فؤاد المهندس نجم كوميديا الاستقلال والتحرر والبهجة

فؤاد المهندس نجم كوميديا الاستقلال والتحرر والبهجة

شريف صالح

يحلل الكاتب والأكاديمي وليد الخشاب في كتابه “مهندس البهجة”، تجربة الفنان الراحل فؤاد المهندس في سياقها الاجتماعي والتاريخي والسياسي. فالخشاب، الأستاذ في جامعة يورك في كندا، لا ينظر إلى “الكوميديا” بخفة وابتذال، لأنه يدرك خطورة تأثيرها في الملايين.

كما لا يخفي تأثره بأفلام المهندس عندما كان يذهب في طفولته لمشاهدتها في صالات السينما. وعلى رغم بزوغ نجم المهندس مع أفول ظاهرة إسماعيل يس، ينحاز الخشاب له أكثر لطبيعة الكوميديا التي قدمها، ويعتبره “تلميذاً” لشارلي شابلن، وليس للريحاني كما يزعم البعض.

ينقسم الكتاب الصادر عن دار المرايا في القاهرة إلى أربعة فصول تقرأ كوميديا المهندس كمنتج ثقافي، كان له تأثيره الاجتماعي، وتوجيهاته السياسية، الصريحة والمضمرة. لا يخوض الكاتب في السيرة الشخصية للمهندس إلا بقدر ما يخدم أفكاره وتأويلاته. ففي المقدمة يتحدث عن تاريخ الكوميديا الوطنية، باعتبارها مسألة جادة لا يمكن فهم المجتمع والتاريخ السياسي إلا من خلالها.

يركز الخشاب في الفصل الأول على مفهوم “هندسة المجتمع” عبر الكوميديا، فمع قيام ثورة يوليو اهتمت الدولة بإنتاج الكوميديا كظاهرة اجتماعية قومية ضمن مسؤولياتها في الإنتاج بشكل عام، “من الإبرة إلى الصاروخ” وفق الدعاية الناصرية. وهكذا سطعت نجومية المهندس ضمن كوميديا القطاع العام، بدءاً من البرنامج الإذاعي “ساعة لقلبك” الذي انطلق عام 1954 واستمر لسنوات، وكانت فكرته لأحمد طاهر العائد من إذاعة الـ”بي بي سي” في لندن. وكان الهدف تعزيز صورة الطبقة الوسطى الصاعدة آنذاك، التي تضم موظفين وأطباء ومهندسين. واعتمدت ملامحه الأساسية على “الفودفيل” الكوميدي الذي يدور حول العلاقات العاطفية والزوجية والاحتكاك الحديث بالمدينة الكبيرة. واشتهر المهندس بشخصية “محمود” الذي يعاني زوجته (خيرية أحمد). وعبرت اسكتشات البرنامج عن المتع التي وفرها العصر الناصري لهذه الطبقة مثل الذهاب إلى المصيف، واستخدام معجون الأسنان.

ويرى الخشاب أن “الفودفيل” الذي قدمه المهندس في البرنامج، ثم في أفلامه ومسرحه، يعبر عن أيديولوجيا الطبقة الوسطى آنذاك، حيث المرح والغناء والتحرر النسبي والتسلية والعلاقات العاطفية القائمة على سوء التفاهم. فكان ما يقدمه بمثابة وعود لكل من يصعد إلى تلك الطبقة الوسطى التي توسعت السلطة في توظيفها وبناء المدن لها. ومن أشهر أمثلة “الفودفيل” مسرحية “أنا وهو وهي” من إخراج عبدالمنعم مدبولي، التي قدمها للسينما أيضاً من إخراج فطين عبدالوهاب، حيث تتجرأ البطلة شويكار بقضاء ليلة في غرفة المهندس بالفندق، بينما هناك رجل آخر يبحث عن زوجته الخائنة، إلى أن يتضح في النهاية أن هناك سوء فهم. ليقدم العمل تحريضاً على المغامرة والتحرر، وفي النهاية يطمئن المتفرج أنه لم يحدث تجاوز للتقاليد. كذلك في فيلم “اعترافات زوج” يعاني المهندس من حبه لجارته ويستمتع بمغامراته معها، ثم يتبين أنه كان “يحلم»!

وعلى رغم الطابع البوليسي لثلاثة من أشهر أفلامه “شنبو في المصيدة”، و”أخطر رجل في العالم” و”العتبة جزاز”، لكنها حاملة لأيديولوجيا الفودفيل المرتبطة بصعود الطبقة الوسطى، والمتع التي توفرها الدولة الحديثة، وارتباط صعود المهندس بتعاونه مع الشرطة للإيقاع بالأشرار.

يلاحظ الخشاب أن المهندس انتقل مع صعود نجوميته من “الفودفيل”، إلى “الفارس” أي التهريج، مشيراً إلى شراكته مع عبدالمنعم مدبولي الذي أخرج له عديداً من المسرحيات، إلى جانب مشاركته التمثيل. فكان وجود مدبولي علامة على زيادة جرعة “الفارس”. وعندما سئل عن أهم أعماله اختار: “عائلة زيزي”، و”أرض النفاق”، و”صاحب الجلالة” و”جناب السفير”، ومعظمها من إخراج فطين عبدالوهاب، ولا يلعب فيها جميعاً دور البطل الأول، لكنها بعيدة نسبياً عن “التهريج” وهي التهمة التي ألصقها النقاد به، خصوصاً في أفلامه الكثيرة مع شويكار.

ويكتمل الدور الوطني للمهندس بتقديمه برنامجه الإذاعي الشهير “كلمتين وبس” بين عامي 1968 و2016، أي قرابة 50 عاماً كان يقدم بصوته مونولوغات اجتماعية نقدية معبرة عن تصورات الدولة. وانطلقت فكرته عقب النكسة، من منطلق توجيه بعض النقد للبيروقراطية المصرية والفساد والجشع، من دون أن يمس ذلك رموز الحكم. مع تراجع مكانته السينمائية أواخر السبعينيات، اهتم المهندس أكثر بعروضه المسرحية، إضافة إلى حضوره التلفزيوني المميز سواء عبر مسلسلات مثل “متاعب المهنة” و”عيون” أو سلسلة “فوازير عمو فؤاد”. وهكذا لعب المهندس طيلة نصف قرن دوراً مؤثراً في هندسة المجتمع المصري، وربما العربي، عبر الكوميديا.

مأساة الازدواج

تشتغل أعمال كوميدية كثيرة على فكرة القرين، والفصام، والتوأم، كما في أعمال الريحاني وإسماعيل يس، ويتكرر ذلك كثيراً في أفلام المهندس. وأهم ما يستنتجه الخشاب من المفارقة الكوميدية في لعبة «القرين» أن «الطيب» غالباً هو الموظف المصري، أما الشبيه الشرير مثل «مستر إكس» فهو أميركي أو أجنبي، كما يربط ذلك بوعي الناس آنذاك بازدواجية الحقبة الناصرية، حيث شعارات المساواة والمواطنة ومحاربة الفساد، مقابل الممارسات القمعية وتخلق طبقة تتمتع بامتيازات خاصة.

ويصل إلى أن لعبة القرين التي جسدها المهندس، تعكس أيضاً لعبة القرين في إدارة السلطة آنذاك بين عبدالناصر وعبدالحكيم عامر. ففي أحد أعياد الثورة قدم المهندس اسكتشاً لرجل يخطط لمعركة ضد العدو، فقال عبدالناصر لوزيره عبدالحكيم عامر “اطلبوا المساعدة من المهندس ما دام يفهم في الحرب”، ولا يخفى هنا أنها مزحة لا تخلو من غمز.

يرتكز تحليل الخشاب دائماً على استكشاف المضمر بين رحلة المهندس مع الكوميديا، والمرحلة الناصرية التي ازدهر فيها. فكان معبراً عن “لا وعي” هذه المرحلة، وليس فقط عن رسائلها المباشرة. يظهر ذلك في تيمتين أساسيتين: الأولى هي كوميديا الأكشن والجريمة التي تعبر عن الشعور بالدولة البوليسية، ووقوع جرائم يصعب الإقرار بمرتكبها. والثانية تتعلق بمفهوم موت أو قتل الأب كمعادل لموت الزعيم نفسه. وغالباً ما يكون هذا الأب الغائب هو والد شويكار.

ويتحدث عن الدور المهم الذي لعبه المهندس عقب النكسة للتسرية عن الشعب، وتعزيته بالضحك. ويربط ذلك بمفهوم “اللاوعي السينمائي” أي الزلات الفيلمية، أو ما يمكن أن يمر من دون قصد من المؤلف والمخرج كأنه زلة فيلمية قابلة لتأويل مختلف، مستلهماً مفهوم والتر بنيامين عن “اللاوعي البصري”. فمثلاً فيلم “أنت اللي قتلت بابايا” رغم عرضه بعد أسابيع قليلة من وفاة عبدالناصر، لكن الانتهاء منه كان قطعاً قبل وفاته، وكأنه نبوءة أو تعبير عن اللاوعي بتوقع موت الزعيم.

يختم الخشاب كتابه بفصل كامل عن الاقتباس. فمعظم الإنتاج الكوميدي المصري كان قائماً على الاقتباس الصريح المعلن أو المضمر.

في الثقافة العربية يأخذ الإنسان قبساً من نار موجودة بالفعل، كما ارتبط الاقتباس بالتنوير والتحديث والاستفادة من الغرب، ويقسمه الخشاب إلى اقتباس جزئي بأخذ عنصر معين أو كلي بإعادة تقديم عمل كامل أو مركب بالاقتباس من أكثر من مصدر. فمثلاً فيلم “مطاردة غرامية” مقتبس كلياً من المسرحية الفرنسية “بوينغ بوينغ” والفيلم الأميركي المأخوذ عنها، لكن تفصيلة الطبيب النفسي الذي يعالج الرجل الوسيم الذي تقع في غرامه النساء، مأخوذة من الفيلم الأميركي “ما الأخبار يا حلوة؟” وشخصية الخادم الذي لا يخدم إلا العزاب، التي جسدها حسن مصطفى، مأخوذة من فيلم “كيف تقتل زوجتك وتنجو بفعلتك؟”. أما مسرحية “أنا وهو وهي” فمأخوذة عن المسرحية الإنجليزية “نصيحة المحامي” والفيلم المأخوذ عنها “طلاق السيدة س”، بينما “حواء الساعة 12” عن المسرحية الإنجليزية “روح المرح”، و”سيدتي الجميلة” عن “بيجماليون” لبرناردو شو.

المفارقة أن المهندس الذي مثل كوميديا الاستقلال والتحرر الوطني، لجأ في معظم اقتباساته إلى نصوص إنجليزية أي من دولة المستعمر! يضاف إلى ذلك أنه كان في أناقته وأدائه الحركي تلميذاً وفياً لشارلي شابلن الإنجليزي! فهل رغب المهندس في لا وعيه الفني، أن يتفوق على شابلن ولورانس أوليفييه مثلما رغب عبدالناصر دائماً في تحدي الإنجليز في حلبة السياسة؟

عن الاندبندنت عربية