لويس زنبقة والسلام الجمهوري العراقي الأول

لويس زنبقة والسلام الجمهوري العراقي الأول

حسين جبار حسن

" موسيقي عراقي بارع، لم ينصفه بلده، وتجاهله الناس، فتحطمت أعصابه، وفقد عقله لفرط حساسيته، وضاع في بلاد الغربة واختفى إلى الأبد".

كانت طموحات لويس زنبقة (1928-؟) الشاب الموصلي الموهوب، كبيرة، وكان شعوره بالمسؤولية والانتماء للوطن شديدا إلى الحد الذي جعله يحشر نفسه في السياسة وهو لم يخلق لها. كانت أعصابه محطمة، وأضعف من أن تتحمل اضطراب الحياة السياسية الدائم. كانت تؤذي عينيه التشوهات والسلبيات المزمنة المنتشرة في جسد مجتمعه العراقي. اشترك في التظاهرات التي عمت بغداد للتعبير عن رفض معاهدة بورتسموث في يناير/كانون الثاني 1948، وقتل فيها صديقه الحميم جعفر الجواهري شقيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فأوشك أن يفقد عقله، وأدخل إلى مستشفى جاك عبودي للأمراض العقلية أكثر من مرة. وبمرور الأيام ضعف ارتباطه بواقعه، وراح يحلق بعيدا عن نفسه، محاولا تعويض ذلك الواقع بالأحلام، لكن، على الرغم من كل ما حدث، ورغم انعزاله حتى عن أسرته، لم ينصرف عن القراءة والعزف، حفظ أعمال الموسيقيين الكلاسيكيين وقرأ عن حياتهم وحلل أعمالهم، وتعلم إضافة لدروسه الأساسية اللغة الإنكليزية حتى اتقن التكلم فيها، معتمدا في ذلك على نفسه. وفي عام 1950 تخرج في معهد الفنون الجميلة فرع الترومبون Trombone بدرجة امتياز.

كان لويس يسكن في شقة مطلة على شارع الرشيد مع أمه واخته وزوجها الإنكليزي الذي قدم مع الاستعمار البريطاني عام 1914، فهام بالعراق حبا ورفض أن يغادره. كان لويس يعزف في تلك الشقة، ويستمع إليه ثلاثة أطفال، بينهم ابنة اخته أمل بورتر. وحين كبرت هذه وأصبحت مؤرخة معروفة في الأوساط الأكاديمية العراقية والبريطانية، خصّت خالها بكتيّب ألفته عنه، وقالت في إحدى صفحاته إنها كانت تستمع إليه مع اثنين من الأطفال، وهو يعزف ويشرح لهم، كان حديثه حالما رقيقا، وروحه شفافة ساحرة، ونغماته عذبة، يغني مع العزف بصوت قوي وعميق، ثم يحكي قصصا عن الأوبرا وسيّر مؤلفي الموسيقى العظام، فيحزن الأطفال على موزارت الذي مات ولم يشارك في جنازته أحد، ويبكون لإصابة بتهوفن بالصمم. كان لويس يمثل أمامهم أدوار كل الشخصيات، ويتفاعل معها ويغني ويرقص سابحا بيديه في الهواء، أو طارقا بقدميه على الأرض وهو يؤدي رقصة الفلامنكو بوجه متجهم يعبر عن القوة والعزيمة، وكأنّه أمام جمهور عريض وليس أمام ثلاثة أطفال وحسب.

يذهب لويس يوميا ومعه الصغار إلى حديقة الملك غازي (حديقة الأمة) وكان يكتشف فيها في كل زيارة نبتة أو زهرة جديدة أو طائرا مهاجرا، ولم يكن يتوقف عن الإشارة إلى الأطفال الذين يتبعونه بالصمت، واضعا سبابته على فمه ويهمس:

تنعموا بنغمات الطبيعة وشدو البلابل وحفيف أوراق الشجر، فإنها تأتي من السماء كي تسمو بأرواحنا…

تتلمذ لويس على يد الأستاذ حنا بطرس في معهد الفنون الجميلة، وتخرَّج في فرع الترومبون وتعيّن في المعهد نفسه سنة 1954 وأصبح مدرسا لآلة الترومبون ومادة الإملاء الموسيقي. وصار يأخذ معه الصغار الثلاثة إلى هناك، ويخاطبهم في الطريق:

حين نصل إلى المعهد اجلسوا في أماكنكم بهدوء وسكون لكي تتمتعوا بالموسيقى، فهي هبة لا يملكها سوى الإنسان.

ويعزف لويس الضئيل الجسم على آلة الترمبون الضخمة الفضية اللامعة، فيختفي خلفها ولا تستطيع أمل رؤيته، لكنها على أي حال تسمع عزفه الساحر، الذي يتناغم مع الضربات الرقيقة لمفاتيح البيانو التي تبدعها أنامل بياتريس أوهانيسيان العازفة العراقية الأرمنية المعروفة. وفي كل مرة يعزف فيها لويس أو يحاضر، يظهر عليه الانفعال والعصبية، ويرتجف كأنه يمر بأزمة أو بنوبة، بسبب حماسته الزائدة، ولذلك لا يثير الجمهور ولا يعجبه، لأنه ببساطة لا يفهمه، والفكرة الوحيدة التي يحملها عنه أنه رتيب وممل، فيما يعتقد لويس أن هذا الجمع من المستمعين مجموعة من الأغبياء لا يفقهون الموسيقى ولا يهتمون بها ولا يرتقون إليها، فالموسيقى قدرة إلهية سماوية لا يتمتع بها سوى البشر المميزين الأقرب إلى الله.

اصطحب لويس الأطفال الثلاثة إلى السينما واشترى لكل منهم صمونة (نوع من أنواع الخبز) حارة، وحين خرجوا كانت الشمس قد مالت إلى الغروب. مشى أمامهم ومشوا خلفه بسكون حتى وصل إلى محل تسجيلات في حافظ القاضي، ووقف عند عتبته وتطلع إلى الداخل، ثم سأل البائع: (هل وصلتكم اسطوانات موسيقية جديدة؟). وحين أجابه البائع سلبا بإشارة من إصبعه، لوى لويس عنقه بعدم رضا ومشى مسرعا والأطفال يهرولون خلفه، وعبر معهم إلى الجهة الأخرى من شارع الرشيد ودخل إلى (مكتبة مكنزي). بقي فيها وقتا طويلا يسحب كتابا من الرف ويقرأ بعض سطوره ثم يعيده إلى مكانه. قال للأطفال وهو يعرض عليهم بعض الصور في مجلة أجنبية:

هذا بتهوفن، وهذا باخ، وهذا برامز.. سأريكم في مجلة أخرى صور موزارت وهايدن وهندل…

يؤكد العازف الموسيقي والباحث باسم حنا بطرس وجود قطع موسيقية من تأليف لويس زنبقة، ففي عام 1952 أقيمت في كركوك جلسة استماع لمقطوعة من تأليفه عزفها بنفسه على البيانو، كما عزفت له الفرقة السمفونية قطعة موسيقية أخرى من مؤلفاته.

انقطع لويس عن التدريس في معهد الفنون الجميلة وغادر بغداد إلى فيينا عام 1955 لإكمال دراساته العليا في الأكاديمية الموسيقية النمساوية. وبعد ثلاث سنوات قامت في العراق (ثورة) 14 تموز/يوليو 1958،. كانت لدى الزعيم رغبة عارمة في إزالة الأسماء والرموز الملكية من البلاد واستبدالها بتسميات جمهورية جديدة، من بينها النشيد الملكي الذي وضعه الضابط الإنكليزي المشرف على موسيقى الجيش الكولونيل غولدفيلد Col Goldfield كان لويس آنذاك يواصل دراسته في فيينا، ولم تمض سوى أيام على سماعه عن تلك الرغبة، اتصل بعدها بموظفي السفارة العراقية في فيينا وعرض عليهم نوتة موسيقية ومعها تسجيل صوتي كامل للسلام الوطني الجمهوري الذي قام بتأليفه، وعزفه له زملاؤه في الأكاديمية الموسيقية النمساوية، وأرفق مع ذلك كتاب إهداء للجمهورية وللزعيم عبد الكريم قاسم الذي وافق عليه على الفور، وأمر باعتماده سلاما جمهوريا بدلا من النشيد الملكي السابق.

لقد كانت تلك فترة ذهبية في حياة لويس زنبقة، فتحت له فيها أبواب النجاح على مصاريعها، وقدم إلى العراق يغمره شعور لذيذ بالحماسة والقوة. كان قلبه طافحا بالحب والامتنان لهذه البلاد الجميلة ولزعيمها.. لقد تيقن أن مستقبلا زاهرا ينتظره وينتظر العراق تحت قيادة الزعيم. قال لأفراد أسرته وهو يدفع الباب ويدخل منتشيا:

حلم عمري تحقق.. لقد أنجزت عملا موسيقيا خالدا.. والأهم من ذلك أني سأقابل الزعيم عبد الكريم قاسم غدا…

أدخل لويس على زعيم الثورة عبد الكريم قاسم بسرعة وسهولة، ووقف له الزعيم مبتسما مرحبا، حياه وأثنى على عمله الموسيقي الفذ، ومنحه مبلغ ألف دينار، كانت تعادل ثروة حقيقية آنذاك، وأمر بإدراج اسمه ضمن البعثات الدراسية خارج العراق على نفقة الدولة، ثم أهداه صورته وعليها إمضاؤه مع إهداء خاص له. ومنذ تلك اللحظات تربع الزعيم عبد الكريم قاسم في قلب لويس واحتل كيانه وتفكيره، وأخذ يلهج بذكره ليل نهار، بمناسبة ودون مناسبة، ويجن جنونه حين يسمع أحدا يتكلم عنه بسوء. وقع لويس بحب إحدى الفتيات، وصارحها بحبه، فقالت له إنها مخطوبة لشاب آخر تحبه، واقترحت عليه أن يتزوج من اختها الصغرى (ثريا) التي تشبهها، فوافق على ذلك مرددا مع نفسه: (المهم إنها عراقية). وتزوج سريعا بمباركة الأسرة التي أمّلت خيرا من هذه الزيجة، متمنية عودة ابنها إلى استقراره النفسي بعد أحداث مروعة مرت على العراق بعد أقل من سنة على قيام الثورة، وغادر مع عروسه إلى فيينا، لكن ثريا لم تستطع مواصلة الحياة في بلاد الغربة وفي الجو الانعزالي الذي فرضه لويس ذو الشخصية المتذمرة والمنفعلة على نفسه، فتركته مع آلته وكتبه وعادت إلى بغداد. وبقي هو في فيينا يعاني من ألم الوحدة والصدمة. وحاول أن يواري ذلك خلف العزف والدراسة، لكن الإحباطات توالت، وكان يصاحبها تراجع شعبية عبد الكريم قاسم إلى أدنى مستوى، فأصبح لويس فريسة للنوبات العصبية وتداعياتها، دون أن يكون هناك من يسنده ويشد إزره ويعطيه ما يستحق من الحب والرعاية والاهتمام سوى ابنة اخته أمل بورتر التي كانت تسافر إليه وتخفف من معاناته.

في 8 شباط/فبراير 1963 أطاحت (ثورة) أخرى بالزعيم عبد الكريم قاسم، وتمّ قتله على يد رفاقه الذين كانوا قد شاركوه في إسقاط النظام الملكي ولم يشركهم في الحكم. وتكرر المشهد الدموي السابق والرغبة بتبديل الأسماء القديمة بأسماء (ثورية) جديدة وإلغاء العلامات والرموز الوطنية السابقة مثل العلَم العراقي، وشعار الدولة، والسلام الجمهوري. وسمع لويس وهو في فيينا أن زعماء الانقلاب الجدد أمروا بإلغاء النشيد الذي لحنه واعتماد نشيد (والله زمن يا سلاحي) للملحن المصري كمال الطويل، الذي كان قد اعتمد نشيدا وطنيا لجمهورية مصر العربية منذ عام 1960… لقد هزت هذه الأخبار لويس هزا مريعا وجعلت حالته النفسية تسوء أكثر وأكثر.

هكذا اختفى لويس وضاع أثره.. خسر موهبته وخسر نفسه جراء حشرها في مواقف سياسية في بلد ضائع لا يعرف الاستقرار، وشعب لا يضع لمثقفيه وفنانيه أي اعتبار، وهم أس الحضارة ورمزها ووجهها.

عن (القدس العربي)