فؤاد المهندس «أستاذ البهجة والضحك»

فؤاد المهندس «أستاذ البهجة والضحك»

محمد السرساوي

تعتمد أغلب أفلام الفنان الكبير الراحل فؤاد المهندس» الشهير بـ«الأستاذ» على صيغة الشخص الذى يخرج من مشكلة صغيرة، ليقع فى مشكلة كبيرة، نرى ذلك فى أفلام: «اعترافات زوج»، «سفاح النساء» و«أنت اللى قتلت بابايا».

وينظر الناقد د.وليد الخشاب إلى تجربة «المهندس» الفنية من زاوية أخرى، وهذا ما أوضحه فى كتابه «مهندس البهجة- فؤاد المهندس ولاوعى السينما» -الصادر عن المرايا للنشر- حيث يرى أن الفنان الكبير الراحل كانت أعماله تعبر عن فترة الستينيات المصرية، متوافقة مع المزاج العام لدى الجمهور الجديد، والذى صنعته التحديثات الناصرية.

وكان قطاع كبير من هذا الجمهور، من أصول ريفية أو صعيدية، قدموا حديثًا إلى المدينة، حيث أن مئات الآلاف نزحوا من الدلتا والصعيد فى موجات متتالية- طيلة الستينيات بالذات- نحو القاهرة والإسكندرية طلبًا للعمل فى المصانع، والشركات، والمصالح الحكومية التى أنشأتها الدولة آنذاك.

وقد احتفظ هذا الجمهور فى ذاكرته القريبة بنماذج التسلية الشعبية فى الشوارع التى كانت تعرض له فى القرى والمدن الصغيرة، ولما وجد هؤلاء أنفسهم فى المدينة، استحب «خلطة فكاهية» تجمع بين الحداثة اللائقة بمدينة ناصرية فى دولة التحرر الوطنى، فى وسيط ترفيهى حديث، وهو السينما، وتقاليد «الفرجة» الشعبية، والترفيه الذى ألفه فى المجتمعات خارج المدن الكبرى، ومراكز التحديث.

ولهذا جاء أداء «المهندس» كتوليفة مناسبة لهذا الجمهور تجمع بين حداثة مستوردة من الغرب يتفق معها نوع كوميديا المواقف الراقية التى يؤديها الفنان «الكوميديان»، وبين تقاليد البهلوان-بالمعنى الإيجابى المحترم للكلمة-أى الأداء «الكوميدى» الترويحى الذى يعتمد على الأداء الجسدى، المتوافق مع التسلية الفكاهية الشعبية، ويذكر المؤلف سبب اهتمامه بأعمال «المهندس» قائلا: يثير مسار «فؤاد المهندس» اهتمامى كباحث لأننا كثيرًا ما لا نأخذ «الكوميديا» مأخذ الجد، بينما دراسة إنتاج «المهندس» على نحو جاد تكشف لنا الكثير عن تطورات المجتمع العربى الحديث فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وميلاد الدولة الوطنية.

«فؤاد المهندس» كشخصية سينمائية ومسرحية تجسيد للفئات الاجتماعية التى تنامى صعودها للطبقة الوسطى، أو لشرائح أعلى فى إطار تلك الطبقة، أو التى تنامت، وتزايد أبناؤها بفضل سياسات التحديث المركزية التى انتهجتها الدولة فى مصر، ويرى «د. وليد الخشاب» أن أفلام «فؤاد المهندس»،تتضمن حضوراً قوياً لصيغة القرين، لكن بتناول« كوميدى»، يمكن فهمه أيضًا على أنه تأمل فكاهى فى التأرجح بين التغريب والتشويق.

فكثيرا ما يجسد «فؤاد المهندس» فى هذه الأفلام شخصيتين: الأولى شخصية المصرى البسيط المستقيم سليم النية، والثانية شخصية غربية، مثل «إكس» زعيم العصابة، أو «ماكس» المجرم الأمريكي.

إلا أن «كوميديا» القرين تأخذ أيضًا منحى أكثر أخلاقية فى توظيفها لقصة الشبيه، أو التوأم، فكثيرا ما جسد «فؤاد المهندس» بجسمه فكرة وجهى العملة الأخلاقية الطيب البسيط - الشرير المتعجرف، وهذه «القطبية الثنائية» ترسم مخطط الخطاب الأخلاقى للفيلم الذى يدعم الإنسان الطيب البسيط.

لكنها تساهم أيضًا فى البناء الكوميدى لأنها مولد أساسى للمواقف المضحكة الناجمة عن سوء التفاهم، وينظر المؤلف إلى «المهندس» على أنه ليس مجرد مهرج بالمعنى السلبى للكلمة، بل «بهلوان» بالمعنى الاحترافى المبهر، راقص بمعنى ما.. مغن أداؤه سليم.. ورياضى فى لياقته.. وأنيق فى تمثيله، ويعتبر «المهندس» «الكوميديان» الذى عبر عن فترة الستينيات من خلال أفلامه ومسرحياته.

عن اخبار اليوم المصرية