نص عراقي نادر عن المس بيل

نص عراقي نادر عن المس بيل

يوسف رزق الله غنيمة

2ــ2

ولما نشبت الحرب العامة انتظمت الآنسة جرترود لثيان بل في جمعية الصليب الأحمر وقضت سنة في لندن؛ ثم سافرت إلى فرنسة. وفي شتاء ١٩١٥ هبطت مصر وانضوت إلى إدارة السياسة. وبقيت هناك حتى أواخر شباط ١٩١٦ فانتقلت إلى البصرة؛ وفي سنة ١٩١٧ انتقلت إلى بغداد بصحبة السربرسي كوكس.

إن حبها للعلوم ورحلاتها العديدة وتقلبها في المناصب السياسية بعثت فيها رغبة التأليف والكتابة فزاولتها ونجحت فيها نجاحا اكسبها شهرة بعيدة بين علماء الشرق والغرب؛ وقد ساعدتها معرفتها اللغات على الإجادة فيما كتبته؛ وقد خلفت من الكتب ما يأتي: (1.) الغامر والعامر (2.) من مراد إلى مراد )هذا الكتاب وصفت رحلتها من حلب إلى بغداد إلى قونية سنة ١٩٠٩ وصدرتها بمقدمة إلى اللورد كرومر؛ مع مصور للبلدان؛ فيه خطوط تدل على الطرق التي قطعتها 3 . (ألف بيعة وبيعة )كتبت هذا الكتاب باشتراك المستر رمزي 4.) الأخيضر وهو بحث مطول عن تاريخ قصر ترى أطلاله في العراق (5.) تركية آسية) كتبته في إبان الحرب في البصرة 6.) بيان عن الإدارة الملكية في العراق).

إن آثارها المذكورة تظهر نفسية الكاتبة فإنها تدقق النظر في رواية الأخبار وتنقلها بأمانة وإخلاص إلاَّ إذا التاث عليها الأمر في بعض المواضيع شأن كل الرحالين الإفرنج؛ يصدق هذا الكلام على بعض مرويات في كتابها من مراد إلى مراد أما من حيث مجموعها فأنها آثار خالدة ولا سيما كتابتها عن قصر الاخيضر وعن آثار سامرآء وأطلالها؛ وكل ما كتبته بعد الحرب العامة. وتمتاز كتابتها بدقة الوصف فان قلمها هناك بمثابة ريشة المصور أو النقاش تمثل لك الأشياء والوقائع تمثيلا رائقا كأنك أمام صورة أو أمام المشاهد أو الحوادث عينها. ولا تتعمد في تأليفاتها الخيال إلاَّ ما ندر. بل أنها تغوص على الحقيقة وبعد أن تظفر بها تخرجها وتعرضها على قرائها كما يعرض الغواص الدرة اليتيمة إذا عثر عليها.

السياسة

مهما بلغت من الشأو البعيد في الرحلات والتأليف فإنها لم تنل شهرة طبقت الخافقين عند الخاصة والعامة، إلاَّ بعد أن انخرطت في سلك السياسة. ولم تكد تأتي مصر سنة ١٩١٥ على ما مر بنا حتى أخذت شهرتها تسبقها إلى البلاد الشرقية؛ ثم زادت شهرة عند نزولها البصرة سنة ١٩١٦ واشتغالها بإدارة الحاكم الملكي؛ وعظمت منزلتها في بغداد بعد أن احتلتها جيوش البريطانيين؛ وبقيت تلك المنزلة في قمة المجد حتى يوم موتها.

وقد كان لها الكلمة الراجحة والرأي النافذ في جميع تطورات السياسة في العراق وكانت في دار الاعتماد (الكتوم الشرقية)؛ ثم تولت مديرية المتحفة العراقية فخرا. وتولت أيضاً مديرية خزانة السلام؛ وقامت بتشييد مستشفى للسيدات الموسرات جمعت قسما من نفقاته من العراقيين.

أما الخطة التي انتهجتها في سياستها في العراق فهي أنها سعت السعي المتواصل للتوفيق بين السيادة القومية العراقية واستقلال البلاد وبين مصالح بريطانية العظمى في هذا القطر. فهي بريطانية مخلصة لبلادها وصديق حميم للعرب والعراقيين. وكانت عليمة بتطورات القضية العربية منذ يوم نشأتها؛ إذ كانت تراقب سيرها قبل الحرب عن كثب وتجتمع بزعمائها عند مرورها بسورية وتحادثهم بقضيتهم التي كان يدور محورها يومئذ على الحكومة اللامركزية. وقد قالت لي يوما (إن لم يدر في خلدها آنئذ أن الأتراك ينكرون على العرب طلبهم حتى يتسع الخرق على الراقع وتخرج البلاد من حكمهم).

ولقد اعترضتها عراقيل كثيرة في نهجها السياسي من غلاة ساسة البريطانيين الذين اختلفوا في الرأي عنها في أوضاع إدارة العراق وسياسته إلا أنها انتصرت عليهم. ولما تقرر مصير العراق بتبوؤ جلالة الملك فيصل الأول عرشه وعقدت المعاهدة العراقية البريطانية في عهد الوزارة النقيبية واصدر جلالة الملك فيصل ذلك البلاغ التاريخي في ١٣ أوكتوبر ١٩٢٢ فاستبشرت به كل الاستبشار وأعربت عن سرورها في إحدى رسائلها الخالدة: فقالت ما تعريبه (إن هذا اليوم خير! أليس كذلك؟ فأني اذهب إلى أن بلاغ جلالته هو من أبدع ما ينادي به ملك شعبه وأعظمه تأثيرا فيهما).

وكانت شديدة الإعجاب بجلالة الملك فيصل إذ ترى فيه البطل المغوار الذي أعده الدهر وزينه بأصالة الرأي ليتولى عرش العراق وكانت ترى في شبان العراقيين عنصرا عليه قوام هذه المملكة الحديثة وهم رواد مستقبلها الباهر.

إن منزلتها العلمية والسياسية ووظيفتها في ديوان الحاكم الملكي العام؛ ثم في ديوان المعتمد السامي ونفوذها الأدبي والسياسي اكسبها شهرة بعيدة وأصدقاء كثيرين من جميع الطبقات. ولذا تسمع الأعراب والبدو يدعونها (كوكسة) ظنا منهم أن كوكس اسم وظيفة وكوكسة مؤنثها الحاكمة)، أما لقب (الخاتون) فكاد يحل محل اسمها؛ وكان يقصدها العراقيون من كل الطبقات لقضاء حاجات لهم أو الأخذ برأيها في صعاب الأمور وحل المشكلات.

وقد بذلت أقصى الجهد في تأسيس المتحفة العراقية وتنظيمها وكانت حتى آخر يوم من حياتها قد صرفت معظم وقتها في ترتيب العاديات والآثار القديمة في دارها الجديدة.

وفي أبان همتها داهمتها المنية غيلة فأصبحت يوم الاثنين ١٢ تموز ١٩٢٦ جثة هامدة؛ ونعتها مديرية المطبوعات بإذاعة رسمية جاء فيها: إن هذه المديرية تذيع هذا النبأ المحزن بمنتهى الأسف نظرا لما للمس المرحومة من الأعمال الباهرة والمساعدات الثمينة في سبيل خدمة العراق؛ ولقد فقد هذا القطر بموتها يدا كبيرة عاملة وصديقة له) وبمثل ذلك نعتها كتومية (سكرتيرية رئاسة الوزراءوكان موكب دفنها فخما اشترك فيه ممثلو الملوك والأمراء والوزراء ونواب الأمة وأعيانها؛ حتى ردد بعضهم ببيت المتنبي القائل:

مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال.

ولا عجب أن جاء في كتاب المعتمد السامي إلى رئيس وزراء الحكومة العراقية ما يأتي: أني متأكد أن المس بل لو تمكنت من رؤية ما كان البارحة من مظاهر الحزن والحنو عليها لشعرت بذاتها أنها كوفئت مكافأة تامة على ما قامت به طيلة السنوات العشر التي قضتها في العراق في الجهاد والتجرد للعمل ونكران الذات. . . وأن نسعى ما أمكن إلى الغاية التي كانت دائما نصب عينيها إلا وهي أيجاد أمة قوية منورة مفلحة في العراق.

وكان جواب رئيس الوزراء على هذا الكتاب اصدق صورة لما يعتقده فيها العراقيون الخلص الذين اطلعوا على سرائر سياستها في العراق وما كانت تبتغيه له من الرقي والنجاح وما بذلته من الجهود لاستتباب وضعه السياسي.

وأكبر شاهد على منزلتها ما جاء في كتاب التعزية الذي بعث به جلالة ملك بريطانية وملكتها إلى والدة الفقيدة إذ جاء فيه: (أن الأمة البريطانية ستلبس الحداد وتحزن على فقدها سيدة قامت بفضل قواها العقلية ومواهب إدراكها وقوة أخلاقها العالية وشجاعتها الأدبية بخدمات مهمة نافعة لبلادها نفعا يأمل أن يبقى أثره خالدا في بلادها والبلاد التي اشتغلت فيها بمنتهى الإخلاص والتضحية.

مجلة لغة العرب 1 ايلول 1926