ذكريات بغدادية في يوم 14 تموز 1958

ذكريات بغدادية في يوم 14 تموز 1958

مهند البراك

في فجر الرابع عشر من تموز ذلك العام، وفيما كان ضوء الفجر يبدأ بالظهور، حين كنا نبحث بين تخوت مقهى محمد راغب الشهير بـ " محمد الكاولي "، عن العلب الفارغة في الساحة الخارجية للمقهى الكبير..

جاءت مجموعة ملثمة بكفيّة الرأس من ثلاثة شباب ولصقت صوراً لم تكن واضحة كثيراً لضابط كبير كما ظهر من نجماته الظاهرة في الصور حاسر الرأس، كما شاهدناها بعيوننا ونحن كامنين تحت التخوت.. لننط من مكاننا بعد ان اكملوا وشوشاتهم مع " محمد راغب " الذي كان يراقب لهم الفرع الرئيسي المؤدي الى بداية الجسر الجديد آنذاك " جسر الأئمة ".. ثم ذهبوا بخفة وبكل هدوء مع علبة اللاصق التي حملوها.

اقتربنا من الصور لنرى لمن تعود، واستطعنا بمساعدة ضوء مصابيح الشارع التي كانت لاتزال مضيئة ان نراها ونقرأ ما كان مطبوعاً تحتها.. فقرأنا تحت الصورة " الزعيم الركن عبد الكريم قاسم القائد العام للقوات المسلحة في الجمهورية العراقية "... بينما صاح محمد الكاولي بصوت هامس يشبه الفحيح العالي النبرة بين صوت الراديو الذي كان يبث آيات من القرآن بصوت عبد الباسط عبد الصمد:

يا ولد صارت ثورة!!.. خبّروا اهلكم!!.. عدت بسرعة لأخبّر والدي الذي ولمفاجئتي التقيته وهو يخرج طائراً من الفرح من البيت وكان يصيح:

" انتصرت الثورة.. انتصرت!! " ابني خبّر والدتك ان استيقظت ان لاتقلق قد لا اعود اليوم مساءً.. ابني خليّها هسّه نائمة لاتصحيّها "!

....

ومع اكتمال ضوء الصباح خرجت مع محمود وصبيان المحلة الآخرين، في وقت بدأت فيه اذاعة بغداد تبث نشيد " الله اكبر فوق كيد المعتدي " و مارشات عسكرية وبيانات تعلن عن قيام الجمهورية وانتهاء الملكية وتطلب من الناس الخروج الى الشوارع لدعم الثورة!! فيما صارت اصوات المدفعية والقذائف تُسمع بوضوح اكبر، بعد ان سمعناها آتية من بعيد و لم نكن نعرف ماهيتها ولم نعرف تفسيراً لها منذ ان بدأت بالدوي، لأننا لم نسمع مثلها قبلاً!

وعلى منطقنا الصبياني كنا نتساءل ونحلل " ايها افضل.. ملكية لو جمهورية؟ ايها احسن واقوى؟ وكنا نجيب الجمهورية احسن! الجمهورية اكبر! لأن روسيا وفرنسا والصين جمهورية بينما بريطانيا مملكة.. شوفوا مصر صارت جمهورية! "

وصلنا الى مدخل سوق الشيوخ المسقّف القديم من جهة الجسر، لنطل على " شارع الأمام الأعظم " الرئيسي وحيث يبدأ جسر الأئمة (رأس الجسر) شاهدنا ولأول مرة في حياتنا " دبابة ".. وكانت في الحقيقة سيارة مدرعة محملة بالسعف والورود وبالناس الفرحين الهازجين المليئين بالفرح و الهاتفين " يسقط الأستعمار والرجعية "،" عاشت الجمهورية "،" الموت لنوري السعيد، الموت للوصي عبد الإله "!!

ثم اخذنا نسمع الهوسات الحماسية لآلاف مؤلفة من البشر قادمة على الجسر من الكاظمية وهي تهتف " جيش وشعب وايّاك يا قائد الثورة "، " سنة وشيعة ايد بايد من اجل الشعب السعيد "، " كلنا جنودك يازعيم ".. لتمر المسيرة الهائلة امامنا التي كانت تدعو الى السير نحو باب المعظم، بعد ان التحم بها قسم من جموعنا.

شاهدنا ناس متجمهرين على واجهة محل لتصليح الراديوات والتلفزيونات وكانوا يسبّون ويشتمون حيث كانوا يشاهدون صوراً فوتوغرافية بلقطات مختلفة عُرضت على واجهة المحل الزجاجية، كانت تعرض لقطات متنوعة لنساء ورجال انكليز يتضاحكون مع عدد من رجال الحكم الملكي في حدائق وفي بلكونات لأبنية اوربية الطراز، واستمر الهرج والصياح والشتائم، فيما كان صاحب المحل يصيح:

الخاطر الله... ديروا بالكم لاتتدافعوا على الصور والاّ حطّمتم الواجهة الزجاجية!!

سارت جموعنا بمحاذاة " جامع الأمام الأعظم " على طريق " الحمّام القديم " لينثر اصحاب المحلات ما لديهم من حلوى و حامض حلو علينا.. و من مأكولات ملفوفة بورق ومكسّرات، و على الجميع مجانا، والبعض نثر حتى مسكوكات نقودهم علينا.. لتنهال علينا انواع اغلى من الحلوى والشكولا من محلات لطوّفي كاكا والنقود والصمون الحار ولنستلم انواع البقلاوات والزلابيا والسندويج الغالي الثمن مجاناً.. وسط اهازيج واغاني ودعوات وتكبير " اكلوا يرحمكم الله.. فدوه (فداء) للشهداء فدوه للسجناء "!

كانت الجموع تتزايد بالتحاق جدد بها من محلات الحمّام والحارة... ثم من رأس الجسر القديم و محلة السفينة وازقتها ومقاهيها الى حدائق المقبرة الملكية حين صعد " عوسي الأعظمي " يحيي الجماهير بآلته الموسيقية ذات وقع الطبلة من على اعلى عمود كهرباء مشبّك مطل على ساحة الشباب.. ووصلت الجموع مقابل المقبرة الملكية ووقفت مجموعة من المتظاهرين تريد تحطيم ابوابها فاوقفهم عدد من النواطير من اهل المنطقة اضافة الى عدد من رجال الدين الذين هرعوا لحماية " قدسية المقابر و الأموات " و محذّرين من " انتقال آثامهم اليكم "..

ثم حيّا الركب المستمر باهازيجه وبابيات من شعر الجواهري الكبير المُذكّرة بالشهداء:

يومَ الشهيد: تحيةٌ و سلامُ... بك و النضالُ تؤرخ الأعوامُ

و اهازيجه المشيدة بالشعب والوطن.. حيّا الطلبة المتواجدين في ذلك الصيف في الأقسام الداخلية العائدة لـ " كلية الملك فيصل" التي صارت لاحقاً " دار المعلمين الأبتدائية "، الكلية التي قاد طلبتها العديد من المظاهرات و النضالات والأضرابات مشتبكين مع رجال الشرطة، من اجل الشعب و حقّه بالحياة.. و التي قدّمت العديد من الشهداء وسجناء الرأي وخرّجت عديد من الوجوه والشخصيات السياسية لكل القوى الوطنية العراقية بكل اطيافها...

وطافت المسيرة بشارع الشباب.. شارع تتويج الملك فيصل الثاني و زيارته مع خطيبته للمقبرة الملكية حين حمل اختي سوسن ذات الثلاث ربيعاً من يدي، شارع المظاهرات والأشتباكات والأضرابات العصية على الشرطة.. وفيما كنت مع المتظاهرين تذكّرت حدثين وقعا لي ولاانساهما في ذلك الشارع.. الأول احداث انتفاضة 1956 في الأعظمية و رمي المتظاهرين بالرصاص و الهجوم بالسكاكين على طلبة كلية الملك فيصل، و هوسة:

الله واكبر ياعرب القاهرة حرقــــوها

وارتجّت اركان السما وبور سعيد نهبوها

و الثاني: القنابل المسيلة للدموع، و قنابل الغاز التي افقدتني الوعي، وسط اضراب كلية الملك فيصل و اعدادية الأعظمية للبنين، ثم ثانوية الأعظمية للبنات.. في الذكرى الأولى للعدوان الثلاثي..

و لتستمر المسيرة و تلتقي في ضحى ذلك اليوم الجميل في رأس الحواش بجموع هائلة اكبر قادمة من جهة الكاظمية ايضاً ولتتوحد بها، ليبدأ القراّءون بقراءة البيان الأول للثورة بالترديد المرتفع الصوت لأذاعة البيان الأول من الأذاعة العراقية. وبدأت الناس ترفع صوراً لضباط جدد معروفين لها ومن ابنائها في الأعظمية و غيرهم.. فارتفعت صور العقيد رفعت الحاج سري وصور المقدم وصفي طاهر اضافة الى العقداء عبد السلام عارف والمهداوي.. اضافة الى عقداء المربع الذهبي الشهداء صلاح الدين الصباغ و كامل شبيب ورفاقهما الذين اعدموا مطلع الأربعينات. وكانت الناس تتساءل وتجيب عن هويات الضباط الجدد و من هم، و زاد فرحها بعد ان عرفت انهم من اوساطها الكادحة والفقيرة والمتوسطة..

لقد انتصرت الثورة وانطلقت الجماهير العراقية بعربها وكردها وكل قوميّاتها، باسلامها ومسيحييها واديانها، وبكل طوائفها وكل قواها السياسية رجالاً و نساءً، انطلقت بفرحها واعراسها، فرحها بما سيحمله الغد بلقاء الأحبة من سجناء العمر،الذين شابَ اكثرهم خلف القضبان، فرحها بعودة المنفيين والمهاجرين، وبفجر جديد يطلّ بعد طول نضال وتضحيات جسيمة، وبنهاية الطغاة الذين حوّلواَ ضياء العراق الى ظلام وجهالة وفقر.

كانت الناس تردد، لقد انتهى الحكم الملكي وقضي على فكرة (الحكم حق مقدّس) مقصورعلى النخبة المصطفاة، الفكرة الأساسية في انظمة الحكم الأقطاعية الدينية، التي استغلّها العثمانيون اسوأ استغلال في تثبيت حكمهم واخضاع الشعوب، وكرّسها البريطانيون بعد انتصارهم في الحرب العالمية الأولى، بتصعيدهم و تقريبهم لعدد من العوائل ذات النسب الديني، و ما اعيد صياغة قسم منه، او رُسمت صور جديدة لأنساب بعضها الآخر، بعد ان تجاوزها الشعب..

لتلتقي الأمواج المتلاطمة بعد الظهر في الباب الشرقي، مع الأمواج والحشود البشرية القادمة من الكرخ والصالحية عبر جسر الملكة عالية (جسر الجمهورية لاحقاً) والحشود الأخرى القادمة من جهة المحلات المحيطة بساحة السباع و شارع غازي (الكفاح لاحقاً)..