فؤاد المهندس: ثلاثة رجال في رجل

فؤاد المهندس: ثلاثة رجال في رجل

أسامة الغزولي

لم يتأخر كثيرا عن زميله الكبير، فبعد اسابيع قليلة من رحيل هذا الزميل الكبير رحل فؤاد المهندس عن دنيانا وكأنه مرة اخرى يحاول اللحاق بعبدالمنعم مدبولي.

الفنان فؤاد المهندس الذي توفي عن 82 عاما يملك موهبة تأثرت تأثرا واضحا بثلاثة رجال: والده اللغوي عضو مجمع الخالدين، مجمع اللغة العربية زكي المهندس وزميله الكبير عبدالمنعم مدبولي والممثل الكوميدي الاميركي اليهودي جيري لويس.

صوت فؤاد المهندس هو صوت خطيب مفوه يستخدم كل ما في رئتيه من هواء عندما ينطق ولو بأبسط كلمة، ولو كان يطلب كوب ماء، يستجدي من محبوبته نظرة عطف ولو كان يعتذر لطفل صغير عن خطأ غير مقصود.

الاصل عند فؤاد المهندس هو ان يكون الصوت مجلجلا والنطق واضحا ومخارج الحروف سليمة، وان يكون الرأس مرفوعا والساعد ممتدا بقوة ليشير بإصبع الاتهام او ليتوعد او ليتوسل او ليضرب الممثلين والممثلات من حوله.

في هذا كله، نجد انسانا خلق ليكون خطيبا، فهو ابن لغوي بارز وشقيق اذاعية رائدة هي صفية المهندس.

والويل كل الويل لمن يخطئ في نطق كلمة عربية او انكليزية وهو يتحدث الى فؤاد المهندس.

وقد استفاد عبدالمنعم مدبولي من هذا الاستعداد الفطري عند فؤاد المهندس فضمه الى الفريق الذي شكل منه مجموعة ‘ساعة لقلبك’ على موجات الاذاعة المصرية مطالع الخمسينات ومن ساعة لقلبك خرج اعظم نجوم الكوميديا في عصر اسماعيل ياسين الذي امتد الى نهاية الستينات ومطالع السبعينات.

الإنجاز الأكبر

احيانا يكون انجازك الاكبر ان تثبت وجودك في فترة يهيمن عليها عبقري ناجح، او فنان ذو شهرة كاسحة، والناقد كمال النجمي كان يقول دائما ان اكبر انجاز لفريد الاطرش انه حقق نجاحا كبيرا في زمن ام كلثوم وعبدالوهاب.

اضواء ام كلثوم لا تكشف نور شعلة عبدالوهاب واضواء عبدالوهاب لا تكشف شمس ام كلثوم.

ويستطيع كل منهما ان يتألق في ذروة تألق الآخر. اما ان يتألق فريد الاطرش في زمن هذين القطبين فهذا انجاز، في رأي النجمي.

وتستطيع ان تقول شيئا مشابها عن مجموعة ساعة لقلبك التي انتمى اليها فؤاد المهندس فإنجازها الاكبر انها ظلت حية في قلوب الناس طوال زمن اسماعيل ياسين.

قد يتعجب بعض ابناء هذا الجيل اذا قلنا لهم ان اسماعيل ياسين كان مضحكا. لكنه منذ الاربعينات وحتى نهاية الستينات كان اسماعيل ياسين هو الضحك. او كان شمس الكوميديا التي تدور حولها الكواكب الضاحكة: عبدالسلام النابلسي، عبدالفتاح القصري، حسن فائق وزينات صدقي.

وعلى رغم صمود مجموعة ‘ساعة لقلبك’، فقد اضطرهم نجاح اسماعيل ياسين الكاسح الى ان يبقوا مجرد ظاهرة فنية اذاعية حتى افل نجمه مع نهاية الستينات.

ولم يكن الراديو وسيلة اعلامية هامشية، فقد كان راديو القاهرة، بالذات، قوة اقليمية جبارة في حضور جمال عبدالناصر ووراءه جيش من المغنين والموسيقيين والمتحدثين الاذاعيين ومقدمي البرامج الفكاهية والغنائية الجذابة.

ولهذا السبب فإن ظهور فؤاد المهندس في دور البطولة في فيلم بنت الجيران عام 1954 كان مبادرة سابقة لاوانها، فلم يكن ذلك هو التوقيت الذي يضمن له الاستمرار، على رغم انه ظهر امام معبودة الجماهير شادية التي كان المنتجون يعطونها البطولة امام اي وجه جديد لتضمن له الرواج او لتفتح له قلوب الجماهير.

وقد جاء ظهورها امام فؤاد المهندس بعد فترة وجيزة من ظهورها امام عبدالحليم حافظ في فيلمه الاول ‘لحن الوفاء’ الذي حقق به نجاحا متواصلا الى ما بعد وفاته بثلاثين عاما الى يومنا هذا.

لكن التعويذة لم تجد مع فؤاد المهندس وبقي نجاحه محصورا في ‘ساعة لقلبك’، وقد سمعت عبدالحليم حافظ وهو يغني لاول مرة في احدى حلقات ‘ساعة لقلبك’، وتعجبت عندما صفق له جمهور حضر التسجيل وتساءلت: كيف يصفقون لهذا المجهول حتى قبل ان يغني؟

في فيلم ‘بنت الجيران’ كان المهندس لا يزال في مرحلة شاري شابلن الذي تأثر به عدد كبير من كوميديانات مصر ممن جاؤوا بعد نجيب الريحاني.

وكان اداؤه ذكيا ونشيطا وخاليا من الحرارة العاطفية.

وقد ظل المهندس بعد هذا الدور يطل علينا من خلال ادوار ثانوية في افلام مثل ‘بين الاطلال’ الذي قدمه المخرج عز الدين ذو الفقار مقتبسا من رواية يوسف السباعي نهاية الخمسينات وكان ميلودراما كئيبة حققت نجاحا تجاريا كبيرا بفضل قدرة بطلته فاتن حمامة (الزوجة السابقة لعز الدين ذو الفقار)، على ان تستدر دموعنا نحن تلاميذ المدارس واباءنا وامهاتنا الذين كانوا عاطفيين ربما بالمستوى نفسه من السذاجة.

وكان اداء فؤاد المهندس في المشاهد القليلة التي ظهر فيها في هذا الفيلم واحة مرح وسط صحراء الحزن القاحل والقاتم التي امتدت طوال احداث هذا الفيلم، الذي تميزت مشاهده بالظلال الداكنة والثقيلة، مثل معظم أفلام عز الدين ذو الفقار.

وقد ظهر فؤاد المهندس أيضا مع المخرج ذاته والنجمة ذاتها في فيلم آخر، في الفترة ذاتها، اسمه ‘نهر الحب’ وهو معالجة شديدة السطحية والبلاهة لواحدة من أعظم الروايات في تاريخ الأدب العالمي وهي ‘آنا كارنينا’ التي كتبها ليو تولستوي.

في هذا الفيلم الغارق في الظلال الداكنة ايضا، كان حضور فؤاد المهندس ومضات مرح وفرح موزعة بين اجزاء الفيلم.

موعد مع البطولة

لكن المهندس كان على موعد مع البطولة عندما قرر أحد قيادات حكومة يوليو، وهو وزير الارشاد القومي (الإعلام) أيامها عبدالقادر حاتم ان ينشئ عشر فرق مسرحية ففتح المجال واسعا أمام اصحاب المواهب الكوميدية الكبيرة أمثال عبدالمنعم مدبولي وفؤاد المهندس ومحمد عوض وأمين الهنيدي.

وقدم المهندس مسرحية ‘أنا وهو وهي’ وشاركته البطولة النجمة التي اقترن بها، كزوجة ثانية، فشاركته حياته الزوجية ومجده الفني وهي الفنانة شويكار.

أحدثت هذه المسرحية زلزالا في الوسط الفني، كان نجاحها هائلا ومدويا. لكن عنصر النجاح الصاعق فيها لم يكن فقط موهبة فؤاد الكوميدية الناصعة ولا موهبة شويكار الكوميدية الطالعة بل كان هناك شيء آخر وراء هاتين الموهبتين يكهرب الجو ويكسب الآراء توهجا شديدا.

ففي معظم مشاهد المسرحية كان فؤاد وشويكار وحدهما يملآن الخشبة ويملآن أعين الناس وأسماعهم وقلوبهم. وقد شكلا ثنائيا حسيا قويا. فؤاد برجولته الواضحة في حركاته التي تنم عن القوة البدنية حتى وهو يؤدي حركات البلياتشو أو المهرج الساذج، وشويكار بأنوثتها الطاغية الفواحة.

لم تكن حسية خافتة هامسة. فقد كانت رجولة فؤاد مجلجلة صاهلة وكانت أنوثة شويكار تبرق وترعد وتفور، وكل ذلك في إطار أنيق للغاية وفكاهي الى أبعد مدى وهكذا ولد الثنائي الناجح الأول بعد ثنائي ليل مراد وأنور وجدي. حاول عماد حمدي وشادية وحاول كمال الشناوي وشادية وحاول عماد حمدي وفاتن حمامة وحاولت فاتن حمامة مع أكثر من ممثل وحاول المخرجون والمنتجون من خلال هؤلاء جميعا أن يعيدوا أسطورة الثنائي الناجح ولم يفلحوا.

المحاولات فشلت لأنها كانت تعود الى المنبع نفسه الذي نهل منه أنور وجدي وليل مراد، منبع الرومانسية الشجية ذات الطابع الغنائي.

فلما جاء ثنائي فؤاد المهندس وشويكار حسيا فكاهيا لا يخلو من فجاجة في الحركات والإشارات انطلقت الارواح من سجنها وعبرت الرغبات عن حقيقتها: لقد انتهى زمن الدانتيلا بسقوط الارستقراطية التركية والبورجوازية الأوروبية والمتأوربة من فوق قمم الحكم. والان يحكم البلاد جنرالات يأكلون سندويتشات الفول في القصور الملكية.

زمن الشعب

ما دمنا في زمن الشعب فاعطونا كوميديا الشعب، واغنيات الشعب، ولغة الشعب. وهموم الشعب، واختاروا لهذا كله ما تشاؤون من القوالب الفنية وقد قدم المهندس الطبقة المتوسطة الصغرى الطامحة إلى الصعود، في تلك الفترة، بكل نجاح.

وفي اداء فؤاد المهندس المسرحي كان تلميذا نجيبا لعبدالمنعم مدبولي المؤلف والمخرج والممثل. كان نجيبا بمعنى انه لم يقلد لكنه أخذ عن استاذه وأضاف الكثير ولم يمنعه التطور من أن يبقى صديقا وشريكا للاستاذ. ولم يمنعه النجاح والصعود المتصل من الحفاظ على صداقة العمر.

واهم ما اضاف فؤاد المهندس الى ما تعلمه من عبدالمنعم مدبولي كان تأثره بحركات جيري لويس نجم الكوميديا الاميركي في الخمسينات والستينات الذي قدم افلاما مثل ‘فتاة الغيشا’ و’عبيط الفرقة’، وشكل مع ايني مارتن ثنائيا سينمائيا حققا نجاحا بداية الستينات.

ومن البطولة المسرحية اخذ فؤاد المهندس دورا ثانويا كبيرا مع احمد رمزي في فيلم عائلة زيزي، يمكن ان يقال ان دور فؤاد كان بطولة ثانية بجوار احمد رمزي، فالسيناريو لم يعط احدهما اكثر من الآخر لكن نجومية رمزي كانت لا تزال كاسحة، على رغم ان هذا الفيلم هو آخر امجاده.

ويقال ان الموزع اللبناني للفيلم هو الذي فرض احمد رمزي على المخرج لان اسمه يحقق رواجا باعتباره نجم شباك في العالم العربي. وتكررت ادوار البطولة التي ظهر فيها فؤاد المهندس مع زوجته شويكار على المسرح وعلى شاشة السينما. لكن أعذب فيلم فاز ببطولته كان ذلك الذي يظهر امام سعاد حسني وهو ‘جناب السفير›.

واشتد تألق فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولي بعد نكسة يونيو 1967 واعتبر نقاد كثيرون منهم الدكتور لويس عوض ان صعودهما تعبير عن فكر الهزيمة وفن الهزيمة الذي هو تهريج رخيص لأنه بلا معنى وبلا رسالة.

لكن عبدالمنعم مدبولي الذي يعبر عن نفسه وعن فؤاد المهندس باعتباره المنظر لمدرسة ‘المدبوليزم’ التي ينتمي اليها الاثنان قال ان الضحك للضحك ليس عيبا. فالضحك وظيفة اساسية لا تستقيم الحياة من دونها. ولا يكون الضحك رخيصا اذا خلا من الهدف التعليمي.

لكن الاعتراضات التي ابداها بعض النقاد لم تعط مسيرة فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولي التي تواصلت حتى بدأت شمس الفترة التي ينتميان اليها تميل الى الغروب.

كان ذلك من خلال مجموعة من الممثلين الذين كانوا شبانا ايامها وهم عادل امام وسعيد صالح ويونس شلبي وآخرون. ظهر هؤلاء امام عبدالمنعم مدبولي في مسرحية ‘مدرسة المشاغبين’ عندما كان يؤدي دور ناظر المدرسة. لكنه سرعان ما ترك الدور ليؤديه حسن مصطفى فقد احس مدبولي وهو يقف وسط هؤلاء الشباب انه يقف خارج عصره.

واستمر المهندس يقدم اعماله المسرحية، بدرجة اقل من البريق. فقدم ‘انها حقا عائلة محترمة’ و’سك على بناتك’ اما في السينما فبدأ يقدم ادوارا ثانوية.

ولعل اجمل دور ثانوي قدمه فؤاد المهندس في شيخوخته كان في فيلم ‘البيه البواب’ مع احمد زكي.

وكما بدأ في الاذاعة انتهى في الاذاعة عبر برنامج استمر حتى فقد قدرته على العطاء وهو ‘كلمتين وبس’ ولم يكن هنا ممثلا كوميديا، كما كان طوال حياته، بل كان خطيبا اذاعيا مفوها يعتلي موجات الاثير ليصرخ بهموم الناس البسطاء ويدافع عمن لا صوت لهم.

وفي سنواته الاخيرة وبعد ان انفصل عن شويكار بالطلاق اشترى فؤاد المهندس سريرا يقال انه كان سرير خديو مصر اسماعيل باشا، وهو ما يعكس ميلا الى العظمة تراه واضحا في حركات هذا الرجل وفي نبرات صوته.

وقبل ان يموت بأسابيع شب حريق في مسكنه فأخذ كل الاثاث والمقتنيات، كأن الزمن يمحو، بكل قسوة، كل اثر لهذا الرجل قبل ان يرحل، الا فنه.

عن القدس العربي