ثورة 14 تموز وحقوق العراق النفطية

ثورة 14 تموز وحقوق العراق النفطية

د. غصون مزهر حسين

لاشك إن الحكومات العراقية التي تسلمت زمام الحكم والمسؤولية منذ عام 1921 لغاية ثورة 14 تموز 1958 كانت أداة طيعة بيد شركات النفط العاملة في العراق ، وأن حقوق الشعب العراقي في نفطه قد بيعت بيع السماح ، وبعد ثورة 14 تموز اتخذ العراق سياسة نفطية جديدة أهم سماتها صلابة الموقف والتأكيد على حقوق العراق وتعديل اتفاقية عام 1952 .

ويمكن القول إن المطالبة بتعديل هذه الاتفاقية قد بدأ عندما نسف– خلال أزمة السويس عام 1956 – خط الأنابيب المار عبر سوريا ، حيث نقص شحن النفط العراقي ونقصت تبعاً لذلك واردات العراق من النفط واصبح البلد بحاجة ماسة إلى المال ، وبما أن شركة نفط العراق يملك البريطانيون معظمها ، وكل موظفيها من البريطانيين ، فأن شعوراً من العداء لبريطانيا اكتسح العراق إثر العدوان ألا نجلو – فرنسي على مصر

ولم تعد اتفاقية المشاركة (المناصفة) تلائم الواقع العراقي فأخذ العراقيون يطالبون بالتأميم التام ، فما كان من الشركة إلا أن أرسلت وفداً إلى بغداد برئاسة (مستر هاريديج) المدير الإداري لشركة نفط العراق ، في 4 تموز 1958 لأجراء محادثات بشأن اتفاقيات الامتياز ، وبعد ثمانية أيام عاد الوفد إلى لندن لاستشارة مكتبهم الرئيسي حيث ذكر انهم وافقوا على التنازل عن بعض أقسام امتيازهم وانهم سيضاعفون الإنتاج في السنتين القادمتين .

غير أن ثورة 14 تموز 1958 وإطاحتها بالحكم الملكي جعلت الزعيم عبد الكريم قاسم يذيع في الراديو يوم 18 تموز 1958 “ أنه نظراً لأهمية النفط بالنسبة إلى اقتصاد العالم فإن الحكومة العراقية تعلن رغبتها في استمرار تصديره إلى الأسواق العالمية ، وتحافظ على التزاماتها لجميع الفرقاء المعينين ، وقد اتخذت الإجراءات اللازمة للمحافظة على حقول النفط ومنشآتها «).

غير انه بعد فترة قامت الحكومة بدراسة مستفيضة لأحكام الامتيازات والمشاكل الناجمة عن تطبيقها ، وتم التوصل إلى تحديد القضايا التي ينبغي حلها.

وقد نشأت خلال المفاوضات قضيتان هما عوائد الميناء ورسومها على النفط المصدر من البصرة وقضية خضوع ناقلات النفط إلى ضربية الدخل العراقية ، وكانت الحكومة العراقية قد اعترضت على بعض النقاط المتعلقة بحساب كلفة الإنتاج وتعيين سعر نفط البصرة منذ عام 1955 ، واستمرت منذ تلك السنة تقابل بالاحتجاج قوائم الحسابات التي تقدمها الشركات وذلك للاحتفاظ بحق العراق في مراجعة الحسابات واتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك وفق أحكام عقود الامتياز ، وقد تنازلت الشركات في المراحل الأولى للمفاوضات عند رأي الحكومة فيما يخص بعض المطاليب الثانوية كأبطال احتساب الفوائد على القروض ضمن حساب الكلفة ، وأبطال احتساب نفقات البعثات ضمن الكلفة أيضاً وقدمت الشركات اقتراحات تستجيب فيها إلى درجة غير قليلة إلى وجهة نظر الحكومة في بعض المسائل الأخرى كتعيين مد راء عراقيين يساهمون في إدارة الشركات ، وتشكيل مجلس مشترك للأشراف على الصرف ، وتعريق الشركات ، ولكن موافقة الحكومة على هذه المقترحات علقت على نتيجة المفاوضات في المسائل المهمة الأخرى ، وفي الوقت نفسه تقرر السير في إجراءات التحكيم فيما يتعلق بالقضايا الناشئة عن اختلاف في تفسير النصوص المختصة في الامتيازات أهمها قضية احتساب الكلفة وقضية فر وقات الأسعار ، وقد قدرت المبالغ المتراكمة التي تستحقها الحكومة في هاتين القضيتين بعشرات الملايين من الدنانير .

لقد قطعت المفاوضات حينما لم تبد الشركات استعداداً لتقديم حلول مقبولة فيما يخص القضايا الرئيسة وهي قضية التخلي عن الأراضي غير المستثمرة ، وقضية تعيين الأسعار بموافقة الحكومة ، وقضية التخلي عن الغاز الطبيعيأو استغلاله وعدم حرقه ، وقضية زيادة حصة الحكومة من العائدات ، وبعد قطع المفاوضات ومنع الشركات من الاستمرار في عمليات التحري والحفر في الأراضي غير المستثمرة ، أظهرت الشركات خلال محادثات غير رسمية استعدادها لعرض اقتراح تحتفظ بموجبه بالأراضي المستثمرة فعلاً وفق نصوص الامتيازات القديمة وتتعاقد مع الحكومة بامتيازات جديدة لاستثمار أراضي أخرى ، على ان تصل مساحة كل ما تستثمره وفق الامتيازات القديمة والجديدة إلى 10% من مساحات الامتيازات الأصلية ، ولكن الحكومة رفضت ذلك بشكل نهائي.

أتهم الناطق باسم الشركة الزعيم عبد الكريم قاسم “ بأنه مخادع لا يعتمد عليه وإذا كان قد اثبت أنه كذلك فان الشركة هي التي دفعته إليه وساعدته عليه” ، ذلك أن كل طلب تقدمت به الحكومة العراقية قابلته الشركة بالحد من الإنتاج والضغط ، ولقد ساندت شركات النفط الانجلو –أمريكية الكبرى جميعاً شركة نفط العراق ، لأنها أدركت أن أي تنازل كبير للعراق سيتبعه مباشرة طلبات مماثلة من حكومات الشرق الأوسط التي تنتج بلادها النفط ، لقد كان الضغط هو خطة الشركات التي تدعمها فيه صناعة النفط البريطانية والأمريكية ، وكان ذلك يقوم على حرمان العراق من زيادة الدخل الذي كان بحاجة إليه ، وبدلاً من أن تضاعف الشركة الإنتاج عمدت إلى إبقائه على حاله ، فلم يزد خلال السنوات الثلاث التي جرت فيها المفاوضات (1958 – 1961) سوى نحو (1 %) بينما زاد الإنتاج في إيران والسعودية والكويت.

حاول العراق تقوية مركزه في المفاوضات فسعى في تأسيس منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ، فاجتمع وزراء نفط العراق والسعودية والكويت وفنزويلا وإيران في بغداد في أيلول 1960 ، وأعلنوا تأسيس المنظمة وتعهدوا بمطالبة شركات النفط بأسعار ثابتة وإرجاع ما اقتطع من السعر وعدم قيام الشركات بأي تخفيض في الأسعار إلاّ بعد استشارة المنظمة .

وفي (17 تشرين الأول 1961) أصدرت وزارة النفط بياناً عن نتيجة المفاوضات مع شركات النفط ، كما تم نشر نص كامل لمحضر الاجتماعات الثلاثة التي عقدت في مقر الزعيم عد الكريم قاسم بأشرافه في (28 أيلول و8 و 11 تشرين الأول 1961) ، وضح البيان سير المفاوضات وأسلوب الشركات في التسويف والمماطلة بقصد كسب الوقت للتحري والاستئثار بالمناطق الغنية بالنفط وتنفيذ أغراضها دون الالتفاف إلى مصلحة الشعب ، وقد استؤنفت المفاوضات بطلب من الشركات في حزيران حيث قامت الشركات بتغيير أعضاء وفدها المفاوض وزودته بصلاحيات واسعة وعلى هذا الأساس فقد استؤنفت المفاوضات بين الطرفين في (24 آب 1961) وتم عقد ثلاثة اجتماعات ، حيث طلب وفد الشركات في الاجتماع الثالث المنعقد بتاريخ (28 آب 1961) إعطاءه مهلة ثلاثة أو أربعة أسابيع ليتنسى له العودة إلى لندن لدراسة مطاليب الحكومة النهائية والتي كانت تتضمن :-

1.تعيين عضو في مجلس إدارة شركة نفط العراق في لندن .

2.طلبت حكومة العراق شراء 20% شراكة في شركة نفط العراق .

3.زيادة العوائد للعراق من الأرباح بأكثر من 50%.

لقد رفضت الشركات مطالب الحكومة لأنها تدخل العراقيين في مجلس إدارة الشركة ويجعل لهم رأياً في السياسة والأسعار والإنتاج ، وأخذ كل فريق يتهم الآخر بالخداع والمماطلة .

وخلال فترة المفاوضات تم إنهاء امتياز شركة نفط خانقين المحدودة ، حيث كانت الشركة قد تعهدت خلال اتفاقية 1951 بإنتاج وتصريف ما لا يقل عن مليوني طن سنوياً من النفط من منطقة امتيازها المعروفة بالأراضي المحولة الواقعة في خانقين بالقرب من الحدود الإيرانية وذلك خلال مدة لا تتجاوز السبع سنوات من تاريخ نفاذ الاتفاقية (كان المفروض أن تنتهي هذه المدة في 9 شباط 1959) ، وقد نصت المادة (12) من هذه الاتفاقية على “ أنه إذا لم تقم الشركة بتنفيذ تعهدها سالف الذكر أو إذا أخبرت الشركة الحكومة بأن من رأيها عدم وجود احتياطي كاف من النفط يبرر التصدير بصورة تجارية ، فعلى الشركة عندئذ أن تتنازل عن حقوق امتيازها وعند الحصول على هذا التنازل تصبح كل موجودات الشركة غير المنقولة ملكاً للحكومة بدون عوض ، كما يحق للحكومة خلال مدة معينة ان تشتري الموجودات المنقولة بقيمتها الدفترية في وقت الشراء “ ، وحيث أن شركة نفط خانقين المحدودة أخبرت وزارة الاقتصاد بأن تحرياتها قد أظهرت عدم وجود احتياطي كاف من النفط يمكنا من تصدير النفط بمعدل مليون طن سنوياً حسب تعهدها ، وهكذا مارست وزارة الاقتصاد الصلاحية التي خولتها المادة (12) من الاتفاقية ، من إنهاء الامتياز وتم تسلم مصلحة مصافي النفط الحكومية حقول خانقين بتاريخ 30 كانون الأول 1958.

عن رسالة (التطورات الاقتصادية والاجتماعية 1958 ــ 1968)