كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟

كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟

ابراهيم هاشم معضد

تضمن البيان الأول للثورة إشارة واضحة على إن اتجاه سياسة حكومة الثورة الجديدة بإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع جميع دول العالم على أساس من المساواة والمصالح المتبادلة، والتزام العراق سياسة الحياد الايجابي ورفضه الاعتراف بسياسة الانحياز إلى أي من المعسكرين المتصارعين وتمسكه بقرارات مؤتمر باندونغ التي أكدت على عدم الانحياز لأي من الكتلتين.

كما ركز رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم في خطاباته التي ألقاها في مناسبات عديدة على إتباع حكومته سياسة الحياد الايجابي كذلك سعت حكومة الثورة إلى إقامة علاقات الصداقة مع جميع دول العالم وقامت بتوسيع العلاقات والروابط الودية في مختلف الميادين مع الدول الاشتراكية.

وان جهود عبد الكريم قاسم لم تقتصر على إضعاف النفوذ الاستعماري داخل العراق فقط، بل امتدت جهوده إلى المنطقة العربية أيضاً بالمساهمة في هدم مراكزه العسكرية والاقتصادية وذلك عن طريق المساعدات العسكرية والمالية إلى حركات التحرر العربي كما في الجزائر والوقوف الى جانب الدول النامية في المحافل الاقليمية والدولية.

و الاتجاه الثاني: المحافظة على كيان العراق السياسي،وقد عبر عن هذا الاتجاه بالانسحاب من حلف بغداد، وتم إلغاء الاتفاقيات العسكرية المعقودة مع الولايات المتحدة الأمريكية في العهد الملكي، وإلغاء الاتفاق الثنائي مع بريطانيا والانسحاب من منطقة الإسترليني. وفك ارتباط العراق مالياً من دائرة الجنيه الإسترليني، وتحريره مالياً من ذلك.

عقد عبد الكريم قاسم مؤتمراً صحفياً حضره مندوبو وكالات الأنباء العراقية والعربية والأجنبية مساء يوم 26 تموز 1958 بين فيه”إن الجمهورية العراقية دولة مسالمة تصادق جميع دول العالم وان مسألة ضخ النفط وتصديره ستكون على أساس تجاري محض يؤمن المنافع المتبادلة للدول المتعاملة معنا”وقال:”إن الأسس التي يقوم عليها التعاون بيننا وبين الدول العربية وخاصة الجمهورية العربية المتحدة تضمن مصالح الشعوب العربية قاطبة”، قال إن الجمهورية العراقية تلتزم بقرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين أو أي من القضايا التي تتم مداولاتها في المستقبل ضمن نطاق الأمم المتحدة.

كذلك صرح الدكتور عبد الجبار الجومرد وزير الخارجية في 27تموز1958 موضحا سياسة العراق الخارجية نكون أصدقاء لسائر دول العالم لا فرق بين شرقيها وغربيها وان نستغل هذه الصداقة لمصلحة البلاد من النواحي السياسية والتجارية والتعاون مع الجميع على توطيد الأمن والسلام في العالم وإنقاذ البشرية من ويلات الدمار، وقد سبق أن أعلنت الحكومة احترامها لميثاق الأمم المتحدة ولقرارات مؤتمر باندنونغ، إننا لا نفرق بين دولة وأخرى ممن يرغب في أن يؤسس علاقات دبلوماسية معنا من الدول المعترفة فنحن حاضرون لتحقيق ذلك وهذه هي خطة متبعة لدى سائر الدول.

موقف ثورة 14 تموز من حلف بغداد

كان من أهم أهداف اللجنة العليا للضباط الأحرار والهيئة الوطنية العليا لجبهة الاتحاد الوطني، الانسحاب من حلف بغداد، وأن من أولويات قادة الثورة التخلص من هذه التبعية والبعد عن المحيط العربي، بالرغم أن من أهداف هذا الحلف هو محاصرة الاتحاد السوفيتي وأفكاره الشيوعية من أن تتسرب إلى شعوب المنطقة العربية الطامحة للاستقلال والتخلص من نير العبودية ونهب خيراتها.

وعندما سئل عبد الكريم قاسم عن موقف العراق من الحلف قال:”إن دول الحلف لم تعترف بعد بالثورة، ولذلك فإن موقف العراق سوف يتحدد على ضوء مواقف دول الحلف”، ويستشف من هذا التصريح أن جزءاً من سياسة التهدئة التي يحاول قادة الثورة إتباعها خشية من التدخل الخارجي أو الأجنبي ضد الثورة وهي في مهدها. أما بعد ذلك فقد اتخذ العراق تجميد عضويته في الحلف منذ اليوم الاول للثورة حتى 24آذار1959، حيث إذ انسحابه منه رسمياً ونهائياً.

تجميد عضوية العراق في الحلف

اتخذت حكومة الثورة مؤقفا وسطاً إزاء هذا الموضوع، فهي لم تنسحب رسمياً من الحلف، ولكنها أنهت عضويتها عملياً وذلك باتخاذها عدة خطوات عملية لذلك. فقامت بإغلاق مقر الحلف بعد احتلاله من قبل القوات العراقية، ولم يدخله احد من أعضاء السكرتارية، ولم يعقد أي اجتماع فيه.ولم يرسل العراق وفداً لحضور الاجتماع الوزاري في لندن في 28تموز1958 وبقي مكان العراق شاغراً على الرغم من حضور سكرتير الحلف العراقي عوني الخالدي وفي الأشهر التالية حوكم العسكريون والمدنيون من ساسة العهد الملكي بتهمة عقد حلف بغداد.

كما كانت الصحافة والإذاعة تعد خروج العراق من الحلف امراً منتهياً، وقد طالبت الأحزاب والفئات والرأي العام والصحافة بالانسحاب من الحلف، فطالب الوزراء القوميون في الوزارة الخروج من الحلف. كما طالبت جبهة الاتحاد الوطني والحزب الشيوعي والمنظمات الشيوعية الأخرى كأنصار السلام، وكذلك الاتحاد السوفيتي عبر إذاعة موسكو وتحذيره من اجتماع الحلف في كراجي في 26كانون الثاني1959 بأنه يستهدف الدول العربية ولاسيما العراق.

الانسحاب من الحلف

إن مبررات الانسحاب من الحلف كانت قائمة منذ العهد الملكي، وكان من المتوقع أن يتم الانسحاب منه بعد ثورة 14تموز مباشرة لذلك أعلنت الحكومة العراقية الانسحاب منه رسمياً في 24آذار1959، وأرسلت مذكرات تحريرية إلى سفارات كل من بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان بصفتهم اعضاءً فيه، والى السفارة الأمريكية شفهياً بإعتبار الولايات المتحدة عضواً في اللجنة العسكرية فقط.

وقد جاء في مذكرة الانسحاب”وجدت الحكومة العراقية إن بقاء العراق طرفاً في ميثاق بغداد لا يتماشى وسياسة الحياد الايجابي التي أعلنتها وسارت بموجبها فعلاً ثورة 14تموز1958، كما انه لا ينسجم مع رغبات الشعب العراقي الذي أعلن عن معارضته للحلف... فالحكومة العراقية ترى أن انسحابها من عضوية ميثاق بغداد وسيلة لتدعيم وإنماء الصداقة بين العراق وكافة الدول... وهي تؤكد رغبتها في استمرار العمل على تدعيم أواصر الصداقة والمودة مع تلك الدول بما يتفق ومبادئ الأمم المتحدة، وهي واثقة بأنها ستجد من الدول الصديقة ما تأمله من التعاون بروح المودة التي يحس بها العراق تجاهها لاسيما أن الروابط التاريخية والمنافع المتبادلة التي تربط العراق بهذه الدول عوامل أساسية أثبتت الأيام صلاحها في دوام تعاون مستمر وعلاقات ودية مزدهرة».

أما مبررات الانسحاب المذكورة فقد كانت قائمة بعد قيام الثورة فلماذا كان هذا التأخير على الرغم المطالب الملحة من الأحزاب والرأي العام العراقي بالانسحاب منه؟كما أن تردد عبد الكريم قاسم بانتظاره المدة القانونية للعضوية في الحلف وهي 5 سنوات والتي كانت تنتهي في 24شباط 1963 ولكن لم يحدث ذلك لأن الانسحاب تم قبل هذه المدة بسنة تقريباً، قد يكون سبباً آخر لعدم الانسحاب من الحلف.

موقف أعضاء الحلف من انسحاب العراق

استطاعت السفارة البريطانية أن تبرق إلى لندن خبر إعلان الثورة في العراق صباح يوم 14تموز1958، بعد أن علمت بذلك عبر محطة بغداد. وفي الساعة التاسعة صباحاً انقطعت كافة اتصالات السفارة بالخارج بسبب مهاجمتها من قبل الجماهير العراقية، ذلك بأن الثورة قد أطاحت بالنظام الملكي ذلك النظام الذي أسسته بريطانيا العظمى بعد احتلال العراق من قبل قوات بريطانية هندية خلال الحرب العالمية الأولى.

كما إن قيام الثورة سبب ردود فعل عنيفة داخل الدوائر الغربية والشرقية على حد سواء، ومن ذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإنزال القوات البحرية التابعة للأسطول السادس في لبنان.

موقف العراق تجاه الحلف بعد الانسحاب

وبعد ذلك قدم الوفد الإيراني تقريراً يشير إلى تحسن العلاقات بين البلدين، بعدما كان الأتراك طلبوا منهم ترك خلافاتهم مع العراق في اجتماعات طهران، في تشرين الأول1959، ولاهور في شباط1960. ولعل ما يوضح موقف العراق من الحلف ما ذكره عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء بقوله:”إن حلف بغداد (السنتو) لا يزال يحاربنا، وهو وان قضينا على قاعدته في العراق، إلا انه يحاول إخضاعنا لنفوذ وإنشاء قاعدة له في قلب العراق إن وثائق الحلف شحنت كاملة من العراق إلى القاهرة، ولكن دول الحلف طالبت بإعادة تلك الوثائق، ووافقت الحكومة العراقية على مذكرة بريطانيا في 3تشرين الثاني1958 بتسليمها وثائق الحلف، وتم نقل هذه الوثائق عن طريق إيران إلى المقر المؤقت للحلف في تركيا.

بعد انسحاب العراق قرر أعضاء الحلف تغيير اسمه من حلف بغداد إلى منظمة المعاهدة المركزية، تم ذلك في اجتماع الحلف في 21آب1959 في أنقرة، كما إن الصحف العراقية هاجمت اجتماعات الحلف في طهران في 17تشرين الثاني1959، وعدت ذلك تآمراً على العراق وتشجيع للنشاطات التخريبية ضده. وكانت دول الحلف قد بحثت انتشار الشيوعية في المنطقة، والعلاقات بين العراق والجمهورية العربية المتحدة، وقررت أن النظام القائم في العراق يقاوم الشيوعية والناصرية، ومن الأفضل عدم التدخل في شؤونه بل تقويته، وان كميل شمعون رئيس وزراء لبنان، منع وقوع هذا البلد تحت تأثير ونفوذ الجمهورية العربية المتحدة.

وفي الاتجاه نفسه وبعد مدة وجيزة أو أقل من 24 ساعة قامت قوات المظلات البريطانية في قبرص بالإنزال في الأردن لحماية النظام في هذا البلد خوفاً من تغير سياسة، والتحول إلى سياسة الرئيس المصري جمال عبد الناصر وطروحاته القومية الوحدوية أما على الصعيد الدولي فإن رئيس الاتحاد السوفيتي نيكتا خروشوف هدد الغرب وحذره من التدخل عسكرياً في العراق،من خلال تنظيم مناورات واسعة للجيش السوفيتي على الحدود المشتركة مع تركيا لمنع الأتراك والإيرانيين من مشاركتهم أو استخدام أراضيهم لمهاجمة العراق وسوريا.

وكان الاتحاد السوفيتي قد وجد تشجيعاً كبيراً في سقوط النظام الملكي وتأسيس الجمهورية، والسماح للحزب الشيوعي العراقي ممارسة نشاطه كما أن انسحاب العراق من حلف بغداد شك، ل مكسباً استراتيجياً واضحاً لأنه وضع حداً لأية إمكانية بعودة بريطانيا لاستعمال القاعدتين الجويتين اللتين سلمتهما للسلطة العراقية. كما أن عبد الكريم قاسم كان يرى في الاتحاد السوفيتي مصدراً ممكناً للدعم الدبلوماسي والاقتصادي والإمداد العسكري، بالرغم من أن العلاقة بين الاتحاد السوفيتي ومصر في عهد جمال عبد الناصر أخذت بالتوثق، لكن عبد الكريم قاسم يرى أن ذلك يجعل الاتحاد السوفيتي ليس حليفاً قوياً للعراق.

ومن جهة أخرى وقف الاتحاد السوفيتي موقف المؤيد للعراق خلال مناقشات مجلس الأمن في 16تموز1958 لشكوى لبنان ضد الجمهورية العربية المتحدة في فضح دوافع الإنزال الأمريكي في لبنان وأشار إلى انهيار حلف بغداد ومبدأ ايزنهاور هو السبب في ذلك.

وفي جلسة 17تموز قدم الأردن شكوى ضد الجمهورية العربية المتحدة وادعى المندوب البريطاني بأن إذاعة بغداد تحرض على الثورة في الأردن ورد المندوب السوفيتي بأن الغرض من التدخل البريطاني هو الإطاحة بالحكومة الثورية في العراق.

وفي 18تموز أشار المندوب السوفيتي إلى د. عبد المجيد عباس ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة الذي أعلن ولاءه للملك حسين فعزلته الثورة وعينت هاشم جواد بدلاً منه، بقوله:”إن الممثل الذي يحتل مقعد العراق بصورة غير قانونية قد أكد استمرار اتحاد العراق و الأردن، بيد أن الواقع هو أن حكومة العراق قد أعلنت انسحابها الفوري من ذلك الاتحاد».

ومن اجل تنسيق المواقف بين الولايات المتحدة وبريطانيا فقد اجتمع سلوين لويد وزير الخارجية البريطاني في واشنطن بوزير الخارجية الأمريكية جون فوستر دالاس(. F. DALLAC (J في 19تموز، بالرغم أن البيت الأبيض الأمريكي نفى اتفاقهما على عدم القيام بعمل عسكري ضد العراق لكن وكالة يوناتدبرس أفادت بأن بريطانيا وأمريكا قد اتفقتا على معارضة أي عمل طائش قد يقوم به حلفاؤهما في الشرق الأوسط ضد النظام الجمهوري في العراق، وان الوزيرين قررا تجميد الوضع في المنطقة بشكله الحاضر مع بقاء القوات البريطانية في الأردن والقوات الأمريكية في لبنان وأنهما لا يريان أي أمل في زعزعة النظام الجديد الذي تمخض عن ثورة الجيش والشعب في العراق.

كما أن تركيا عندما رأت أن نية الدولتين متجهة إلى عدم التدخل والاعتراف بالعراق لذا فقد بادرت هي الأخرى إلى إعلان حسن نيتها تجاه العراق، ففي 25 تموز اتصل السفير التركي بهجت تركمان ببغداد بوزير الخارجية العراقي عبد الجبار الجومرد،وفي 31 تموز قدم اعتراف بلاده لوزير الخارجية العراقي, وقد عقب عبد الكريم قاسم على الاعتراف التركي,قائلا:اننا نؤمن بأن مصدر أعتراف تركيا بالجمهورية العراقية هو الشعب التركي

وان اعتراف الجمهورية العربية في 15تموز1958أعطى الثورة سمة معينة أمام الدول الاشتراكية ودول العالم الثالث نظراً للوزن الدولي الكبير الذي تشكله الجمهورية العربية المتحدة، ولمكانة عبد الناصر كأحد أقطاب دول عدم الانحياز، فبعد اعتراف الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية في 16تموز1958اتخذت كل من يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبولندا ورومانيا في 17 تموز نفس الموقف تجاه الثورة وحكومتها.

وفي 19تموز اعترفت بحكومة العراق كل من كوريا الشمالية وألمانيا الديمقراطية وبلغاريا ومنغوليا وألبانيا وكما اعترفت من دول العالم الثالث كل من الهند واندونيسيا في 23تموز، وسيلان في 25تموز، وأفغانستان في 26تموز1958.

أما الدول العربية فقد استدعى وزير الخارجية عبد الجبار الجومرد سفراءها وممثليها ظهر يوم 16تموز وتحدث إليهم عن الأخوة والصلات القومية المشتركة التي”يغذيها النسب والدم والتاريخ والأدب والمصالح المشتركة، ثم خاطبهم واحداً واحداً، وطلب إبلاغ تحياته إلى رؤسائهم والاعتراف بالجمهورية العراقية، وطلب من بعضهم تذكير رؤسائهم بصلاته القديمة مع حركات التحرر العربية في شمال أفريقيا».

عن رسالة (وزارة الخارجية العراقية)