نص نادر عن إنتحار عبد المحسن السعدون

نص نادر عن إنتحار عبد المحسن السعدون

إعداد: ذاكرة عراقية

1ــ2

يا للمصيبة!

أطلق عبد المحسن بك السعدون رصاصة على قلبه في نحو الساعة العاشرة إلا ربعاً من مساء ال ١٣ من تشرين الأول المنصرم فتردد صداها في الديار الضادية اللسان ولا يزال يتردد إلى هذه الساعة، بل سيتردد إلى آخر الدهر للأسباب التي حملته على هذا الانتحار الذي لم يسبق له مثيل.

ونحن ندرج هنا ما كتبه صديقنا الفاضل سليم حسون في(العالم العربي) ثم نشفعه بما كتبه الشيخ علي الشرقي في جريدة (البلاد) وقد جاد علينا صاحبها بإعارته إيانا صورة الراحل العظيم مع مثال ابنه المتغرب في انكلترة لتلقي العلوم وابنه الآخر واصف بك الدارس في بغداد ورسم فهد باشا السعدون والد فقيدنا العظيم، فنشكر صاحب (البلاد) على هداياه ومكارم أخلاقه.

قبل الانتحار وبعده

قبل الفاجعة بيوم واحد

أخبرنا بعض زملاء المغفور له عبد المحسن بك السعدون انه كان بعد عصر نهار الثلاثاء (١٢ - ١١ - ٢٩) في بناية حزب التقدم يتكلم على عادته، في حديث خاص مع جماعة من الرفقاء وهم خالد بك سليمان، وعز الدين النقيب، وعبد الرحمن المطير، وزامل المناع.

ثم دار الحديث حول الجلسة النيابية التي كانت قد عقدت قبل يوم، واشتدت فيها المعارضة العنيفة على المنهاج الوزاري، فبدأ التأثر يلوح على وجه المرحوم، ويمحو من ثغره الابتسامة اللطيفة المعتادة وإذا به - رحمه الله - يقول في ضيق وهدوء: (انتم يا حزب الأكثرية، لم تعاونوني في الجلسة النيابية الأخيرة!).فقالوا له: (لقد تذاكرنا في الحزب، وقررنا موافقين على جواب خطاب العرش... وكانت هيئة الحزب العامة معكم... فقررت التصويت على قبول جواب الخطاب... وهكذا تم، ولم ير أفراد الحزب من الموافق أن يدافعوا عنكم فأنكم كنتم أقوياء وقد ظهرت النتيجة في التصويت). قال - رحمه الله – (نعم ولكني كنت أحب أن يتكلم بعضكم ويرد على المعارضة لأن الناس - كما تعلمون - عقولهم في عيونهم!...).

ثم تبدل الحديث وشرع - رحمه الله - يبحث في شأن جنينة بناية الحزب ووجوب تزيينها بالزهور، وأرسل في طلب زهور مزروعة في الأواني من بيت سركيس فجيء بما طلب. ثم ذهب إلى النادي العراقي كعادته.

في نهار الأربعاء، قبل ساعة الانتحار

في عصر الأربعاء - يوم الانتحار - كان - رحمه الله - في بناية الحزب وجرى له مع رفاقه حديث خاص، أشبه بالحديث الذي ذكرناه أعلاه وكان التأثر أيضاً باديا على ملامحه، ثم ذهب وإياهم إلى النادي العراقي مشياً.

ولعب (لعبة الرامي) مدة قليلة من الزمن، وفي أثناء اللعب تقدم إليه خالد سليمان، وقال له: (أنا رائح إلى البيت، أتحب أن نروح سوية؟) أجابه المرحوم: (كلا أنا أريد أن أبقى هنا، بضع دقائق أيضاً).وقاربت الساعة أن تدق الثامنة زوالية مساء... فضحك المرحوم ملاحظا خالدا وقال: كان خالد معي في المدرسة ولكنه كان له شوارب كبيرة.

فقال خالد ضاحكا: أي نعم كانت شواربي كشوارب (قوجاغلي) الذي كان يلف شواربه حول أذنيه.وضحك الجميع في أنس وطرب، وذهب خالد بك إلى البيت في محلة البتاوين، على طريق بيت السعدون في الكرادة الشرقية.

آخر طعام وكلام مع العائلة

بعد أن قام خالد بك سليمان ببضع دقائق، ترك عبد المحسن بك أيضاً النادي وعاد إلى داره، وتعشى مع حضرة قرينته وابنته الكبرى الآنسة عائدة وعمرها ١٥ سنة وابنه واصف وعمره ١١ سنة وابنته الصغيرة نجلاء وعمرها ٩ سنوات.وكان حديثه مع قرينته وأولاده في ذلك العشاء الأخير، على جانب عظيم من اللطف لم يسبق مثيل!... من ذلك أنه قال لزوجته: ما بالك لا تقيمين مأدبة شاي لقرينة المعتمد السامي؟.

قالت: أنا منحرفة المزاج منذ ١٢ يوما، وطباخنا قد ترك وظيفته، ولا أحب اشتراء الحلويات من السوق، إنما أوثر أن تصنع في البيت عادة... ولهذا السبب أرجوك أن تعذرني الآن...

فابتسم وقال على سبيل المداعبة والملاطفة (أنك لا تقبلين فكري!).

قالت وكيف لا أقبل فكرك؟ أنا دائما أقبل فكرك!.

قال: أي نعم أنا أقر بهذا، وبأنك تعملين دائما بحسب فكري!..

وكذلك داعب أولاده ولاطفهم بمزيد الشفقة كأنه يودعهم وهم لا يدركون!.

آخر كتاب كتبه لابنه وللأمة جمعاء

ثم دخل إلى مكتبه الكائن إزاء غرفة الطعام ودخلت العائلة والأولاد إلى إحدى غرف الحرم.

وظل - رحمه الله - في مكتبه مدة من الزمن كتب في أثنائها كتاب وصيته إلى نجله علي بك الدارس في معهد برمنكهام في إنكلترا، والله وحده يعلم العواطف العجيبة الفائقة الوصف التي بها تخيل ابنه أمام عينيه في ساعة الانتحار، فكلمه بقلبه. فضلا عما قاله له بقلمه المرتجف في تلك الدقيقة الرهيبة التي كانت آخر مسافة بين حياته الفانية وحياته الأبدية الخالدة.

الكتاب الخالد الذي أصبح ميثاق الأمة العراقية

هذه هي ترجمة كتاب الوصية الذي كتبه فقيد الوطن لنجله علي بك:

عيني ومدار استنادي بني علي:

اعف عني من أجل الجناية التي ارتكبتها، لأني سئمت هذه الحياة وضجرت منها، لم أر

من حياتي لذة ولا ذوقاً ولا شرفاً، الأمة تنتظر الخدمة، الإنكليز لا يوافقون، ليس لي ظهير، العراقيون الذين يطالبون الاستقلال ضعفاء وعاجزون وبعيدون كثيراً عن الاستقلال، هم عاجزون عن تقدير نصائح أمثالي من أصحاب الشرف، يظنونني خائناً للوطن وعبداً للإنكليز، ما أعظم هذه المصيبة! أنا الفدائي لوطني الأكثر إخلاصاً قد صبرت على أنواع الإهانات وتحملت أنواع المذلات، وما ذلك إلا من أجل هذه البقعة المباركة التي عاش فيها آبائي وأجدادي مرفهين.

يا بني أن نصيحتي الأخيرة لك هي:

(١) أن ترحم أخوتك الصغار الذين سيبقون يتامى، (وتحترم والدتك) وتخلص لوطنك.

(٢) أن تخلص للملك فيصل وذريته إخلاصاً مطلقاً.

أعف عني يا بني علي!

عبد المحسن السعدون

وكان رحمه الله قد أرسل إلى نجله علي بك في النهار عينه بكتابين آخرين مسجلين ولكن أحدهما كان من الآنسة عائدة ابنته الكبرى.

الانتحار

بعد كتابة الكتاب خرج - رحمه الله - من مكتبه وأخذ يصعد إلى الطابق الأعلى، فرأته حضرة قرينته يمشي ويصعد منزعجاً انزعاجاً غريباً، وقالت بعد الفاجعة ما ملخصه:

(ما رأيته قط يمشي مثل تلك المشية، فساورني الرعب فتبعته إلى غرفة النوم فرأيته يحشو المسدس! فركضت مسرعة إليه وقلت له: أواه! ماذا تعمل؟ ولأي سبب تعمل هذا؟ فقال لي: دعيني! قلت: لا والله لا يمكن أن أدعك! فان كنت تريد أن تعمل شيئاً فاقتلني، اقتلني أولاً يا سيدي!... قال: دعيني وإلا قتلتك!... فصحت به مذعورة باكية: اقتلني! وقبضت على يده فحاول التملص مني، وتوجه إلى باب الشرفة (البالكون) فأوشك أن يصل الشرفة وأنا ماسكة يده اليسرى، وفي اعتقادي أني مانعته بهذه المسكة. ولكن - ويا للأسف - كان المسدس في جيبه الأيمن وهو قابض عليه بيمناه وأنا غائبة عن رشدي، وما أفقت إلا وصوت الطلقة النارية يدوي في الشرفة وكانت رجله الواحدة في الغرفة والأخرى في الشرفة، فوقع على الحضيض!.

وعلى صوت الطلق الناري أسرع الشرطي أمين الذي في دار الفقيد العظيم، فرفعه ووضعه في فراشه في الغرفة، وتراكض الأولاد فتواقعوا هم ووالدتهم عليه يقبلون يديه ورجليه ويبكون.

مجلة (لغة العرب) العدد الاول لسنة 1930