110 أعوام على ميلاده هنرى بركات رائد سينما  المسكوت عنه

110 أعوام على ميلاده هنرى بركات رائد سينما المسكوت عنه

ماجد كامل

يقف هنرى بركات ـ الذى تمر فى 14 يونيو الحالى 110 أعوام على ميلاده ـ فى مساحة إبداعية متفردة تماما، حيث يظل رغم رحيله منذ اكثر من 27 عاما فى 23 فبراير 1997.. أحد الأرقام الصعبة والعصية على التكرار فى معادلة ابداع السينما المصرية والعربية

بعدما اقتحم بجسارة فائقة ـ عبر أعماله ـ العديد من المناطق الشائكة شديدة الحساسية والمسكوت عنها فى المجتمع خلال الفترة التى قدم فيها اعماله منذ الأربعينيات وحتى تسعينيات القرن الماضى كقضايا المنسحقين من عمال التراحيل وقتل الفتيات نتيجة العلاقات خارج الإطار الشرعى وقضية الزيادة السكانية. فعبر مسيرة إبداعية زاخرة بعشرات الأعمال السينمائية التى خلدت فى ذاكرة السينما المصرية..تأتى أفلامه المهمة الحرام ودعاء الكروان والباب المفتوح فى قائمة أهم 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية

ترشح فيلم هنرى بركات الأيقونى "الحرام" إلى نيل جائزة السعفة الذهبية بمهرجان كان السينمائى فى دورته عام 1965 وعرض الفيلم بالعديد من دول العالم وسط احتفاء حاشد من النقاد والمبدعين والمشاهدين حول العالم الذين أشادوا بجرأة الطرح الدرامى الذى قدمه الفيلم المأخوذ عن قصة أديب مصر الكبير الدكتور يوسف إدريس والأداء العبقرى لنجوم الفيلم الكبار فاتن حمامة وزكى رستم وعبدالله غيث.. والتقنيات والحرفية المذهلة التى قدمها بركات وطاقم العمل فى صناعة الفيلم إضافة إلى المعالجة الدرامية المتميزة عبر السيناريو والحوار الذى كتبه الكاتب الكبير سعد الدين وهبة.

وقد اقتحم فيلم الحرام بجرأة شديدة عالما بكرا وجديدا تماما على عالم السينما المصرية ليقدم مأساة عمال التراحيل فى فترة ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 وما عانته هذه الطبقه المنسحقة من ويلات وأهوال عبر عملهم غير المستقر وتنقلهم لزراعة وحصاد المحاصيل الزراعية لأراضى الإقطاعيين فى ذلك الزمن مقابل أجور زهيده لا تكاد تسد رمقهم وسط عالم شديد الطبقية تتحكم فيه طبقة إقطاع لاترحم.. وتتجسد هذه التراجيديا فى أشد صورها عبر المأساة التى تتعرض لها عزيزه الشخصية المحورية للفيلم التى جسدت دورها سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والتى لعبت دورا جريئا مختلفا عن كل أدوارها على الشاشه.. فعزيزة عاملة تراحيل تضطر للعمل نظرا لمرض زوجها العضال وعدم قدرته على العمل، والذى جسده الفنان الكبير عبدالله غيث، لتسد رمق اسرتها الكادحة وتتعرض عزيزة لحادثة اغتصاب تسفر عن حمل غير شرعى تضطر معه إلى قتل وليدها دون وعى منها أثناء محاولتها إسكات صراخه خوفا من الفضيحة لتصاب بعدها بحمى النفاس وتفقد حياتها وحيدة أثناء عملها بإحدى الأراضى البعيدة عن قريتها.

ولايمكن التحدث عن فيلم الحرام دون التوقف كثيرا أمام الأداء العبقرى لعملاق السينما المصريه زكى رستم الذى يفاجئك كمشاهد بإمساكه بتفاصيل شخصية ناظر الزراعة فى الأراضى التى يعمل فيها عمال التراحيل ومن بينهم عزيزة.. مرتديا بدلته التى يعلوها طربوش أسفله منديل عريض لوقايته من حرارة الشمس القائظة.. وتأرجح أدائه بين قسوته الشديدة على عمال الأرض ومراجعته لجميع تفاصيل العمل اليومى الدقيقة وحنوه البالغ على عزيزة بعد علمه بمأساتها.. وأمره بصرف يوميتها أثناء مرضها الشديد.

بانوراما بركات المتنوعة

وبالإبحار فى عالم المخرج الكبير بركات نجد أنفسنا أمام مخرج يعد بحق من أهم من شيدوا صرح صناعة السينما المصرية، حيث قدم أكثر من 100 فيلم عبر مسيرته الفنية التى بدأت بإخراجه فيلم الشريد عام 1942 واستمرت لنصف قرن حيث اختتمها بفيلمه "تحقيق مع مواطنة" عام 1993.. وخلال هذه المسيرة قدم بركات بانوراما متنوعة وشديدة الاتساع من أفلام تراجيدية ورومانسية وغنائية وكوميدية روت الاشباع الدرامى لجماهيره العريضه فصار وجود اسمه على العمل كفيل بجودة العمل الفائقة وجذب الجماهير بمختلف اذواقه حتى البسطاء منهم والارتقاء بأذواقهم إلى مستوى فنى متميز.

حيث اقتحم مجال السينما السياسية ليقدم تحفتة الخالدة "فى بيتنا رجل" الذى إنتج عام 1961 وتدور أحداثه حول شاب وطنى اغتال أحد رموز التعاون مع الاستعمار البريطانى لمصر، ثم يختبئ فى منزل أسرة مصرية تتعرض للخطر الشديد نظرا لإخفائها له لدوره الوطنى.. ويعد فيلم فى بيتنا رجل بمثابة العمل السينمائى الذى فجر نجومية عمر الشريف ولفت انظار المخرج العالمى ديفيد لين عندما شاهده فى أحد مشاهد الفيلم عندما كان يبحث عن ممثل عربى يجسد دور الشريف على فى فيلمه الأشهر "لورانس العرب" ليقع اختياره على عمر الشريف وتبدأ معه رحلته مع هوليوود كأحد أهم نجومها.

سينما رومانسية رائعة

..وعند التحدث عن السينما الرومانسية التى أبدعها هنرى بركات فأنت أمام باقة من أروع الأفلام الخالدة على الشاشة التى تتميز بالرقى الشديد والمعالجة الدرامية الرائعة كأفلامه شاطئ الغرام للفنانه ليلى مراد وحسين صدقى الذى انتج عام 1950 والحب الكبير عام 1968 للفنان فريد الأطرش مع فاتن حمامة وفيلم اذكرينى لمحمود ياسين ونجلاء فتحى والذى أخرجه عام 1975، ولكن يبقى فيلم الحب الضائع الذى أنتج عام 1970 والمأخوذ عن رواية عميد الأدب العربى طه حسين أحد أهم الأعمال الرومانسية فى تاريخ السينما المصرية، حيث يتبارى فيه النجمان رشدى اباظة وسعاد حسنى فى الأداء الفنى المذهل لتجسيد قصة الحب غير الشرعية بين سيدة تعانى مأساة وفاة زوجها وتقع فى حب زوج صديقتها الذى تشعر معه بتعويضها عن حبها الضائع وذلك وسط مشاهد سينمائية خلابة خلال أحداث الفيلم التى دارت فى مصر والمغرب وتونس وأبرزها المشهد الساحر للقاء الحبيبين اللذين جسدهما النجمان رشدى اباظة وسعاد حسنى بعد غياب فى ساحة الفنا بمراكش فى المغرب.. ومن أهم أفلام بركات الرومانسية كذلك فيلمه المثير للجدل "الخيط الرفيع" والذى أنتج عام 1970 ولعب بطولته النجمان فاتن حمامة ومحمود ياسين والمأخوذ عن رواية للأديب الكبير احسان عبد القدوس ويدور حول علاقة شائكة بين سيدة ومهندس شاب تقدم له الدعم ليشق طريقة إلى عالم النجاح ومع تقدمه ونجاحه تتآكل العلاقة بينهما لتصل إلى خيط رفيع ينقطع مع نهاية الأحداث.

مشكلات اجتماعية

وتتسع بانوراما سينما بركات لتقتحم أيضا مشكلات اجتماعية خطيرة وملحة يعانى منها المجتمع المصرى كمشكلة الزيادة السكانية والذى يعد بركات من أوئل المبدعين السينمائيين الذين اقتحموا وناقشوا هذه القضية على الشاشة الفضية فى فيلمه المهم "أفواه وأرانب" الذى تم إنتاجه عام 1977 ويدور حول كارثة عدم الوعى الانجابى وخاصة فى الريف مما يتسبب فى عجز رب الأسرة كثيرة الانجاب الذى يجسده فريد شوقى عن الانفاق على أسرته ومحاولته تزويج اخت زوجته التى تلعب دورها فاتن حمامة لأحد التجار الاميين للانفاق على أسرته مما يفجر وضعا كارثيا أمام هذه الأسرة. وإضافة لما سبق قدم هنرى بركات سلسلة من الأفلام السينمائية الغنائية التى تحتل موقعا بارزا ومهما فى مسيرته الفنية فهو بلا شك أحد أهم مخرجى السينما المصرية الذين ساهموا فى تألق السينما الغنائية.. حيث أخرج عددا كبيرا من هذه الافلام التى لعب بطولتها أساطير الطرب العربى وفى مقدمتهم فريد الأطرش ومحمد فوزى وعبد الحليم حافظ وليلى مراد وفيروز ومحرم فؤاد ومن أهم هذه الأفلام شاطئ الغرام لليلى مراد وورد الغرام لمحمد فوزى وليلى مراد وأفلام عفريتة هانم وماتقولش لحد ولحن الخلود وماليش غيرك ونغم فى حياتى لفريد الأطرش.. كما أخرج لعبد الحليم حافظ أفلام أيام وليالى وموعد غرام وبنات اليوم.. كما كان أول من قدم السندريلا سعاد حسنى على الشاشة الفضية فى أول افلامها حسن ونعيمة عام 1959 المطرب محرم فؤاد.. وأخرج للفنانة اللبنانية الكبيرة فيروز فيلم سفر برلك عام 1967.

· عن جريدة الاهرام