القيثارة البابلية تعزف اللحن الاخير: محمد جواد أموري

القيثارة البابلية تعزف اللحن الاخير: محمد جواد أموري

صباح راهي العبود

ليس بمقدور أحد ممن تعرف على الفن العراقي وتشبع بألحانه الشجية من إنكار تميزه بصدقه وعذوبته الممزوجة بلوعة حزن لذيذة كتلك التي يتلذذ بها العاشقون المازوشيون,

فهي مزيج من آلام وأسى تمخض عما مر به العراقيون على مر أزمنة و دهورلم يفارقها القهر والظلم والإستعباد,الى جانب الويلات والفيضانات وما تتركها من مآس الى جانب ماكانت تتركه الأمراض التي كانت تنزل عليهم ضيفاُ ثقيلاً كريهاً يثير الرعب في النفوس منذ اللحظة التي يحل بها عليهم والى رحيله بعد أن يترك في أثره القهر والحسرة والحزن على من فقدوه, فكانت حياتهم مظلمة حالكة السواد, ولقد إستعار هذا الغناء من الشعر أرقة وأعذبه معنى وأدقه وصفاَ لما كان يعانيه العراقيون يتخلله أنين ينبعث من سويداء القلب, فهو غناء لا يشبهه غناء في كل الدنيا.كما أن للغناء العراقي جذوره الممتدة والضاربة في أعماق الزمن السحيق, فهو إرث لحضارات سادت ثم بادت من أكدية وسومرية وآشورية وبابلية مرورا بعصور وضعت خلالها أسس ولبنات البناء الحضاري لما نحن فيه الآن.

ولقد مر الفن العراقي بفترات من الإزدهار إنتعشت فيها الموسيقى وفنونها فظهر مغنون يؤدون الغناء برقة وعذوبة, فاشتهرمنهم من إشتهر,ويمكننا عد فترة السبعينات من القرن الماضي واحدة من أكثر الفترات إزدهاراَ في مجال اللحن والأغنية العراقية, إذ إقترنت بظهور موسيقيين وشعراء أغنية رائعين تركوا بصماتهم الواضحة على مسيرة الغناء العراقي.وكان الفنان الراحل محمد جواد أموري أحد هؤلاءالمبدعين الذين أسهموافي صناعة هذا الرقي, فقد لعب هذاالرائع دورا رائدا في تطوير الأغنية واللحن العراقي في فترتهما الذهبية السبعينية, وكان له الفضل في إكتشاف كثير من المواهب الفنية التي ظهرت حينذاك,ووضع ألحاناَ بقيت خالدة في نفس وذاكرة العراقيين.ويكفيه فخراَ إنه صاحب اللحن المميزلقصيدة الشاعر الفذ مظفر النواب (مرينه بيكم حمد) فهذا اللحن لوحده يكفي لجعل أموري في مصاف المشهورين في مجال اللحن العراقي إذ يهتز كل العراقيين ويتمايلون طرباَ لسماعه,وأداه كل الطربين العراقيين دون إستثناء, ناهيك عن الروائع الأخرى لتي قدمها والتي أصبحت جزءاَمن التراث الغناء العراقي.

مرينه بيكم حمد واحنه بقطار الليل...وسمعنه دك كهوه وشمينه ريحة هيل

ياريل صيح ابقهر صيحة عشك ياريل... هودر هواهم ولك حدر السنابل كطه

يابو محابس شذر يل شاد خزامات...ياريل بلله بغنج من تمر بام شامات

ولا تمشي مشية هجر كلبي بعد ما مات...هودر هواهم ولك حدر الحراير كطة

آنه أرد ألوك إلحمد ما لوك أنه لغيره...يجفلني برد الصبح وتلجلج الليره

يا ريل باول زغرنه إلعبنه طفيره... هودر هواهم ولك حدر السنابل كطه...... .....

ولد محمد جواد أموري في 21 آذار عام 1935 في مدينة الهندية (طويريج) ضمن محافظة بابل وكان الولد الثاني عشر لأبويه وهو الوحيد من هؤلاء الذي بقي حياَ بعد الولادة فعاش مدللاً,ومنذ نعومة أظفاره كان يبحث عن أية آلة موسيقية يترجم من خلالها أحاسيسه الفطرية, فالآلات المتوفرة في محيطه الضيق في حينه كانت تصنع من الطين وهي لا تؤدي لحناَ صحيحاَ.وعند زيارته الأولى لبغداد وهو صبي, إسترعى إنتباهه وفرة الآلات الموسيقية المعروضة في المحلات, ولما عاد الى مدينته صنع لنفسه آلة القانون من خشب وأسلاك ومسامير في محل والده الذي كان يعمل نجاراَ واشترى آلة ناي مصنوعة من القصب,وهكذا بدأت حياته الفنية وبتشجيع من زملائه الطلاب ومعلميه الذين كانوا يستمعون الى عزفه قي الإحتفالات والمناسبات المدرسية وفي السفرات وأوقات الفراغ.

بعد إجتيازه لمرحلة الدراسة المتوسطة عام 1950 قبل في دار المعلمين الإبتدائية في الأعظمية ببغداد وكان موفقاَ في مهمته الدراسية تلك إذ حرص على أن يكون الأول على دفعته خلال السنوات الثلاث وهي مدة الدراسة في الدار,وكان لمعلم الموسيقى الأثر الكبير في تعليمه أصول الموسيقى فبرع في ذلك مما حدى بالمعلم أن يوليه قيادة فرقة الدار الموسيقية في أثناء غيابه أو إنشغاله أو تعبه.وكانت أولى ألحانه عام 1951 هي أغنية وطنية غنتها فرق الكشافة وانتشرت على نطاق المدارس. اما أول قطعة موسيقية للفنان أموري فكانت عام 1950

في أحدى العطل التي كان يقضيها أموري مع عائلته في الهندية عام 1952 صادف يوم زواج جار له, وقد أستدعي المطرب الشهيرفي حينه عبد الأمير الطويرجاوي لإحياء الحفل الساهر المقام بهذه المناسبة ولم يكن معه من يرافقه في العزف فكانت تلك فرصة ذهبية لمحمد جواد أموري لمرافقته في جولته الغنائية, ولم يكن بمقدور الطويرجاوي إخفاء إعجابه بأموري وبطريقة عزفه,وتنبأ له بمستقبل موسيقي زاهر, وقد كان محقاَ في نبوءاته تلك.

بعد تخرج أموري من دار المعلمين عين معلماَ في إحدى مدارس محافظة بابل (الحلة) وقام بتأسيس عدة فرق موسيقية هناك, لكن هذا لم يكن خاتمة المطاف بالنسبة له إذ إن طموحاته في الموسيقى وتعلمها كانت إنشطارية لا تقف عند حدود ولا يمكن لموانع أن تصدها وهذا ما دفعه عام 1959 للتقديم الى الدراسة في معهد الفنون الجميلة فكانت فرصته الذهبية لصقل موهبته الموسيقية وتهذيبها, واستمر يدرس الموسيقى لثمان سنوات متخصصاَ بآلة الكمان الغربية, كما تعلم على يد أساتذته أصول ونظريات الموسيقى على الطريقة التركية. وخلال دراسته تلك إنتسب الى السمفونية العراقية وعمل فيها لمدة 16 سنة عزف خلالها مختلف السمفونيات لكبار الموسيقيين العالميين.نصحه الفنان الكبيرالراحل رضا علي مبكراَ للتقديم الى دارالإذاعة والتلفزيون وحذره من تضييع وقته في تلحين الأناشيد المدرسية إذ أن موهبته أكبر من ذلك,فكانت تلك أروع النصائح وأثمنها في حياة الفنان محمد جواد أموري,وما كان عليه إلا تنفيذ ذلك والعمل بها فانضم الى دائرة الإذاعة والتلفزيون وهناك تفجرت قابلياته وتميزت مسيرته فيها بنشاط فني واسع. ونظراَ لما يملكه من خبرة في الأصوات والأداء الى جانب خبرته بالموسيقى وأدواتها وآلاتها فقد تم تعيينه عام 1964ضمن لجنة فحص وسماع الأصوات في دائرة الإذاعة والتلفزيون والتي مهمتها ترشيح الأصوات الجديدة كما وفر له ذلك مؤهلاَ لفحص صلاحيةالأغاني التي يتقدم بها المطربون ومنهم الكبار أمثال ناصر حكيم وحضيري أبو عزيز وداخل حسن وكان أموري من المعجبين بأدائهم وتأثر بهم بشكل كبير وهم الذين كان أموري يحلم بمجرد الجلوس معهما. ومن خلال عمله في هذه اللجنة توفرت له فرصة التأشير على كثير من الأصوات والطاقات الشابة الجديدة المتقدمة للعمل في الإذاعة والتلفزيون في ستينات القرن الماضي فكان يختار من هومؤهل للأداء ويقدمه للجمهور بعد أن يعطيه لحناَ أو أكثر من ألحانه التي تناسب صوته وقابليته,وبهذا فقد جعل الكثير من هؤلاء الشباب لأن يصبحوا من الفنانين الذين يشار لهم بالبنان أمثال ياس خضروحسين نعمة الذي اطلق عليه لقب (ذو الصوت الحريري) بعد أن إستمع الى أدائه لأغنية (يانجمة) عام 1969,وهي من الألحان التراثية القديمة ومن كلمات ناظم الركابي, فلحن له أغنية جاوبني.وهي من كلمات كامل العامري.

جاوبني تدري الوكت بوكاته غفلاوي.....موش إنته نبعة عشك بالحسن متغاوي

ليش المعاتب كلف والشوك سكتاوي؟.....جا وين أودي الحجي وأتعاتب ويامن؟

ونورد أسماء أهم المطربين الذين إكتشفهم أموري وشجعهم واحتضنهم وطور قدراتهم وقدم لهم ألحانه بدون ثمن, فاضل عواد,حميد منصور,صباح السهل, سعدي الحلي,ياس خضر,جواد محسن,كمال محمد,نغم محمد,وفاء بغدادي,كريم منصور,كريم حسين,قيس حاضر,محمد السامر,نؤاس (إبن الفنان أموري), قحطان العطار,رياض أحمد, فؤاد سالم,مضر محمد,ستار جبار...والقائمة تطول. ولقدكانت أغنية(نخل السماوة يكول طرتني سمره) جواز مرور حسين نعمة الى قلوب الناس مما دفع بأموري الى إعطائه مزيداَ من الألحان الرائعة والذي زادها روعة الأداء الجميل للمطرب وهي ياحريمه,حبيبي انساني وآنه أنساك,مالي شغل بالسوك, نوبه شمالي الهوه, اضحيلك,رديت,جاوبني تدري الوكت,مكتوب أشوفك من بعد,راحن وانكضن,ضيعنا القدر,ودعني, ياكمر,يمطول الغيبه وغيرها كثير

مشواره مع الفنان ياس خضر بدأ عام 1967 عندما قدمه اليه الشاعر(سيد علي الهنداوي), ولما إستمع أموري لصوته أعجب به أيما إعجاب فكان صوتاَ متميزاَ فقدمه للإذاعة(سوية مع سعدي الحلي) وأصبحت أغنية الهدل والتي أداها ياس خضر نهاية الستينات من القرن الماضي جواز مروره الى قلوب الذين إستمعوا اليه عبر إذاعة القوات المسلحة آنذاك,ثم أعقبها بأغنية (أبو زركه طلع من بين البيوت) فكانت أجمل هدية قدمها أموري لياس خضرفي بداية مشواره الفني والتي رفعته الى المجد و وضعته على عرش الغناء العراقي.تلى ذلك أغنيات: - شط العرب, صحينا من الهوى,لا تسافر, ظلموني,شموع الخضر,الدنيا ما تسوه زعل, أرد أعوفن, ثم قفزة العمر لياس خضر (مرينا بيكم حمد) رائعة مظفر النواب والتي إمتدت شهرتها الى كل البلاد العربية. وفي أدناه بعض من كلمات أغنية أبو زركه.

أبو زركه طلع من بين البيوت...يحاجيني ويبوك العكل بسكوت

دجيبولي حبيبي كبل ما موت يكدر خامتي ويلطم عليه..آآآآه يدرون لو ما يدرون أريده.

سعدي الحلي الذي أعجب أموري بخامة صوته بعد أن رأى فيه مطرباَ ساحراَ من طراز جديد, لكنه لاحظ أن هذا الصوت يحتاج الى الصقل والتثقيف وتغيير طريقة الأداء,وهذا ما فعله أموري إذ أعطاه الكثير من التمرينات لهذا الغرض واستطاع أن يطور إنتقالات سعدي الغنائية بعد أن كان مقيداَ في غنائه بمقام واحد وهو البيات ويكرر بذلك نفسه فدربه على أداء المقامات المختلفة (العجم,الحجاز, الصبا,السيكاه)وغيرهاعلى الرغم من أن الحلي كان جامدا يتضايق من كل هذا لابل يصعب عليه أداءه, فتمكن أموري من إظهار الطاقة الصوتيةالرائعة والموهبة الفطرية التي كانت مجمدة لدى سعدي (بوب الغناء العراقي) بسبب جهله لأصول الموسيقى والمقامات والغناء والأداء فتمكن أموري من إكتشاف صوت مميز لا يتكرر ومطرباَ رائعاَ بعد أن مزج براعته الموسيقية بصوت الحلي فكانت الأغاني (عيوني امساهرات,يمته ألكاك,ليش الوادم..).

لم تكن ألحان أموري وصفات جاهزة يعطيها لكل من يتقدم للغناء, ولا ألحاناَ تنتظر أي كان ليغنيها, فتعامله مع المطربين يختلف من واحد لآخر,إذ يختار لكل منهم ما يناسبه من لحن يستطيع معه إبراز قدرات ذلك المطرب وعذوبة صوته وحساسية طبقة صوته وكان ذكياَ في مهمته,ومن هذا المنطلق فقد نجح في تطويرعدد كثير من المطربين الشباب منهم قحطان العطارذو الصوت العاطفي الممزوج بدفء الإحساس والشجن العمبق فأعطاه ألحاناَ للأغاني(أنا يا طير, إنت إنت,نطرته وراح,فرح يهل الفرح, إيكولون......).

ليس من السهولة بمكان لدى أي فنان إظهار صوت نسائي وخاصة في العراق نظراَ للقيود الإجتماعية القاسية المعروفة, لكن الفضل يعود لأموري في هذا الشأن. وقد تجلى ذلك عندما إلتقى بأمل خضيرالقادمة من البصرة واستمع إلى صوتها فوجد فيه الإصالة العراقية والإحساس والرقة فشجعها كي تخوض في مجال الغناء لا سيما وأنه لم يلحظ في صوتها أي نشاز على الإطلاق فهي تمتلك صوتاَ دافئاَ فيه تكسرات عراقية رائعة فتعهد بتبني قابلياتها وأعطاها الكثير من وقته لإظهار فنها الجميل وصوتها الحساس وقدمها للجمهور بأغاني خالدة(خلينه نشوفك خلينه التي كتب كلماتها أموري نفسه, آني منشوف هواي,أنه يا طيرالتي كتب كلماتها الشاعرسعد صبحي السماوي...).

أنا يا طير ضيعني نصيبي...حرت لاني لهلي ولاني لحبيبي

حرت مابين أنسه وبين ألاكيك...وحن مره لهلي ومرات أحن ليك

واطير اويه الهوه لو يمر طاريك...واضمك ماي لو تعطش حبيبي.

أنه بكلبي الحنين يفيض نهرين...ولك أشتاق شوق الطيف للعين

يل حبك دوه وفرحة هلالين...تهل فرحه وهلاهل حبيبي

قصة أموري مع أنوار عبد الوهاب(زوجة الفنان روميو يوسف) بدأت عندما قدمها والدها المثقف والسياسي المعروف عبد الجبار وهبي الذي كان له عمود صحفيا مثير في صحيفة (إتحاد الشعب) تحت إسم أبو سعيد وطلب من أموري فحص صوتها والإعتناء بموهبتها الغنائية سيما وإنها عضو مهم في فرقة الإنشاد العراقية فوجد أموري في صوتها إحساس وعذوبة ورومانسية وصوت أوبرالي, فما كان إلا أن يتحفها ببعض من ألحانه التي أدتها أنوار عبد الوهاب (وهذا إسمها الفني) إذ أن إسمها الحقيقي هو (نادية عبد الجباروهبي).ولقد إشتهرت بأغانيها المشهورة والتي لحنها أموري (عد وانه اعد ونشوف, داده حسن, ياهلا, فرح يهل الفرح), وهكذا إكتشف فناننا القدير صوتاَ نسائيا إنسانياَعذباَ, وكان أموري موفقَاَ في تعامله مع هذا الصوت الرائع المملوء إحساساَ ورقة.

عد وانه اعد ونشوف ياهو أكثر هموم....من عمري سبع سنين وكليبي مهموم

راحوا ويلي راحوا بعد ما ردوا أحبابي

عندي وتخاف اعليك وتدورك أمك....موش بسواد العين بصبيهه اظمك... راحوا ويلي....

كان محمد جواد أموري شعلة فنية وهاجة, فما يمضي وقت حتى نجده يقدم فناناَ جديداَ الى ساحة الغناء والطرب العراقي, ولم يقف سعيه عند حدود, ولعل حميد منصور وسعدون جابر من الأسماء البارزة التي سعى أموري لدعمها في ساحة الفن والغناء فقدم لحميد منصور عام 1978 توصيني ثم مخطوبة,إنت إنت,شضحيلك,الكلب راح. أماسعدون جابر فقد سجل للتلفزيون لأول مرة أغنية من ألحان أموري وهي (بويه عيوني) وكان قد قدم قبلها وللملحن ذاته(أفيش, السندباد,أثر فرحة,إتلولحي, حبك سمار هواي).

ا لذي يؤسف له هو أن مشوار أموري مع فنان الشعب الراحل فؤاد سالم كان قصيراَ بسبب هجرة فؤاد المبكرة الى خارج العراق يجول في المنافي هارباَ من الجور والإضطهاد لمعارضته للنظام السابق. ففي الفترة التي برز فيها فؤاد سالم في الساحة الغنائية أدى الحاناَ رائعة من أعمال أموري مثل (روجات المشرح,حلم أخضر,العمال, رسمت لعيونج,أنا يا طير). وبالنسبة لفاضل عواد الذي كان زميلاَ لأموري في لجنة النشاط المدرسي و الذي بدأ مشواره الفني بأغنية (لاخبر) ذات الإيقاع السريع, فقد وجد فيه أموري (قبل أداء هذه الأغنية) خامة صوتية رائعة الى جانب طريقة الأداء المميزة إذ أن غناءه يختلف عن غناء المدينة والريف ويغني الموال بتكسرات وطريقة متحضرة (ليست ريفية) تختلف عن غيره من المطربين فأعطاه ألحاناَ غاية في الروعة والعذوبة (ينجوم صيرن كلايد, أوفي عهدك,صبر شموع, كلمة حبيبي إنتهت).

لم يتوقف محمد جواد أموري بل إستمر يصنع النجوم فكان صباح السهل (نوبة شمالي الهوى,شيصبرني) وقد غنى السهل أغنيته الأخيرة من الحان أموري (بلايه اوداع) قبيل إعدامه بحجة التهجم على رأس السلطة في النظام البائد وكأنه كان يعلم برحيله عنا دون أن يودعنا. وأعطى أموري ألحاناَ لكريم منصور (بعد اليوم, ماتدري,آنه وين وانت وين,مرات أسأل).

تميزت فترةالثمانينات من القرن الماضي بالأغاني التعبوية التي أنجزها ملحنو تلك الفترة لكن محمد جواد أموري لم يقدم ألحاناَ لأغاني تمجد الطاغية وتدق طبلاَ مع الطبول النشاز, لذا نرى أن أغلب الأغنيات التي لحنها في تلك الفترة (وهي أقل كثيرا مما في فترة السبعينات) لم تبث في وسائل الإعلام العراقية على الرغم من أنها قدمت من قبل شباب أمثال الراحل ستار جبار (أفز بالليل,ما جنًك هذاك إنت), ولمضرمحمد (عرفتك),وكريم حسين الذي قدمه أموري عام 1985 بأغنية (إنت وين وآني وين) والتي أعاد بها أموري رونق الأغنية العراقية الأصيلة الجميلة التي تحمل الدفء والإحساس والتكامل كلاماَ ولحناَ وأداءاَ. والذي جلب إنتباه أموري نحوكريم حسين هو أن صوت كريم يشابه صوت أموري نفسه الى جانب ما يملكه كريم من ميزات صوت, فهو يمتلك مساحة صوت ياس خضر الواسعة, وقرارات حميد منصور,ودفء وحساسية صوت محمد جوادأموري, ثم لحن له (بعد اليوم,ماتدري ماتدري, سهرت ليالي سنين, والله الأحبه مشوا, مرات أطلب منك).

بعد كل هذه الإكتشافات ألا يحق لنا إطلاق لقب (صانع النجوم) وبجدارة على فناننا آموري؟ والجديربالذكرأن ألحان أموري إنتشرت في كل البلاد العربية فقد غنا له عوض دوخي (حبيبي هل جفاك النوم مثلي), وغنا له عاصي الحلاني (أنا ياطير), وغنا من ألحانه إلهام بديع ومحمد حمام وسلوى الجزائرية وفيصل العبد الله.

دعاه مرة إبراهيم جلال عام 1984 ضمن مجموعة من الملحنين (رضا علي,عباس جميل,سالم حسين) لوضع ألحان اغاني فلم عنوانه (حمدوحمود)من إنتاج شركة بابل. وقد أبدى أموري سعادته لهذه الدعوة واستطاع إنجازما كلف به من أغاني الفلم والتي أداها حسين نعمة(يادفان) أحمد نعمة(مكتوب إلك), كما شاركت شذى سالم بأغنية (أعاتب), إضافة الى إنجازه للموسيقى التصويرية للفلم والتي إرتقت الى مستوى الدراما في ذلك العمل, فكانت تجربته في حمد وحمود من التجارب المهمة والمضيئة في حياته على الرغم من قيامه بإنجازموسيقى لأعمال درامية أخرى من أهمها فلم البرتقال وفلم فلسطين ومسلسلات تلفزيونية.

حرص محمد جواد أموري على تأدية كل ألحانه على عوده المنفرد قبل تقديمها للمطربين,وبقي كثير منها بدون تسجيل بسبب عدم إنجراره الى مدح القائد كما أسلفنا, وكان هذا يمثل ما يشبه المعاقبة بالإهمال ونورد أمثلة على هذه الألحان (عمري محطة سفر,نبض الكلب,مابين طبع الشمع,مساهر الحنة,مكاتيب الهوى,يا كمريا بو الليالي, مرات أطلب منك),ويلاحظ المستمع وضوح مسحة الألم والحزن بادية على كلمات وألحان الأغاني التي لحنها بعد فقده المبكر لزوجته الأولى (أم نصير) ثم لولده البكر نصير في حرب العراق مع إيران, نذكر منها (ما راح أفرح بعد اليوم, يمه يا يمه, يا دفان ريض لا تدفنه بكاع, وموال عيون الشمس).

قدم أموري خلال رحلته الفنية لونا غنائيا موغلاَ في إصالته العراقية فكانت ألحانه تمثل جسراَ يربط مرحلتين مختلفتين في الذائقة الفنية (الريف والمدينة) مع الإحتفاظ بالروح العراقية الأصيلة إذ أسس لنفسه لوناَ عراقياَ جديداَ ترجم من خلاله مشاعره الإنسانية فألغى إيقاعات الجورجينا التي كانت سائدة في الألحان العراقية وأبدلها بإيقاعات منوعة أخرى وبعيدة عن التأثربالفن المصري أو الغربي فهي بلا مقدمات موسيقية ولا جمل معقدة بل كانت ألحانا فراتية جنوبية ممزوجة بطريقة الرثاء الحسيني فإكتسبت شعبيتها من واقع الناس. ومن ناحيةأخرى فهو يمتلك حنجرة قوية وصوتاَ ذا قدرة واضحة في التسلط على الأسماع بسبب قوته وإحساسه العالي فهو يأسر السامع بادائه الرائع إذ يمتلك عوامل الجذ ب لما له من قدرة على فنون العرض والإنتقال والتحكم بالبداية الى جانب مهارته في القفلة الغنائية, فأداؤه ذو شفافية عالية.

تعرض أموري لحادث دهس مروري سبب له بعض الكسور وخاصة في ذراعه التي تصلبت نتيجة غياب العلاج والرعاية الصحية, ثم إستمرت صحته بالتردي أكثروأضحى وضعه الصحي سيئاَ للغاية وخاصة بعد تعرضه الى إنتكاسات صحية في القلب ثم الى جلطة دماغية طرحته فراشاَ وعزلته تماماَ عن الناس والدنيا فلا حراك ولا كلام ولا مؤنس لوحشة وهو صانع النجوم.و ليس بمقدور أحد إنكار ما قدمه المسؤولين عن الموسيقى والثقافة الفنية في العراق من عناية وإهتمام والتي إستطاع جراءها من حضورحفل تكريم أقيم له في نادي الصيد في آب 2013سياسية وثقافية مميزة وحضور الشاعر عريان السيد خلف.ولقد حاول أموري أداء بعض من أغانيه تلبية لطلب الحضور لكن وضعه الصحي لم يسعفه فغنى بصوت متقطع ضعيف أغنية (مرينه بيكم حمد) وما لبث جمهور الحاضرين إلا تكملة الأغنية حتى النهاية. وكرمته وزارة الثقافة بحضور وكيلها فوزي الأتروشي مخاطباَ أموري (أيها العاشق الأكبر أنت تطرز ذاكرة الوطن بالحب والفرح الجميل. كنت إستثناءاَ وأنت تصنع الفرح بيننا لذا سنظل نكافح الظلاميين بالأمل والفرح والحب الذي يتجسد في ألحانك). بعد ذلك أدى الفنان علي سالم بعضاَ من ألأغنيات التي لحنها أموري, وتم عرض فيلم (لحن بابلي) من إنتاج مؤسسة المدى يتناول قصة وحكاية الفنان أموري وشهادات لزوجته الشاعرة سناء وتوت والموسيقي ستار ناصر, كما قدم رئيس نادي الصيد الدكتور حسنين معله لوح الإبداع وشهادة تقدير للمحتفى به مع باقة ورد قدمها نقيب الفنانين العراقيين صباح المندلاوي وشهادة تقدير من مؤسسة (بوزوتاميا للتنمية الثقافية) وأخرى للشاعر عريان السيد خلف. وأقيم أيضاَ حفل آخر إحتفاءاَ بفناننا في شارع المتنبي نظمه بيت المدى الثقافي بحضور جماهيري واسع وبمشاركة مطربين وملحنين من مختلف الأجيال,وقد حضرها أموري على كرسي متحرك.

عاش أموري كطاقة عراقية كبيرة في الفن والإبداع, يحمل بصوته العراقي الأصيل الشجي المحبب للنفس أرقى المشاعر الإنسانية, وكانت ألحانه تحمل الهوية العراقية الفنية المملوءة بالشجن والحنين, ورائحة أرض العراق العبقة و صورة معبرة لمحطات مهمة في الحياة الإجتماعية العراقية لنحو نصف قرن من الزمان,تلك المحطات التي كان الحزن حاضرا فيها دوماَ ولم يفارقه إلاً نادراَ.

سيبقى فن محمد جواد أموري محفوراَ في الذاكرة بعد أن قدم للساحة الفنية العراقية أكثرمن (33) مطرباَ أصبح أغلبهم من مشاهير الفن ولطرب العراقي وألحاناَ تجاوز عددها 555 لحناَ,وقد عُد من أبرز فرسان أغاني العقد السبعيني ومن صنًاع الفترة الذهبية للأغنية العراقية.