نعوم تشومسكي وفلسطين

نعوم تشومسكي وفلسطين

يوسف القعيد

الكتاب ترجمه المثقف العربى سالم عادل الشهاب، وصدرت طبعة مصرية منه. والمترجم يرى أن ترجمة الكتاب لا تكمُن فى أنه يقدم حلولا ومعالجات للقضية الفلسطينية فحسب. بل فى تحليله واقع النزاع داخل إسرائيل. كذلك تكمن أهميته فى عرضه مقاربة بين الحالتين:

جنوب إفريقيا وفلسطين على أنهما قضيتا صراع ضد الإمبريالية وأنظمة الفصل العنصرى. كما يشارك مؤلفه تجربته داخل المجتمع الإسرائيلى وخارجه. وأهم التحولات التى طرأت على الرأى العام الأمريكى بشكل خاص مؤخرا. بما فى ذلك الأوساط الأكاديمية التى تبدو أكثر تقبلا للطرح المناهض لنظام الفصل العنصرى من ذى قبل.

الكتاب يُعد الأشد ارتباطا بأحداث العالم العربى اليوم من أى وقت مضى. للكتاب مؤلفان: نعوم تشومسكي، وإيلان بادية. ويطرحان الكثير من الأسئلة المهمة حول وضعية فلسطين فى الواقع الثقافى والفكرى والسياسى الموجود فى الغرب الآن. ويقرر المؤلفان أننا نولد بعاطفة الكرم والحب للآخرين، وأننا جميعا يحركنا الظلم والتفرقة فى الداخل. ويعترف المؤلفان بأنهما كانا يتواصلان بالبريد الإلكترونى. لكنهما اكتشفا خلال لقاء فى بروكسل أن العمل على كتاب "أزمة غزة" هو أن الرسائل الإلكترونية بينهما لم تكن تفاعلية. كان أحدهما يجيب على قائمة من الأسئلة فقط. وكان الثانى يفعل المثل. ولهذا ومن أجل الكتاب الذى بين أيدينا قررا التقابل وجها لوجه بعد مرحلة من المراسلة عن طريق البريد الإلكترونى. وبعد أشهر من المراسلات التقيا فى واشنطن خلال التحضير للعمل. كان الأفضل لهما البدء بالماضى رغم أن معظم المحللين ينظرون دوما إلى الوقت الراهن والتفكير فى المستقبل، لأن النظر إلى الماضى يتطلب العودة إلى 1948 عندما حدثت النكبة والتطهير العرقى لثلثى السكان الذين تم طردهم من فلسطين التاريخية لإيجاد مساحة كافية لإقامة دولة جديدة هى العدو الإسرائيلى.

إنهما يتحدثان عن الماضى البعيد فقط. ولكن عن قرونٍ مضت فهو الماضى القريب والحاضر لجميع الفلسطينيين. وركزا على المجتمع المدنى وقدرته على التأثير وإحداث التغييرات الجذرية على السردية والسياسات الفعلية فى أرض الواقع من أجل إعادة فلسطين على الخريطة مجددا. إنهما يتحدثان عن المستقبل عندما يطرحان أسئلة: ماذا بعد اليوم؟ ما الذى تعنيه فى الواقع عبارة فلسطين حرة؟ وما هو الشكل الممكن للدولة؟ هل إقامة دولة واحدة هو الحل؟ كيف يمكن للفلسطينيين والإسرائيليين أن يتشاركوا فى دولة واحدة؟ وما هو الدستور الذى من المطلوب أن تتم صياغته؟

هذا رغم أن الواقع الراهن للقضية الفلسطينية يتطلب التركيز على الحاضر. فالوضع يزداد سوءا كل يوم على أرض الواقع. يعترف المؤلفان بأن ثمة شيئا جعلهما يرجعان إلى الحاضر مكرهين: اضطهاد إسرائيلى آخر فى غزة جرى بعد فترة وجيزة من تسليم مسودة الكتاب إلى الناشر. عادت إسرائيل إلى نهجها من جديد الذى يطلق عليه المؤلفان: جز العشب، كما يطلقان عليه "قصف شديد" على السكان المحاصرين ممن يتولون حصارهم بدعم من الدول الغربية. كانت إسرائيل تقصف 2٫4 مليون نسمة فى قطاع غزة، وهكذا أصبحت الكتابة هى رد فعل ربما بدت غير مناسبة لهول ما يجرى. قد لا تكون الكتابة مهمة حين تكتب وأنت تشعر بالغضب الشديد وعدم الجدوى. ولكن المؤلفين شعرا بهما عندما رآ العديد من الأصدقاء المقربين وهم يشاركون فى المظاهرات والعصيان المدنى فى كل أنحاء العالم. وقد أعطاهما ذلك القوة والإيمان مع أشخاصٍ رائعين مثلهما. قد لا يكون هذا النضال من غير نهاية أو نتيجة. ومع هذا كانت الكتابة أمرا أساسيا. فهما يحلمان بأن يسهم الكتاب فى تحدى إعلام الحكومات ونقله الأحداث الذى يعاد بشكل لا نهائى من خلال الإعلام الخاص الذى يساعد فى تبرير جرائم الاحتلال الذى تحاول شل حركة الشعب الفلسطينى.

القضية الفلسطينية ليست إلا تجسيدا لكل ما هو خاطئ فى العالم. الدور الذى تؤديه الحكومات، بعض الحكومات الغربية يتواطأ مع الشركات والمؤسسات التى تحاول أن تجعل من القضية قضية خاصة جدا. إن إسرائيل تستفيد من خرق القوانين الدولية. ويتم استقبالها بالسجاد الأحمر من الغرب. وهذا يعنى أن للجميع دورا فى محاولة إنهاء الظلم الذى يواجهه الفلسطينيون. إن لغياب العدالة فى فلسطين أثره فى جميع أنحاء العالم. وهكذا أصبحت قضية يهتم بها كل من يعتبر نفسه بشرا. وتصبح قضية عالمية. وعلى كل الحركات التى تقاتل من أجل العدالة الاجتماعية أن تتبناها. الخطوة التالية تكمن فى ربط النقاط ببعضها البعض من الحركات والنضالات المتنوعة وإيجاد جبهة موحدة تؤكد أن من يرفضون هذا الكيان كثيرون وأنهم لا بد سينتصرون فى النهاية.

نعوم تشومسكي ألقى خطابا فى الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 14 أكتوبر 2014، أى منذ عشر سنوات مضت. ونص الخطاب موجود فى الكتاب. يؤكد فى كلمته أن الصراع الإسرائيلى الفلسطينى ليس واحدا من مشاكل العالم فقط. بل إنه على النقيض منها تماما. والخطوط العريضة تجعل أن الحل ممكن شريطة أن يقف العالم موقفا واحدا. هذا الكتاب كان لابد من ترجمته لأنه يتحدث بعدالة وإنسانية عن قضية عصرنا كله مخاطبا الغرب، وما أدراك ما الغرب؟.

· عن جريدة ه الاهرام