوصل الى حقائق الاوجه المختلفة من تاريخ المدينة و خططها و ابرز معالمها المعمارية.

كان عمل كولدوي دقيقا و شاملا في ميادين التنقيب و التوثيق و التسجيل و الرسم و استطاع خلال المواسم التنقيبية التي امتدت من السنة 1899 الى السنة 1914 الكشف عن صفوف اللبن المشيدة بها جدران غالبية مباني المدينة الخالدة الا انه لم يتم الكشف الا عن مدينة بابل التي بناها الملك البابلي نبوخذنصر الثاني حوالي القرن السادس قبل الميلاد و لم تتمكن البعثة من الكشف عن بقايا مدينة بابل التي بناها الملك حمورابي الثاني بداية الالفية الثانية قبل الميلاد حيث ان سعة المدينة التي يحتاج الى تكاليف باهظة و عمل مجدي و وقت كبير للرفع النقاب عن هذه المدينة العظيمة ناهيك عن ارتفاع مناسيب المياه الجوفية الذي حال دون العمل في الطبقات السفلية للمدينة.

حمل كولدوي في نفسه حلم الكشف عن برج بابل المثير للجدل و جنائن بابل الاسطورية، و استطاع فعلا ان يكشف عن الكثير من معالم المدينة كالسور الخارجي، السور الداخلي، أساسات الـ(إيتينينامكي) (زقورة معبد إيساغيلا او ما يعرف ببرج بابل)، قصر نبوخذنصر و شارع الموكب الطويل المار بقلب المدينة.

و خلال التنقيب في الحصن الجنوبي عثر روبرت كولدوي على قبو و اربعة عشر غرفة كبيرة بأسقف مقوسة حجرية، و كانت النصوص التأريخية قد ذكرت وجود مبنين فقط في المدينة استخدمت الحجارة بدل الطين في هياكلها الاول هو الجدار الشمالي للحصن الشمالي، و الثاني هو الجنائن المعلقة. و كان الجدار الشمالي للحصن الشمالي قد تم العثور عليه مسبقا، هذا الاكتشاف و الاستنتاج جعل من المرجح ان يكون كولدوي قد اكتشف قبو الجنائن المعلقة.

اكمل كولدوي تنقيباته و اخذ يكشف عن الكثير من معالم الجنائن المعلقة التي ذكرها المؤرخ اليوناني دودوريوس، البناية غريبة التخطيط على هيئة مستطيل غير منتظم ينخفض في مستواه عن ارضية القصر الذي تكون هذه البناية جزءا منه و تتألف من حجرات صغيرة سعة الواحدة منها 2.2 عرض 3 متر طول مؤلفة من صفين على جانبي ممر ضيق كما توجد ممرات اخرى كما و احتوت احدى الحجرات الوسطى على بئر ذات ثلاث حفر الواحدة بجنب الاخرى فسرت على ان الماء كان يرفع منها بواسطة دولاب.

و في مطلع حديث كولدوي عن هذا المبنى الذي يقترح نسبته الى الجنائن المعلقة يرفق نصا يعود للملك نبوخذنصر الثاني يقول كولدوي انه يتحدث فيه عن الجنائن المعلقة جاء فيه:

« و لكي لا يحدث أي ضرر في تحصينات معبد (إيساغيلا) و بابل، أنشأت صرحا ضخما على النهر (خا – ال – زي – رابيتم – اينا – ناري). لقد رفعت أسسه التي أقيمت من الطابوق و القير في أعماق النهر. و جعلت أعاليه كجبال تكسوها غابة «.

و على الرغم من ان كولدوي كان مقتنعا من انه عثر على الجنائن المعلقة الا ان الكثير من الآثاريين المحدثين وضعوا هذا الإكتشاف موضع الشك، ترى لماذا؟ مالذي يعيب فرض كولدوي لمكان الجنائن المعلقة؟ .

رجح الاستاذ روبرت كولدوي احد الأبنية التي تم العثور عليها اثناء الاعمال التنقيبية في بابل لتكون الجنائن المعلقة و على الرغم من الدلائل التي اوردها كولدوي الا ان مجموعة من الآثاريين و قفوا بالضد من هذا الاقتراح و كان اعتراضهم ينحصر في النقاط التالية:

1- ان موقع البناء الذي يقترحه كولدوي لا يحقق الخصوصية التي تكتنف اجواء الجنائن المعلقة اذ انه يقع بالقرب من بوابة عشتار و شارع الموكب أي على مقربة من اماكن عامة في حين اتفقت اغلب المصادر التأريخية على انه يقع في قصر الملك.

2- ان موقع المبنى المقترح بعيد عن مجرى النهر الامر المتفق عليه في اكثر المصادر التأريخية اذا استخدمت الجنائن المعلقة ماء النهر المجاور لارواء نباتاتها كما اضاف قرب النهر لها رونقا طبيعيا.

3- ان جدار المبنى المقترح ليس بالسمك الكافي الذي يعطيه القدرة على حمل اشجار النخيل و السدر و غيرها ناهيك عن الماء و التراب.

4- ان مساحة المبنى المقترح و البالغة 41 x 40 م اصغر من ان تجعل للمبنى اهمية او ان يكون اعجوبة تستجلب الانتباه.

يرجح الآثاريين الى ان المبنى المقترح من قبل كولدوي ما هو الى مجموعة من المخازن التابعة للمدينة حيث هي عبارة عن حجرات تمتد على جانبي ممر ضيق بنيت بطريقة خاصة تحافظ على برودة حجراتها من حرارة الجو في الخارج.

طيب ان لم نعثر على الموقع الآثاري للجنائن المعلقة فهل هذا يعني انها لم تكن موجودة ؟ هل يعني هذا انها كانت في مكان آخر ؟ اين؟

في العام 1994 قدمت الآثارية البريطانية الدكتورة ستيفاني دالي بحثا بعنوان « نينوى، بابل، و الجنائن المعلقة، المصادر المسمارية و الكلاسيكية تنهي الخلاف حولها» صدر هذا البحث في مجلة (عراق) الصادرة عن المعهد البريطاني للآثار في العراق...... تقترح الدكتورة دالي ان الجنائن المعلقة لم تكن قط في بابل، بل انها فعلا وجدت في نينوى على بعد 300 كم من بابل و بنيت من قبل الملك الآشوري العظيم سنحاريب الذي سبق نبوخذنصر قرابة المائة عام ....

هل هذا ممكن؟ ما هي الدلائل التي استندت اليها لتعطي مثل هذا التصريح الخطير؟ و كيف سبق سنحاريب ارخميدس في تقنياته؟

لنتناول كل ذلك بشيء من التفصيل، تجيد ستيفاني دالي اللغة الأكدية و في اثناء تفحصها لموشور مسماري يعود للملك الآشوري سنحاريب (القرن الثامن قبل الميلاد) لفتها نصه الذي يتكلم الموشور عن امجاد الملك سنحاريب و يذكر روعة القصر الذي قام ببناءه الى درجة انه حتى بعد انهياره لازال يشد الناظرين اليه فيعطي وصفا كاملا له ........ و للحدائق التي شيدها الملك الى الجانب منه، تقول دالي « ان ما يصفه الملك لم يكن وصفا لحديقة عادية «.

عن موقع wix com: