الرحالة البريطانية فرايا ستارك تكتب عن النجف سنة 1937

الرحالة البريطانية فرايا ستارك تكتب عن النجف سنة 1937

جعفر الخياط

في 1937 زارت النجف الكاتبة الإنكليزية القديرة، و الموظفة في الاستخبارات البريطانية، المس (فرايا ستارك) و بقيت فيها اسبوعا واحداضيفا على القائمقام الذي أنزلها في جناح الضيافة الموجود في نادي الموظفين. و قد كتبت فصلا خاصا عن النجف ضمنته ملاحظاتها عنها في كتابها [1] الموسوم (صور بغدادية(.

و تبدأ ملاحظاتها بما شاهدته في الكوفة. فهي تستهل الفصل بوصف جلسة مسائية على شاطى‌ء الفرات، مع رئيس البلدية و سبعة من "الأفندية". و كان ذلك في أوائل ربيع الأول بعد أن انتهى صفر، الشهر الثاني من شهري الحزن المعتادين في كل سنة، و لذلك تقول إنها شاهدت و هي جالسة من بعيد شعلات من النار طافية في النهر، و قد كانت تنساب منحدرة مع تياره حتى تختفي.

و ترمى هذه في النهر في نهاية موسم العزاء (نهاية شهر صفر) لتأخذ معها أحزان السنة و تفرج الكربة عن الناس. و هذه على ما تقول عادة قديمة ترجع بقدمها الى تاريخ هذه البلاد العريق في القدم. ثم تشير بالمناسبة الى أن "الأفندية" الذين شاهدوا معها النار الطافية، لمحوا هلال الشهر الجديد (هلال ربيع الأول) و أخذ كل منهم يتمنى الخير و الموفقية لصاحبه من دون أن يشعروا بأن ما فعلوه يعتبر من قبيل عبادة القمر أو التبرك به. و ليس من المستغرب أن يحصل مثل هذا، فتبقى هذه الوثنية، في بلاد لا تبعد كثيرا عن قبر "الكفل" و "برج بابل" اللذين يدلان على ذلك العالم الغابر.

و لكن المرء حينما يعبر جسر الكوفة المستند على الزوارق ينتقل من العالم البابلي الى عالم الإسلام على حد تعبيرها. و هي ترى ان الحيرة توجد مدفونة تحت الرمال ما بين النجف و الكوفة، و ان التلال الرملية المحيطة بالكوفة تحوي في باطنها خرائب كوفة العرب الفاتحين الأولى. و بعد أن تشير (فرايا ستارك) الى جامع الكوفة الكبير و غيره من معالم البلد تقول ان (قصر الإمارة) هدمه

عبد الملك بن مروان الأموي، لأنه بينما كان جالسا فيه ذات يوم سمع عجوزا من الاعراب يقول "ستكون الخامس". و حينما سأل عما كان يقوله هذا أجابه يقول: "عندما جئت لأول مرة الى الكوفة رأيت رأس الحسين (ع) بين يدي قاتله عبيد اللّه هنا. فذهبت وعدت ثانية اليها بعد مدة فشاهدت رأس عبيد اللّه في نفس المكان بين يدي المختار بن يوسف الذي قتله. و بعد أن خرجت منها وعدت مرة أخرى ألفيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير. ثم ذهبت فعدت هذه المرة، و ها إني أرى الآن بين يديك رأس مصعب". و لذلك خرج عبد الملك من الكوفة و أمر بهدم قصر الإمارة الذي تشاهد خرائبه الآن بجنب دار الإمام عليه السلام‌.

و قد كان الامام علي هنا يعمل للخير و يتمسك بالامور المثلى على حد تعبيرها، فأفنى نفسه و هو مريض الفؤاد ما بين أهل الكوفة المتلونين. و على مسافة غير بعيدة من هذه البقعة جعجع ابنه الحسين الى جهة البادية و ظل يتجول حتى نزل في كربلا، فقتل قتلة فظيعة مع أهل بيته بعد أن منع عنهم الماء. و قصة قتله هذه من القصص القليلة التي تقول (فرايا ستارك) إنها لا تستطيع قراءتها من دون أن ينتابها البكاء. و تقول أيضا ان التاريخ قد توقف في كربلا و النجف منذ يوم مقتله ذاك، لأن الناس أخذوا يعيشون فيهما على ذكرى الكراهية لأعداء الحسين‌.

و قد أخذت النجف محل الكوفة، على ما ترى. و مع ان سكانها قد استقروا و تمدنوا فإنها لا تزال تعد من مدن البادية، المحاطة بسور خاص ترتفع هي في داخله فوق هضبة واطئة من الأرض كأنها تاج يعلوه ذهب القبة المتلألى‌ء. و ما زال بداة عنزة و شمر يقصدونها من رمال النفود البعيدة للتزود منها، بينما تسلك السيلرات الطريق الممتدة منها الى مكة، و هي طريق الحج المسماة بإسم زبيدة و يرتفع (بفرايا ستارك) الخيال فيخترق نظرها الأفق البعيد مع الطريق التي تتضح معالمها لعيون الايمان على حد تعبيرها، و لذلك نجدها تقول ان المرء لا يسعه سوى أن ينحني خاشعا أمام زهد الانسان و ورعه و تعجب كيف ان الساسة الانكليز يعتقدون بأنهم يستطيعون السيطرة على قلوب الناس بالوسائل المادية وحدها.

و قد دبر القائمقام لها مواجهة العلامة الأكبر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الذي كان آباؤه لخمسة أظهر من زعماء الدين. و لما كانت زيارتها للشيخ و هي امرأه شيئا يلفت النظر، فقد دبرت الزيارة في أقل الأوقات تعرضا لأنظار الناس.

فجاء الشيخ هادي، نسّاخ الكتب، لبلقي نظرة عليها أولا، و بعد أن بعث أخبارا مناسبة عنها قادها مع خادمها خلال طرق و درابين متعرجة الى دار غير كبيرة يعيش فيها الشيخ مع أهله عيشة بسيطة كما كان يعيش المسلمون الأقدمون من قبل. و بعد أن تأتي على وصف الشيخ-الذي كانت لحبته مخضبة بالحناء- و وقاره و ذكائه تقول إنها فهمت من حديثها معه بأنه كان بعرف (المس بيل) و السر (بيرسي كوكس)، و يعتبر الذين جاءوا بعدهما من الانكليز أقل منهما شخصية و قدرا. و حينما تطرق الى الحديث معها عن العالم الشرقي، أخبرها برأيه عن بريطانية و الاسلام بقوله "إنه لا يوجد الآن بيننا و بين الانكليز سوى الصداقة لو لا الأخطاء التي ارتكبت ضد إخواننا العرب في فلسطين. و ما زالت هذه الظلامة موجودة فإننا لا يمكن أن تحل المحبة و لا السلام بيننا من البحر المتوسط الى الهند. و آمل أن تبيني هذا الى حكومتك، و تقولي لهم ان ما بلعبون به هناك هو ليس أراضي فلسطين وحدها، و إنما يلعبون بالعالم الاسلامي كله الذي يقدر ينصف امبراطوريتم و يتشوقون الى الابقاء على صداقته لهم.

و لما كان رأيه هذا يتفق تمام الاتفاق مع رأيها هي في هذه المسألة الدقيقة كان‌ يسرها أن تعد الشيخ بأن تبذل جهدها في نقله أمانة الى الجهات المختصة.

ثم زارت بعض المدارس، و معالم البلدة الاخرى، بما فيها (المغتسل) الذي كان يقوم بتغسيل الموتى فيه رجل واحته بسعر زهيد للجثة الواحدة. و قد تجولت ما بين القبور في بعض الأمسيات كذلك، و أمضت أمسية واحدة منها في التفرج على ما يجري عند الباب الكبير المؤدي الى الصحن فكانت من أجمل الأمسيات التى قضتها في حياتها كلها. و كان ذلك من غرفة تعود للشرطة و تطل شبابيكها على باب الصحن و قسم من السوق. و بعد أن تصف ما شاهدته هناك و في الداخل نقول إنها خرجت تقطع السوق الذي امنلأ بالأضوية، و هي تشعر بحبها للعالم بأجمعه. و بينما هي كذلك لاحظت في دكان بائع أحذية رجلا كان يرمقها بنظرات شرزاء ممتلئة بالحقد و الكراهية، فتأثرت أشد التأثر لأنها يحز في نفسها أن يكرهها أحد من دون سبب. و هي تقول: "ان ذلك الرجل لو كان بوسعه ان يخترق جسمها الانكليزي بنظره الى أعماق قلبها لوجد ان ما كان بمتلى‌ء به هو الاحترام الودي لعتبته المقدسة بالذات التي تعلو أرواح الناس كما تعلو قبة النجف المذهبة فوق أفق البادية، فتجذبهم اليها من بعيد" و تنهي الفصل بوصف جماعة من فقراء الأفغان كانوا يعيشون على الكفاف، و يحصلون على قوتهم من حياكة بيوت الشعر، ثم ينتزع كل منهم فلسا واحدا من وارده الشحيح بين حين و آخر فيعطيه للانفاق على العتبة. و تعلق على ذلك بكل إكبار و إجلال قائلة: "من تكون نحن لننتقد عقيدة تعطي مثل هذا المقدار يا ثرى؟

(النجف في المراجع الغربية) ــ موسوعة العتبات المقدسة ــ قسم النجف