نعوم تشومسكي: زيارتي إلى غزة، أكبر سجن مفتوح في العالم

نعوم تشومسكي: زيارتي إلى غزة، أكبر سجن مفتوح في العالم

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مقدمة

يسوّق العدو الصهيوني هجومه على الفلسطينيين على أنه شيء بدأ، يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وتسانده في ذلك المؤسسة الإمبريالية الغربية: (الإرهابيون) الفلسطينون هم الذين "بدأوا" بمهاجمة ما تُدعى "إسرائيل".

وليس هذا جديدًا على عبث الكيان الصهيوني بالمراحل. كانت الحرب الاحتلالية التوسعية في العام 1967، كما سوقها -ونجح في ذلك إلى حد كبير- هي بداية الصراع.

وبذلك، نُسيت نكبة الفلسطينيين الأصلية في 1948، وأصبح القاصي والداني يطالبون للفلسطينيين بأراضي الـ67 كحل يصفونه بأنه "عادل وشامل"

والآن، ربما تُختزل المطالبات مرة أخرى إلى مجرد إعادة الأراضي التي احتلها الكيان في غزة وإعادة المهجّرين إلى منازلهم في القطاع، والأراضي التي يغتصبها المستوطنون في الضفة الغربية!

ما تزال المشكلة الكبيرة التي تعترض السرد الفلسطيني هي التجزيء والاستلال من السياق الذي يستغله الكيان ومناصروه، في الإعلام والسياسة، بأفضل ما يكون.

ومن المؤسف أن الرواية العربية السائدة تساير هذا النهج وتتبناه في إعلاناتها. وكان آخر ذلك الإدانات التي صدرت لعملية ""حماس"" والمقاومة في 7 تشرين الأول (أكتوبر).

وقد وافق كل المداخلين لصالح رواية الكيان على أن الفلسطينيين هم المعتدون، وتناسوا عن قصد غير بريء موضع هذه الحادثة في سياق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني مقابل شعب خاضع للاستعمار يمارس حقه المشروع دوليًا في مقاومة الاحتلال.

في سياق الصراع الجاري الآن في غزة، ينبغي العودة إلى مرجعية السياق. والكثيرون يفعلون؛ البعض بعودة إلى البدء في العام 1948 وقبله، والبعض أقرب -إلى العدوان المستمر على قطاع غزة في شكل الحصار الخانق الذي فرضه الكيان الصهيوني على القطاع منذ 17 عامًا. وبالإضافة إلى تقييد دخول وخروج السلع والناس إلى القطاع ومنه، استمر الكيان في شن الحملات العسكرية المدمرة والقاتلة التي يسميها بـ"جز العشب" وفرض حمية غذائية قاسية على سكان غزة ليعيشوا على الخط بين الحياة والموت جوعًا.

قبل 12 عشر عامًا تقريبًا، قام المفكر اليهودي-الأميركي الكبير، نعوم تشومسكي، بزيارة إلى قطاع غزة في الفترة ما بين 25-30 تشرين الأول (أكتوبر) 2012. وبعيد زيارته، سجل تشومسكي انطباعاته التي رسم فيها الصورة القاتمة للوضع في القطاع، واصفًا إياه بأنه "سجن في الهواء الطلق".

وسلطت انطباعاته الضوء على الأزمة الإنسانية الفتاكة الناجمة عن حصار الكيان الذي فرض قيودًا مشددة على حركة الأشخاص والبضائع، مما أدى إلى شل الاقتصاد والبنية التحتية.

وتحدث تشومسكي عن معاناة السكان الفلسطينيين، والحاجة الملحة إلى التضامن والعمل الدوليين لمعالجة محنتهم. وانتقد العنف والقمع المستمرين اللذين يواجههما سكان غزة، داعيا إلى حل عادل يحترم حقوق وكرامة الفلسطينيين.‏

وصفت ملاحظات تشومسكي الظروف المعيشية القاسية التي يعاني منها سكان غزة، الذين واجهوا نقصًا في الموارد الأساسية، مثل الغذاء والدواء والمياه النظيفة. وأدانت استخدام الكيان غير المتناسب للقوة، وإدامته دورة العنف التي تعمق عاناة المدنيين الأبرياء. وساهمت زيارة تشومسكي وما ألهمته من انطباعات بلا شك على رفع مستوى الوعي حول الأزمة الإنسانية المستمرة في القطاع، والدعوة إلى مزيد من المساءلة والدعم من المجتمع الدولي في السعي إلى حل ينصف الفلسطينيين.‏

مع أن تشومسكي كتب انطباعاته قبل نحو 14 عامًا، فإن مضمونها يظل صالحًا دائمًا كوثيقة تفسر مآلات الصراع في القطاع الفلسطيني الذي يواجه اليوم مرحلة أقسى في سياق الإبادة الجماعية الدائمة لمواطنيه.

***

حتى ليلة واحدة في السجن تكفي لتذوق طعم ما يعينه أن يكون المرء تحت السيطرة الكاملة لقوة خارجية. ولا يحتاج المرء إلى أكثر من يوم واحد في غزة ليشرع في تقدير ما تعنيه محاولة البقاء على قيد الحياة في أكبر سجن مفتوح في العالم، حيث ما يزال مليون ونصف المليون من الناس، في أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم، موضوعاً مستمراً للإرهاب العشوائي والوحشي، والعقاب التعسفي بلا تمييز، بلا غاية سوى إهانتهم وإذلالهم، وتحقيق الهدف الأبعد المتمثل في ضمان سحق آمال الفلسطينيين بغد أفضل، وإجهاض الدعم العالمي لحل دبلوماسي يضمن لهم الحقوق.

وقد تجسدت شدة التزام القيادة الإسرائيلية بهذه الغايات بلا هوادة عندما حذرت هذه القيادة من أنها سوف "تُجن" إذا نالت الحقوق الفلسطينية اعترافاً محدوداً في الأمم المتحدة. ولم يكن ذلك منعطفاً جديداً، وإنما يتجذر التهديد بـ"الجنون" في أطروحات حكومات حزب العمل في الخمسينيات، إلى جانب "عقدة شمشون" ذات الصلة: سوف نهدم جدران المعبد إذا عبرها أحد. ومع أن هذا كان مجرد تهديد أجوف في تلك الأوقات، فإنه لم يعد كذلك اليوم.

وليس الإذلال المقصود والمبيَّت جديداً بدوره، ولو أنه يتخذ اشكالاً جديدة كل الوقت. قبل ثلاثين عاماً، قدم قادة سياسيون إسرائيليون، بمن فيهم بعضٌ من أبرز الصقور، رواية مفصلة مريعة حول كيفية إساءة المستوطنين للفلسطينيين بانتظام، وبأكثر الطرق وضاعة، بينما يتمتعون بالحصانة وضمان الإفلات التام من العقاب.

وكتب المحلل العسكري-السياسي البارز يورام بيري Yoram Peri باشمئزاز بالغ، أن مهمة الجيش ليست الدفاع عن الدولة، وإنما "غمط حقوق الأبرياء لمجرد أنهم عرب ("زنوج"، "مهاجرون رعاع") يعيشون في الأرض التي وعدنا الله بها".

وتم اختيار سكان غزة بشكل خاص لتلقي العقاب القاسي. ويكاد يكون ضرباً من المعجزات أن يتمكن الناس فيها من الحفاظ على الوجود. أما كيف يفعلون، فبالطريقة التي وصفها رجا شحادة في مذكراته المعبرة التي كتبها قبل ثلاثين عاماً، "الطريق الثالث"، المستندة إلى عمله كمحام شارك في المهمة المستحيلة المتمثلة في محاولة حماية الحقوق الأساسية في ظل نظام قانوني تم تصميمه لضمان فشل المهمة، وإلى تجربته الشخصية باعتباره فلسطينياً صامداً يشاهد وطنه وهو يتحول إلى سجن على أيدي محتلين وحشيين يستطيعون فعل كل شيء، لكنه يستطيع "التحمل" بطريقة ما.

أصبح الوضع أسوأ بكثير منذ كتب شحادة مذكراته. كانت اتفاقيات أوسلو، التي تم الاحتفاء بها بكثير من الضجة في العالم 1993، قد قررت أن قطاع غزة والضفة الغربية هما كيان إقليمي واحد.

وبحلول ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل قد وضعتا مسبقاً برنامجهما لفصل المنطقتين عن بعضهما بعضا بشكل كامل، بغية تعطيل التوصل إلى تسوية دبلوماسية ومعاقبة العرب في كلتا المنطقتين.

ومع ذلك، أصبح عقاب سكان غزة أكثر حدة في كانون الثاني (يناير) من العام 2006، عندما ارتكب الغزيون جريمة كبرى: لقد صوتوا "بالطريقة الخطأ" في أول انتخابات حرة تُجرى في العالم العربي، فانتخبوا "حماس".

وطريقة للتعبير عن "تشوفهما العاطفي للديمقراطية" قامت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، بدعم من الاتحاد الأوروبي المدجن، بفرض حصار وحشي على القطاع، مصحوباً بهجمات عسكرية مكثفة. كما لجأت الولايات المتحدة الأميركية إلى إعمال إجراء معياري تستخدمه عندما ينتخب بعض السكان العصاة الحكومة الخطأ: ترتيب انقلاب عسكري لاستعادة النظام.

بل إن سكان غزة ارتكبو جريمة أكبر بكثير بعد سنة من ذلك عندما أحبطوا محاولة الانقلاب، وهو ما أفضى إلى تصعيد حاد في الحصار والهجمات العسكرية. ثم توجت هذه الجهود في شتاء 2009/2008، بعملية "الرصاص المصبوب"، التي كانت من الاستعراضات الأكثر جبناً وشراسة للقوة العسكرية في الذاكرة الحديثة، عندما تم إخضاع السكان المدنيين العزل، المحاصرين الذين لا يملكون أي وسيلة للهرب، لهجوم لا هوادة فيه تشنه إحدى أكثر منظومات العالم العسكرية تقدماً، بالاعتماد على الأسلحة الأميركية وبالحماية الدبلوماسية للولايات المتحدة الأميركية.

وثمة شهادة على المذبحة، "الوأد"، حسب كلماتهما، قدمها الطبيبان النرويجيان الشجاعان اللذان عملا في المستشفى الرئيسي في غزة خلال الهجوم الخالي من الشفقة، مادس جيلبرت وإريك فوسه، في كتابهما المدهش "عيون في غزة".

لم يستطيع الرئيس المنتخب، باراك أوباما، أن يقول حتى كلمة واحدة سوى تكرار تعاطفه العميق مع الأطفال اليهود الذين تحت الهجوم في بلدة سديروت الإسرائيلية، وتم إنهاء الهجوم المخطط له بعناية، حتى يستطيع القول آنذاك إن الوقت قد حان للتطلع إلى الأمام وليس إلى الخلف، معتصمًا بالملاذ الذي عادة ما يركن إليه المجرمون.

بطبيعة الحال، كان ثمة ذرائع، ودائماً ما تكون. وكانت الذريعة المخبأة المعتادة التي عادة ما يتم استخراجها عند الحاجة هي "الأمن" -في هذه الحالة، صواريخ محلية الصنع تطلق من غزة. وكما هو الحال عادة، تفتقر هذه الذريعة إلى أي مصداقية. ففي العام 2008، عقدت هدنة بين إسرائيل و"حماس".

وتقر الحكومة الإسرائيلية رسمياً بأن "حماس" قد راعتها بشكل كامل. ولم تطلق "حماس" ولو صاروخاً واحداً إلى أن خرقت إسرائيل الهدنة تحت غطاء الانتخابات الأميركية في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، حين قامت بغزو غزة على أساس أسباب سخيفة، وقتلت ستة من أعضاء حركة "حماس".

وقد تلقت الحكومة الإسرائيلية نصائح من كبار مسؤولي استخباراتها بأنه يمكن تجديد الهدنة من خلال تخفيف الحصار الإجرامي وإنهاء الهجمات العسكرية. لكن حكومة إيهود أولمرت، الذي يظن نفسه من الحمائم، رفضت هذه الخيارات، مفضلة اللجوء إلى ميزتها النسيبة الكبيرة في استخدام العنف: "عملية الرصاص المصبوب". ويعرض هذه الحقائق الأساسية مرة أخرى محلل السياسة الخارجية، جيروم سليتر، في العدد الأخير من مجلة "الأمن الدولي" الصادرة عن معهد التكنولوجيا في جامعة هارفارد.

وقام بتحليل نمط القصف في عملية "الرصاص المصبوب"، ابن غزة، راجي الصوراني، ناشط حقوق الإنسان واسع الاطلاع الذي يحظى بالاحترام على المستوى الدولي.

وبين كيف أن القصف تركز على شمال القطاع، مستهدفاً المدنيين العزل في المناطق الأكثر كثافة سكانية بلا أي ذريعة عسكرية يمكن تصورها. وربما كان الهدف، كما يقول، هو دفع السكان المرتعبين إلى الجنوب بالقرب من الحدود المصرية. لكن الصامدين تمسكوا بثبات بأرضهم، على الرغم من الكم الهائل من الإرهاب الأميركي-الإسرائيلي.

وربما كان هناك هدف آخر أيضًا: الدفع بهم إلى ما وراء تلك الحدود. في الأيام الأولى للاستعمار الصهيوني، كان يقال إنه ليس للعرب سبب حقيقي ليكونوا في فلسطين، بل يمكنهم أن يكونوا سعيدين بالمقدار نفسه في مكان آخر، ويجب عليهم أن يرحلوا، وبتعبير أكثر تهذيباً "ترحيلهم"، كما يقترح الحمائميون.

ويشكل هذا بالتأكيد قلقاً لمصر، وربما يكون سبباً في عدم فتح مصر الحدود بحرية للمدينيين، أو حتى للمواد التي تمس الحاجة إليها في القطاع.

يلاحظ الصوراني وغيره من المصادر المطلعة أن انضباط الصامدين يخفي تحته برميل بارود ربما ينفجر في أي وقت، بشكل غير متوقع، كما فعلت الانتفاضة الأولی في غزة في العام 1978، بعد أعوام من القمع الوحشي الذي لم يثر أي انتباه أو اهتمام.

كمثال واحد فقط من عدد لا يحصى من الحالات، قبل وقت قصير من اندلاع الانتفاضة، قُتلت فتاة فلسطينية، انتصار العطا، بالرصاص في باحة مدرسة على يد مقيم في مستوطنة يهودية قريبة.

وكان هذا المستوطن واحداً من عدة آلاف من الإسرائيليين الذين جبلوا إلى غزة، في انتهاك للقانون الدولي، وبحماية حضور عسكري ضخم، واستولوا على الكثير من الأراضي والمياه الشحيحة أصلاً في القطاع، ليعيشوا "ببذخ في 22 مستوطنة في وسط 104 مليون فلسطيني من المعوزين"، كما وصف الجريمة المفكر الإسرائيلي آفي راز.

وقد ألقي القبض على قاتل الطالبة، شمعون يفراح، ولكن سرعان ما أطلق سراحه بكفالة عندما قررت المحكمة أن "الجريمة ليست قاسية بما فيه الكفاية" لتستدعي احتجازه. وعلق القاضي بأن يفراح أراد تخويف الفتاة فقط بإطلاق رصاصة عليها في باحة المدرسة، ولم يقصد قتلها، وهكذا، فإن "هذه ليست حالة شخص مجرم يجب أن يعاقب، ويُردع، ويتعلم درساً من خلال سجنه".

ثم حُكم على يفراح بعقوبة السجن لسبعة أشهر مع وقت التنفيذ، في حين شرع المستوطنون في الغناء والرقص في قاعة المحكمة، ثم ساد الصمت المعتاد. بعد كل شيء، هذا هو الروتين السائد.

هذا هو واقع الحال حقا. بينما أطلق سراح يفراح، ذكرت الصحف الإسرائيلية أن دورية تابعة للجيش أطلقت النار في ساحة مدرسة على أولاد تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة في مخيم للاجئين غرب الضفة، مما أسفر عن إصابة خمسة أطفال. وزعمت الدورية أنها أرادت "تخويفهم" فحسب.

ولم تكن هناك أي اتهامات، ولم يحظ الحدث بأي اهتمام مرة أخرى. كان مجرد حلقة أخرى فقط من برنامج "الأمية كعقاب"، كما ذكرت الصحافة الإسرائيلية، بما في ذلك إغلاق المدارس، واستخدام قنابل الغاز، وضرب التلاميذ بأعقاب البنادق، ومنع وصول المساعدة الطبية للضحايا. أما خارج المدارس، فثمة حكم أكثر وحشية، ازداد عنفًا ودموية خلال الانتفاضة بأوامر من وزير الدفاع، إسحق رابين، الذي طالمة حظي بالإطراء بوصفه حمامة أخرى.

كان انطباعي المباشر، بعد بضعة أيام من الزيارة في غزة، هو الدهشة -ليس فقط من قدرة الناس على الاستمرار في الحياة، وإنما أيضاً من روح الحماسة والحيوية السائدة بين الشباب، وخاصة في الجامعة حيث قضيت الكثير من وقتي في مؤتمر دولي.

لكن المرء يستطيع أن يلتقط هناك أيضاً علامات على إمكانية أن يصبح الضغط أكبر كثيراً من القدرة على تحمله. وتشير التقارير إلى وجود مشاعر إحباط متأججة لدى الشباب المدركين لحقيقة أن المستقبل لن يخبئ لهم أي شيء مضيء في ظل الاحتلال الأميركي-الإسرائيلي.

ثمة مقدار من الضغط تستطيع أن تتحمله حيوانات محشورة في قفص، ثم قد يحدث الثوران الذي ربما يتخذ أشكالاً بشعة، بطريقة تقدم فرصة للمدافعين الإسرائيليين والغربيين عن إسرائيل لإعطاء أنفسهم الحق في إدانة هؤلاء الناس "المختلفين ثقافياً"، كما قال ميت رومني.

لغزة ملامح مجتمع نموذجي في العالم الثالث، حيث ثمة جيوب ثراء محاطة بفقر مدقع بشع. لكنها ليست "متخلفة" مع ذلك. إنها "متقدمة بطريقة مضاعفة"، وهي كذلك بطريقة بالغة المنهجية -باستعارة تعبير سارة روي- الأكاديمية البارزة المتخصصة في غزة.

كان يمكن لقطاع غزة أن يصبح منطقة مزدهرة على ساحل البحر المتوسط، بزراعة غنية، وصناعة صيد أسماك مزدهرة، وشواطئ رائعة، وكما اكتشفت منذ عقد من الزمان، آفاق واسعة جيدة لاستثمار مخزونات الغاز الطبيعي الموجودة داخل مياهها الإقليمية.

وبالصدفة أو بغيرها، كان هذا عندما كثفت إسرائيل حصارها البحري، دافعة بقوارب الصيد نحو الشاطئ لتكون ضمن ثلاثة أميال أو أقل منه في هذه الأوقات.

كان قد تم إحباط كل الآفاق والفرص المحتملة في العام 1948، عندما ترتب على القطاع استيعاب طوفان من اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا بدافع الرعب أو طُرودا بالقوة مما أصبح إسرائيل، والذين تم إبعادهم في بعض الحالات بعد أشهر من وقف إطلاق النار رسمياً.

وفي الواقع، ظلت عملية طردهم مستمرة حتى بعد أربع سنوات من إقرار الهدنة، كما ورد في صحيفة "هآرتس" في 25/12/2008، في دراسة مهمة أعدها بيني زيبر Beni Tziper عن تاريخ عسقلان الإسرائيلية حتى زمن الكنعانيين. في العام 1953، كما يقول، كان هناك "اعتقاد سائد بأن من الضروري تطهير المنطقة من العرب". وكان قد تم مسبقًا "تهويد" الاسم الأصلي، المجدل، ليصبح عسقلان، في ممارسة إسرائيلية نمطية.

كان ذلك في العام 1953، عندما لم يكن هناك أي لمحة من أي نوع إلى وجود ضرورة عسكرية. وكان تزيبر نفسه قد ولد في العام 1953. وبينما يسير في بقايا القطاع العربي القديم، فكر بأنه "من الصعب عليّ، من الصعب حقاً، إدراك أنه بينما كان والداي يحتفلان بمولدي، كان يجري تحميل أشخاص آخرين في الشاحنات وطردهم من ديارهم".

ثم وجَّهت غزوات إسرائيل في العام 1967 وما تلاها ضربات أخرى للفلسطينيين. وكانت الجرائم الفظيعة التي سبق ذكرها والتي ما تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

ومن السهل رؤية الآثار والعلامات حتى في زيارة قصيرة. بينما كنت جالساً في فندق بالقرب من الشاطئ، كنت أسمع نيران المدافع الرشاشة وهي تنطلق من الزوارق الحربية الإسرائيلية التي تطارد الصيادين من مياه غزة الإقليمية نحو الشاطئ، بحيث يجبرون على اصطياد السمك في المياه شديدة التلوث بسبب الرفض الأميركي الإسرائيلي السماح بإعادة بناء شبكات الصرف الصحي ومرافق الطاقة المدمَّرة.

وكانت اتفاقيات أوسلو قد أقرَّت خططاً لبناء اثنتين من محطات تحلية المياه، وهي ضرورة في هذه المنطقة القاحلة. وتم بناء واحدة، وهي منشأة متقدمة، في داخل إسرائيل.

أما الثانية ففي خان يونس في جنوب قطاع غزة. وأوضح لي المهندس المسؤول عن محاولة الحصول على المياه الصالحة للشرب للسكان أنه تم تصميم هذه المنشأة بحيث لا تستطيع استخدام مياه البحر، وإنما يجب أن تعتمد على المياه الجوفية، وهي عملية أقل كلفة لكنها تستنزف المزيد من طبقة المياه الجوفية الضئيلة أصلاً، وتكفل حدوث مشاكل حادة في المستقبل. وحتى مع ذلك، يبقى الماء هنا محدوداً للغاية.

وكانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تهتم بشؤون اللاجئين (وإنما ليس بشؤون سكان غزة الآخرين) قد أصدرت مؤخراً تقريراً يحذر من أن الأضرار التي لحقت بطبقة المياه الجوفية قد تصبح قريباً "غير قابلة للإصلاح"، وأنه من دون اتخاذ إجراءات علاجية بسرعة، فإن غزة يمكن أن تصبح بحلول أيار (مايو) 2020 "مكاناً غير صالح للعيش".

تسمح إسرائيل بدخول الإسمنت لمشاريع (الأونروا)، وإنما ليس للغزيين المنخرطين في احتياجات إعادة الإعمار الضخمة. وتقبع المعدات الثقيلة المحدودة في معظمها خاملة متبطلة، لأن إسرائيل لا تسمح بدخول المواد اللازمة لإصلاحها.

وكل هذا جزء من البرنامج العام الذي وصفه المسؤول الإسرائيلي دون فيسغلاس Dov Weisglass، أحد مستشاري رئيس الوزراء إيهود أولمرت، بعد فشل الفلسطينيين في اتباع الأوامر في انتخابات العام 2006، بقوله: "إن الفكرة هي إعاشة الفلسطينيين على نظام حمية غذائية، ولكن ليس إلى درجة جعلهم يموتون من الجوع". وليس هذا جيداً.

وفي الحقيقة، يجري تطبيق هذه الخطة بدقة. وقد قدمت سارة روي أدلة كثيرة على ذلك في دراستها العلمية. وأخيرًا، بعد عدة سنوات من الجهد، نجحت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "غيشا" Gisha في الحصول على حكم من المحكمة يأمر الحكومة بالإفراج عن سجلاتها التي تضم تفصيلات خطط نظام الحمية الغذائية، وكيف يتم تنفيذها.

ويلخص الصحفي جوناثان كوك المقيم في إسرائيل هذه الخطط، كما يلي: "قدم مسؤولو الصحة حسابات للحد الأدنى لعدد السعرات الحرارية التي يحتاجها سكان غزة البالغ عددهم 1.5 مليون نسمة لتجنب بسوء التغذية.

ثم تُرجمت هذه الأرقام إلى أحمال شاحنات الغذاء التي كان يفترض أن تسمح إسرائيل بدخولها كل يوم... حيث 67 شاحنة في المتوسط فقط -أي أقل بكثير من نصف الحد الأدنى المطلوب- هي التي تدخل غزة يومياً، مقارنة بأكثر من 400 شاحنة كانت تدخل القطاع يومياً قبل أن يبدأ الحصار". وحتى هذا التقدير يبدو سخياً أكثر من اللازم، كما يقول مسؤولو الإغاثة في الأمم المتحدة.

كانت نتيجة فرض نظام الحمية الغذائية، كما يلاحظ الباحث في شؤون الشرق الأوسط، خوان كول، أن "حوالي 10 في المائة من الأطفال الفلسطينيين في غزة تحت سن 5 سنوات توقف نموهم بسبب سوء التغذية. وبالإضافة إلى ذلك، أصبحت الإصابة بفقر الدم واسعة الانتشار، وهي تؤثر على أكثر من ثلثي الأطفال الرضع، وعلى 58.6 في المائة من طلبة المدارس، وأكثر من ثلث النساء الحوامل". ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تريدان ضمان أن لا يتوفر للغزيين أكثر من مجرد البقاء على قيد الحياة.

ويلاحظ راجي الصوراني أيضاً: "إن ما يجب أن يظل ماثلاً في البال هو أن الاحتلال والإغلاق المحكم يشكلان هجوماً مستمراً على الكرامة الإنسانية للشعب في غزة بشكل خاص، وكل الفلسطينيين بشكل عام. إنه امتهان منهجي، وإذلال، وعزل، وتجزئة للشعب الفلسطيني".

وتؤكد هذا الاستنتاج العديد من المصادر الأخرى. ففي واحدة من المجلات الطبية الرائدة في العالم، مجلة لانسيت The Lancet، يصف طبيب زائر من جامعة ستانفورد هالَه ما شاهده، غزة بأنها "شيء أشبه بمختبر للتأكد من غياب الكرامة"، وهي حالة لها آثار "مدمرة" على عناصر العيش الجسدية، والعقلية، والاجتماعية. "إن المراقبة المستمرة من الجو، والعقاب الجماعي من خلال الحصار والعزل، واقتحام المنازل، واعتراض الاتصالات، والقيود المفروضة على الذين يحاولون السفر أو الزواج أو العمل، تجعل من الصعب أن يعيش المرء حياة كريمة في غزة". يجب تعليم العرب أن لا يرفعوا رؤوسهم.

كانت هناك آمال بأن حكومة مرسي الجديدة في مصر، الأقل عبودية لإسرائيل من ديكتاتورية مبارك المدعومة من الغرب، ستفتح معبر رفح، المنفذ الوحيد إلى الخارج لسكان غزة المحاصرين الذي لا يخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة.

وكان هناك فتح طفيف للمعبر، ولكن ليس كثيراً. وتكتب الصحفية ليلى الحداد أن إعادة فتح المعبر في ظل حكم مرسي "هي مجرد عودة إلى الوضع القائم في السنوات الماضية: يمكن للفلسطينيين الذين يحملون بطاقة هوية غزة الموافق عليها إسرائيليًا فقط استخدام معبر رفح"، وهو ما يعني استثناء عدد كبير من الفلسطينيين، بمن فيهم أسرة الحداد، حيث يمتلك أحد الزوجين فقط بطاقة هوية.

وبالإضافة إلى ذلك، كما تضيف الحداد، فإن "المعبر لا يؤدي إلى الضفة الغربية، كما لا يسمح بمرور البضائع التي يقتصر دخولها على المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل وتخضع لحظر مواد البناء وسلع التصدير".

ولا يغير معبر رفح المقيد من حقيقة أن "غزة ما تزال تحت الحصار البري والجوي الخانق، وتستمر في البقاء مغلقة ومعزولة عن أرصدة الفلسطينيين الثقافية والاقتصادية والأكاديمية في بقية (الأراضي المحتلة)، في انتهاك واضح لالتزامات الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بموجب اتفاقات أوسلو".

وتظهر آثار ذلك في القطاع بطريقة مؤلمة. في مستشفى خان يونس، يصف المدير، وهو أيضاً رئيس قسم الجراحة، بغضب كيف أن الأدوية الضرورية لتخفيف معاناة المرضى، وكذلك المعدات الجراحية البسيطة، مفقودة، مما يترك الأطباء والمرضى يتعذبون بلا حول ولا قوة.

وتقدِّم القصص الشخصية الحية إضافة كبيرة إلى مشاعر الاشمئزاز العام التي يشعر بها المرء من فحش الاحتلال القاسي. ومن الأمثلة شهادة امرأة شابة أحبطها أن والدها، الذي كان ليفتخر بأنها أول امرأة في مخيم للاجئين تحصل على شهادة عليا، قد "وافته المنية بعد 6 أشهر من الصراع مع السرطان عن عمر ناهز 60 عاماً". وكان الاحتلال الإسرائيلي قد رفض منحه تصريحاً للذهاب إلى المستشفيات الإسرائيلية لتلقي العلاج.

وتقول عن ذلك: "كان عليَّ تعليق دراستي وعملي وحياتي، والبقاء عند سريره. كنا نجلس هناك جميعاً، بمن فينا أخي الطبيب وأختي الصيدلانية، عاجزين ويائسين ونحن نشاهد معاناته.

وقد مات خلال الحصار اللاإنساني على قطاع غزة في صيف العام 2006 في ظل وجود فرص محدودة جداً لتلقي الرعاية الصحية.

أعتقد أن الشعور بالعجز واليأس هو أكثر المشاعر التي يمكن أن يختبرها الإنسان فتكًا. إنه يقتل الروح ويكسر القلب. ربما يمكنك محاربة الاحتلال، لكنك لا تستطيع محاربة الشعور بأنك عاجز، بل إنك لا تستطيع حتى التخلص من هذا الشعور".

إذن، ثمة الاشمئزاز من فحش الموقف، مقروناً بالشعور بالذنب. وفي حدود قدرتنا أن نجلب هذه المعانة إلى نهاية، وأن نتيح للصامدين في غزة فرصة التمتع بحياة السلام والكرامة التي يستحقونها.

· نشر هذا المقال على موقع نعوم تشومسكي بعنوان "انطباعات غزة" Impressions of Gaza.