محمد جواد أموري صدى العود والوتر في ليالي القمر

محمد جواد أموري صدى العود والوتر في ليالي القمر

نعيم عبد مهلهل

يأتي الي الخبر المقروء في اثير الوفاء والجرائد والورد ان زوجة الملحن العراقي الراحل محمد جواد اموري السيدة سناء توتوت تعتزم نشر ذكرياتها مع شريك حياتها الراحل محمد جواد اموري في كتاب، وحتما تلك السيدة البابلية صندوقا لاسرار الحلم المبدع والتأريخ الثري لاموري المشبع بهاجس الفرات والالهام المبكر لروحه التي سكنها الالهام والتي ولدت في طويرج 1935.

ورحلت الى ألطاف السماء ولطفها في بغداد 2014. وكل هذا العمر ستجد عاطفته الخفية في مختصرات الذكريات ودموعها عندما تدونها السيدة وتوت.

ولمحمد جواد اموري، احساس مختلف عن احاسيس الالحان الاخرى، هو وطالب القره غولي يمثلان شكلين متلازمين لعاطفتين مختلفتين. طالب يميل الى الحداثة واشباعها بشجر ازمنة مدن الغراف حيث ولد هناك، أما محمد جواد اموري فهو مسكون بالهاجس الخفي الذي يلازم احلامنا في ابدية حزنها منذ حروب سومر حتى الاتيان بولده نصير شهيد حرب، وهنا ابتدأت تحولات الحزن العميقة تحمل صدى الالهام الذي يخلط بين جمال الجملة الموسييقية وحنين الدمعة لوجه ولدت، ليشعر من يسمع صوته أو لحنه أن صدى مدافع الحرب تثير في الوجدان مشاهد ذكريات البلاد التي لم يثمر نخيلها إلا مع صدى الالحان والاغنيات الحزينة.

هذا الرجل الذي عاش حسه الفراتي حتى الخامس عشر من عمره ثم نقل عفش احلامه واهله الى حداثة العاصمة، وليبتعد بشغف موهبة عن هيمنة الاسطوانة البغدادية المتمثلة ببحة محمد القبنجي ومطربات بغداد وناظم الغزالي وزوجته سليمة مراد، ليلوذ بحنين الصوت الجنوبي لناصر حكيم وداخل حسن وحضيري بو عزيز ويتأثر بهم، وربما مع صدى جنوب عاطفتهم المخلوطة بآهات سومر وبابل ونواح فقراء عفج وأكد. تناسلت الموهبة عند محمد جواد أموري وكانت بداياته ملفتة للانتباه وتنبيء سامع لحنه أنه سيكون مع فنان مبدع سيثري الساحة الغنائية بالرغم من انه ابتدأ بتلحين قطعة موسيقية بأحساس عذب واسماها (ذكرى) غنتها فرق المدارس الكشفية وانتشرت في صباحات المدارس منذ عام 1953 وهو ما شجع محمد جواد اموري ليدخل عالم التلحين بأحتراف وقد لازمه العود كما لازم زرياب في بهجة الحانه مع بغداد والاندلس. فكان لحنه لأغنية الراحل ياس خضر (أبو زركه) هي ازراق في عيون الاغنية العراقية وهي تنتبه الى طاقة لحنية جديدة من شجن عذب ومؤثر ومثقف موسيقياً.

محمد جواد أموري رحمه الله كان يجيد صنع المؤثر الوجداني والانساني داخل لحظة السماع في اعماقنا، وحرص أن يكون مجتهدا وقارئا ومعتزا بموهبته، لهذا اتى الانتقاء في اختياراته ليرينا ويسمعنا التراث الموسيقي المميز، والمهم فيه ان هذا التراث ارتكز وتجذر في الذاكرة العراقية واصبح محبوبا وشائعا ومن الصعب نسيانه، ذلك ان ما لحنه اموري هو ما يشعره الناس وتتناسخه الاجيال، فهو من اعطى الى شجن الحزن لغة رومانسية تسمع وتكتب وتعاش. فأنا مثلا في كل زيارة لي الى بلدي العراق ومدينتي الناصرية احرص على زيارة صديقي ومعلمي وابن محلتي الفنان حسين نعمة الذي يعتز ويفتخر ان الراحل محمد جواد اموري لحن له بعضا من اغانيه الخالدات مثل (حبيبي إنساني وأنا أنساك"، و"رديت"، و"جاوبني"، و"يا حريمة) ومع حسين يتذكر تلك اللحظات الاسطورية التي يجلسها مع اموري حين ذهب اليه بكلمات ناظم السماوي وقصيدته يا حريمه المكتوبة في ذكريات سجن نقرة السلمان، ويقول حسين نعمة شعرت ان الكلمات ترتدي جسد روح الفنان محمد جواد اموري كما يرتدي المتصوف عباءة بهجته مع النور واهتزت ابتسامته وذهب الى العود ليلحن لنا واحدة من اجمل سمفونيات صدى الروح الجنوبية ولوعتها وتبقى خالدة وكان اللحن مدوناً بنوطاته على اسوار مدينة اوروك القريبة من بيت ولادة الشاعر ناظم السماوي.

محطات العمر

ياحريمة التي لحنها محمد جواد اموري كانت شغل عاطفتنا ايام محنة الخنادق الشقية، وكنا نسمع في كاسيتات المسجلات اليابانية بتسجيلين. واحد بصوت مطربها، والاخر بصوت ملحنها، وفي الحالتين هناك الشجن السحري يتقد في مرايا ارواحنا الخائفة من شظايا الحرب.

فانا كلما اسمع يا حريمة وارسم عاطفة الدمعة في عيون ملحنها محمد جواد اموري اشعر ان الكلمات تسرق من فوق شفايفنا وتذهب بعيدا الى محطات اعمارنا، المراهقة والمدرسة وخوذة الجيش وجبهات الهروب والتعليم في الاهوار والرسائل التي كنا نكتبها بلحظة غرامية الى نساء ولدن في اديم الفرات وحقول البساتين المحيطة بالناصرية واحلام حقائب السفر في هاجسنا للهروب الى امكنة حلم اخرى،

ومتى اخفقنا في تحقيق احلام تلك الحقائب عدنا الى صوت حسين نعمة وتراقص الوتر بين اصابع الراحل محمد جواد اموري ونحن نردد خلفه مطلع الاغنية ونتخيل ان الشاعر كتبها من اجلنا وكذلك فعل ملحنها ومطربها.فلقد لحنها لتكون ايقاع روحي بسكينة ما نهواه ونتمناه ونحصل عليه، انها صدى الوجوه التي صعدت الى علياء الفردوس من اباء وامهات واحباب، والذين بقوا يمثلون افقا سحريا لمودة الذكرى التي صنعتها ياحريمه في ارواحنا ونقشت بحروفها المسمارية على الطين وسلالم الزقورات وصرائف الاهوار ودكات بيوت المدينة ذكريات عاطفية وفلسفية وروحية وغنائية تؤرشف الى كل مواطن الحب في اعماقنا وفي حنجرة الرجل الذي انشدها كما ينشد الكهنة المندائيون طقوس حلم الماء والبياض في ازمنة سومر البعيدة.

هذا الملحن البارع لحن لاجيال متعاقبة من مبدعي الغناء العراقي والعربي، وسجل بصمة من سحر خاص في حناجرهم، ولا اريد ان اعدهم جميعهم فهم مسجلين في السيرة الذاتية لمجمل ابداع الراحل محمد جواد اموري.

هذه بعض خواطر الرؤى في ذكرياتها عن تأثير صوت محمد جواد اموري في الصفحات المجيدة لتراث العراق الموسيقي. انه ظاهرة ابداعية وجمالية وموسيقية وروحية جعلت من الحزن فرحا، وهذا ماكان يراه بتهوفن كلما انهى جملة موسيقية من سمفونيته القدر ليشعر من معها ان قدرنا الحزين لابد في النهاية ان يتحول فرحا في مسامع الجالسين وهم يصغون برهبة ودهشة الى هذا اللحن.