لقاء مع قائد ثورة 14 تموز 1958

لقاء مع قائد ثورة 14 تموز 1958

عبد اللطيف الشواف

لقد رأيته في مقره بوزارة الدفاع في آخر ليلتين قبل 8 شباط 1963، حيث كنت في ليلة 6/2/1963 مدعواً مع الاستاذ محمد حديد في موعد مع الزعيم عبد الكريم قاسم مساء ذلك اليوم (الساعة السادسة فيما اظنها)..

لما ان تاخر عبد الكريم في الحضور الى وزارة الدفاع على الموعد بسبب زيارة تفقدية له في مدينة الثورة على عادته – تذمر الاستاذ محمد حديد واراد الاعتذار والغاء الزيارة مندداً بعدم اهتمام عبد الكريم بمواعيده حتى بعد تحرره من الوزارة، وازمع على ترك وزارة الدفاع، ولكني رجوته الانتظار فترة اخرى لنرى ما لدى سيادة الزعيم ليرتب هذا الموعد المشترك، ولما ان وصل المرحوم عبد الكريم الى وزارة الدفاع استصحبنا من جناح مكتبه الى جناح آخر يقع في الجهة الجنوبية مع غرف وزارة الدفاع كان المرحوم قاسم قد اعده مركزاً لضباط الاستعلامات الرئيس (سعيد الجنابي) وقد رأينا هناك ملفات تتعلق بالقضايا السياسية وببعض السياسيين الذين التقوا مع عبد الكريم وغيرهم في مسعى لتنظيم امور الادارة السياسية استجابة لالحاح وضغط كثير من اعوان الحكومة ومن الاصدقاء الشخصيين داخل العراق وخارجه على المرحوم عبد الكريم بان يرتب مكتبه واموره الروتينية وان يقلع عن المستوى القديم مستوى آمر فوج الى مستوى رئيس دولة مسؤول عن شؤونها كافة.

لقد اخبرنا المرحوم قاسم آنئذ انه سيناقش في ذلك المساء الاربعاء – على ما اذكر في مجلس الوزراء قضية ارتباط شركة النفط الوطنية بوزارة النفط او برئيس الوزراء – وهي قضية كثر الخلاف حولها انذاك، وقد عرضنا رأينا وملخصه ان ينص قانون شركة النفط الوطنية على ارتباطها برئيس الوزراء لابوزير النفط، لأن معركة النفط، والشركة من بين قطاعاتها الاساسية – وقد كانت مهمتها انشاء قطاع نفط وطني مستقل عن قطاع الشركات النفطية المالكة (شركة نفط العراق واخواتها) هي مسألة سياسية اساسية تنفذ مقابلة ومعارضة للشركات التي تتمتع بشكل كلي باسناد حكوماتها – بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وهولنده وحضة كولينكيان المقيم في البرتغال، ولذلك يجدر ان تكون اعمال هذه الشركة تحت اشراف الجهة السياسية العليا في العراق.

ولما أن طال النقاش في الموضوع اقترحت انذاك ان يستهدى في الحكم على قانون شركة النفط الوطنية العراقي – وكنت انا الذي وضعت مسودة القانون وقامت وسائل الاعلام بنشره مع حواشي على نصوصه وفق اسلوب الشرح على المتون – بقانون بنك الرافدين الذي اسس بصورة مستقلة – لكن وزارة المالية انما جعلت مشرفة عليه لتنفيذ السياسة المصرفية العامة للدولة، وقد طلب المرحوم عبد الكريم إليّ ان اجلب له في اليوم الثاني نسخة من قانون بنك الرافدين، ولما ان زرته في مساء اليوم التالي 7/2/1962 حوالي الثامنة مساءً في الجناح الجديد الذي صممه المرحوم المهندس قحطان عبد الله عوني مقابل سلم الباب الرئيسي لوزارة الدفاع في المركز الوسط بين جناحي وزارة الدفاع ملحقا بالجانب المشرف على دجلة، وقد جاء الى هناك بناء على موعد سابق المرحوم الاستاذ مصطفى علي وزير العدل السابق – وكان قد استقال من وزارة العدل – وكان من بين موقعي عريضة (السلم في كردستان) التي نظمها الاكراد والشيوعيون كجزء من الحملة ضد الحرب التي بدأت ضد الاكراد، وقد قام المرحوم عبد الكريم باطلاعنا على ملف لحلف بغداد والقواعد العسكرية التي كان الحلف ينوي بناءها شمال العراق ضد الاتحاد السوفيتي.

لقد كان المرحوم قاسم طلب من المرحوم مصطفى علي على ضرورة الالتفاف حوله لانهاء التمرد الكردي وكان يؤشر على خارطة تشير الى مناطق الحركات العسكرية وهنا مازلت اذكر – ان عينيه بدأت تدمع وانه يبكي لفرط تأثره وحزنه وعمق حماسه في الحديث عن القضية الكردية وكان منظره دليلا على ما انتابه من الاسى والاسف للحكومة وله شخصيا – قد فشلوا في الاستجابة لاحدى النقاط الجوهرية من شعارات الحركة الوطنية العراقية – حول القضية الكردية – هي المسألة التي حاول عبد الكريم بذرائع شتى تنطوي على محاكاة لقضية او على تبريرات تاريخية او شخصية لتفسير موقفه منها والتي لم يقر فيها اكثر وزراته وكان يشجعه عليه العسكريون من حوله، وبعد ان اكد سيطرته وسيطرة الجيش العراقي على مناطق كردستان الاساسية ذاكرا اسماء الاقضية والمواقع الكردية المتعددة دربندي خان، وقلعة دزه، وسيد صادق وغيرها، طلب الى المرحوم مصطفى علي ضرورة الالتفاف حوله لانهاء التمرد الكردي، وكان يؤشر على خارطة تشير الى مناطق الحركات العسكرية وهنا – لا زلت اذكر – ان عينيه بدأت تدمع وانه بكى لفرط تأثره وحزنه وعميق حماسه في الحديث عن القضية الكردية، وكان بكاؤه دليلا على ما انتابه من الأسى والاسف لان حكومته وهو شخصيا – قد فشلا في الاستجابة لاحدى النقاط الجوهرية من شعارات الحركة الوطنية العراقية – حول القضية الكردية – وهي المسألة التي حاول عبد الكريم بذرائع شتى تنطوي على مماحكات لفظية او على تبريرات تاريخية او شخصية لتفسير موقفه منها والتي لم يؤيده فيها اكثر وزراته وكان يشجعه عليه العسكريون من الموجودين حوله.

ومن ثم أمر بايصال المرحوم مصطفى علي الى بيته في بغداد الجديدة بعد ان طمنه واوصاه بضرورة معاودة الاتصال به للبحث في الشؤون العامة والخاصة ضاربا له المثل بموقفي منه وكيف اتصل به لبحث مختلف المشاكل بالرغم من استقالتي وتركي الوزارة والبنك المركزي واي عمل رسمي في الحكومة. وبعد ان بحثت معه نقطة تابعية شركة النفط الوطنية وعرضت عليه طبيعة قانون بنك الرافدين. كررت بوضوح رأيي في وجوب ان ترتبط شركة النفط الوطنية برئيس الوزراء، او مجلس الوزراء، وكررت عرض هذا الرأي امام مجموعة الضباط من المرافقين وغيرهم عندما اخبرهم ان ولادة الشركة الوطنية للنفط وما سينجم منها من خير مالي للبلاد قد انتهت وسيعلن عنها. وقد سمعت انه بعد 8 شباط ومقتل المرحوم الزعيم عبد الكريم وجدت لائحة قانون شركة النفط الوطنية على مكتبه في وزارة الدفاع، وترددت هذه الاشاعة كثيرا من قبل مؤيدي عبد الكريم ومعارضيه الذين استولوا على السلطة في 14 رمضان الموافق 8 شباط.

اما ما قبل هاتين الليلتين في 6 و7 من شباط سنة 1963 واللتين انتهتا صبيحة 8 شباط سنة 1963 بانقلاب 14 رمضان. تجدر الاشارة اني قابلت الزعيم عبد الكريم في اوائل شباط للاستئذان بالسفر الى اجتماع لجنة التضامن الاسوي – الافريقي مع صديقي نائل سمحيري الى افريقيا، وقد كان المرحوم عبد الكريم تعبا وساهبا حينما اخبرته بذلك فقال: (الله يكتب لك السلامة) ثم انتبه ورفض بشدة فكرة سفري بعيدا بان (عنده اشغال قريبة وهو يريدني الى جانبه، وهو سيدبر لي سفرة جيدة تعوضني عن هذه السفرة) وقد استجبت لرجائه في عدم السفر، على اني سمعت من مصادر عدة بعد ذلك وايدها الصديق الزعيم احمد محمد يحيى وزير الداخلية انذاك، ان عبد الكريم كان قد اخبره انذاك انه يزمع اجراء تغييرات اساسية – بعد ان اكتشفت المؤامرة على حكمه – يوم الاحد في 10/2/1963، ولكن الانقلاب المسلح اندلع في 8/2/1963 ولقد سافر الاخر المرحوم نائل سمحيري ممثلا للجنة العراقية للتضامن مع الشعوب الاسيو – افريقية ومقرها القاهرة الى مؤتمر المنظمة وهناك حدث انقلاب 14 رمضان سنة 1963 وكان ممثل حزب البعث في المؤتمر المرحوم الاستاذ ميشال عفلق وصلاح البيطار وحدثت مواجهة بينهما وبين الاستاذ نائل وبقي نائل في اوروبا لمدة اشهر قبل العودة الى بغداد.

كما حضرت مع المرحوم عبد الكريم حفل افتتاح معمل شركة الصناعات الخفيفة في الرستمية لصنع الصوبات “الدفايات” والطباخات النفطية ومعملها في المسبح لتجميع الراديوات والتلفزيونات ووضع حجر الاساس في الرستمية لمعملها للعلف الحيواني الذي احيل بعهدة شركة (بوهلر) السويدية الشهيرة للمطاحن وسايلوات الحبوب (وقد ترك هذا المشروع بعد 8 شباط بعد ان هدم حجر الاساس له وسرقت ورقة العشرة دنانير التي وضعت فيه).

اما المرة الاخرى التي قابلت فيها المرحوم عبد الكريم قاسم في سنة 1963 فكانت في اوائل السنة عندما ذهبت الى وزارة الدفاع لاخباره، بسفري للبصرة يومين للاستحمام في بيت على شط العرب لأحد الاصدقاء فكلفني انذاك – وهو تكليف ذو دلالة بالتفكير جديا في دستور دائم مبني على اساس انتخبي لمجلس امة ديمقراطي وبوضع مسودة لهذا الدستور اثناء تفرغي في المنتجع على ضفاف شط العرب في البصرة، وقد قمت بتحرير القسم المتعلق بالسلطة القضائية في الدستور وتم تمزيق بعد ذلك في شباط خوفا من تحري السلطة آنئذ.

واذكر انه في إحدى مناسبات زياراتي له في وزارة الدفاع انه اصطحبني معه لاحتفال في كرادة مريم في (قاعة الخلد) يقيمه اتحاد العمل والفلاحين سوية لمناسبة لا اذكرها ولكني ذهبت معه وخطب انذاك خطابا هدد فيه المتآمرين والمتقاعسين مرتين بعد توارد الانباء عن مؤامرة لقتله كانت مدبرة له آنذاك، قد عدت معه في سيارته العسكرية الروسية الصنع الى وزارة الدفاع. وسألني ونحن في الشوارع البغدادية في الكرخ عما اذا كنت (قد رأيت مدينة الشعلة في ظاهر قضاء الكاظمية في الكرخ وما عد فيها من دور سكن للناس، حيث انه – اي عبد الكريم قاسم – قد آلى على نفسه ان يوفر دار سكن لكل عراقي من الشمال الى الجنوب – وانتقد معارضيه الذين يتهمون اخاه حامداً ظلماً بانه قد اشترى دارا لسكناه على شاطئ كرادة مريم في بغداد مقدرا بان دار سكناهم هو وابوه واخوه كان على جانب دجلة في الصويرة ايضا.

عن كتاب)عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون (