الهوية الوطنية لثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق

الهوية الوطنية لثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق

د. أسامة عبد الرحمن الدوري

بعد مرور مئة عام على ثورة العشرين الوطنية التحررية التي انطلقت يوم 30 حزيران 1920، يلاحظ انها حظيت باهتمام الكثير من المؤرخين والسياسيين،

فكتب عنها الكثيرون منهم ومن الباحثين، عراقيين وعرباً وأجانب. واليوم ونحن نحتفل بالذكرى المئوية الاولى لتلك الملحمة الوطنية، يتزامن احتفالنا مع ملحمةٍ جديدة يخوضها الشعب العراقي، للتخلص من كل اوجه الفساد، والأمل في بناء وطنٍ موحَّد آمن مُستقرٍ مُزدهر، وهو امل كل الشعب العراقي.

أود أن أتناول في البداية أسباب الثورة وأحداثها ونتائجها، وأسلِّط الضوء على المناطق التي ساهمت فيها، سواء كانت المشاركات عسكرية قتالية أم فكرية أم تنظيمية، فضلاً عن التركيز على أهمِّ الشخصيات التي ساهمت بشكلٍ فاعل في الثورة، سواء كانوا شخصيات عشائرية أو دينيَّة أو من الحركة الوطنية أو من الصحافة أو ضباطا عثمانيين أو أفندية. كما سأحاول من خلال المعلومات المتوافرة، بيان مشاركات العراقيين بغضِّ النظر عن اديانهم ومذاهبهم أو قومياتهم ومهما كانت طبيعة تلك المشاركات في توحيد الصف واللُحمة الوطنية.

يقوِّم الدكتور علي الوردي، في كتابهِ (لمحات اجتماعية)، ثورة العشرين وهويتها الوطنية، بالقول: "يمكن القول على أيَّةِ حال أنَّ ثورة العشرين هي أول حدث في تاريخ العراق يشترك فيه العراقيون بمختلف فئاتهم وطبقاتهم، فقد شوهدت فيها العمامة إلى جانب الطربوش، والكشيدة إلى جانب اللفة القلعية، والعقال إلى جانب الكلاو، وكلَّهم يهتفون "يحيى الوطن".

أمَّا رأي الدكتور عباس كاظم في كتابه (ثورة 1920)، المُترجم عن الإنكليزية، وهو آخر دراسة علمية مُعمَّقة قرأتها عن ثورة العشرين، وقد صدرت عن جامعة تكساس الأمريكية، فيُشير بقولهِ: "كانت ثورة العشرين ثورةً وطنية عراقية في المقام الأول ". مؤكِّداً أنَّ كلَّ المشاركين في الثورة لم يستلموا أيَّة مساعدة أو دعم خارجي، بل اعتمدوا على الموارد الذاتية.

المؤرخ العراقي الكبير السيد عبد الرزاق الحسني (1903-1997) أفرد كتاباً كاملاً لثورة العشرين، عنونه (الثورة العراقية الكبرى)، وأشار في خاتمتهِ الى "إنَّ ثورة العشرين... دفعت بالإنكليز إلى إعطاء العراق حكماً شبه وطني بعد تأمين مصالحهم الرئيسية فيه".

لم يقتصر الوعي الوطني على التقارب الشيعي السُنِّي في بغداد، وتوحيد جهودهما لمواجهة المُحتل البريطاني، فقد شَهِدت بغداد وحسب التقارير البريطانية توحيد قوى المسلمين والمسيحيين. ففي مناسبةٍ دينية مسيحية، كما يُشير تقرير الاستخبارات البريطانية، تجمع وفد إسلامي ضمَّ أبو التمن والداوود والبازركان وغيرهم من المتنورين الشيعة والسُنَّة ورموا الورود والماء المُعطَّر على موكب المسيحيين، وهتفوا: "عاش مجد سيدنا المسيح.. عاشت الوحدة الوطنية"، وأجاب المسيحيون: "عاش أخواننا المُحمَّديون، عاش العرب"، وجرى كلَّ ذلك بداية شهر حزيران من عام 1920.

ولن أستطيع طي صفحة النشاط الوطني في بغداد دون أن أقف بكلِّ وقارٍ وخشوع امام قصيدة الشاعر العراقي الكبير مُحمَّد مهدي البصير، التي تهز الوجدان الوطني، وهو أحد أبرز شعراء ثورة العشرين، حين قال:

يا عِلمُ عش وأعش فعصرك راقِ وأعِد شموس الشرق للإشراقِ

ولم يقتصر نشاط الحركة الوطنية على بغداد، بل تزامن معها نشاط وطني كبير في كربلاء والنجف والحلَّة، والتي ركزت مطالباتها على حقوق العراقيين المشروعة بالطُرق السلمية، وأدت إلى اعتقال الميرزا مُحمَّد رضا الشيرازي أواخر شهر حزيران. ويرى علي الوردي أمر اعتقاله وأصحابه من أهمِّ عوامل اندلاع الثورة.

ويُشير الدكتور وميض عمر نظمي أيضاً إلى وجود روابط سياسية وتنظيمية بين القوميين والزعماء الدينيين والعشائريين في الفرات الأوسط وبغداد، حيث جرى أول اجتماع بين قادة الفرات الأوسط وشخصياتٍ بغدادية، فكان ممثلو الفرات الأوسط هادي زوين وشلاش، حيث عُقد الاجتماع يوم 22نيسان، وحضره السويدي والصدر والنقشبندي وآل بازركان وأبو التمن ورفعت الجادرجي والداوود والنائب والدفتري وباقر الشبيبي وبابان وصادق حبه وصادق الشهربلي، واتفقوا على تنسيق جهودهم وتشديد فعالياتهم، ثمَّ أُرسل أبو التمن إلى النجف حيث عقد اجتماعاتٍ عديدة في شهر ايار من عام 1920، وكانت تلك الاجتماعات بمثابة مسعى لعقد تحالف قومي ديني عشائري، وجرت اجتماعاتٍ عديدة في كربلاء والحلَّة والنجف والموصل، جرى التركيز خلالها على الوحدة واستقلال العراق، وحصلوا على تأييد آية الله الشيرازي.

كان السبب المباشر للثورة المسلحة هو نشوب نزاع ثانوي بسبب دينٍ قدره (800) روبية، كان على شعلان أبو الجون، وهو شيخ بارز في مدينة الرميثة، أن يسدده للحكومة، وكانت الرميثة يومئذٍ تابعة إداريا لمنطقة الديوانية التي يحكمها النقيب ديلي، أحد أبشع الضباط البريطانيين قساوةً، والذي طلب إحضار الشيخ شعلان إلى الديوانية واوقفه، فعبأ أبو الجون رجال عشيرتهِ وأخرجوه من السجن فكانت شرارة الثورة.

وتزامن مع تلك الحادثة تصاعد الموقف ضدَّ البريطانيين في كربلاء والنجف، سواء من رجال الدين أو أعيان السادة وشيوخ عشائر الفرات الأوسط.

وفي الفرات الأوسط ترشَّحت فكرة الثورة المُسلَّحة وخاصةً في مدينة المشخاب، وانتشرت دعواتهم الى المناطق الأخرى.

أصدر آية الله الشيرازي فتوىً تُجيز الثورة المُسلَّحة، سُمِّيت "الفتوى الدفاعية"، ونصها: "مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم من ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطاليبهم".

يمكن اعتبار (معركة الرارنجية) نقطة تحول في ثورة العشرين وأعظم معاركها، فقد حلَّت كارثة بالقوات البريطانية وغنمت العشائر غنائم كثيرة. وجرت ثورة في شرقي الديوانية "شط الدغَّارة"، ثمَّ انضمت عشائر عفج والأكرع للثورة وجرت معارك القطار التي أربكت القوات البريطانية، فلم تستطع القوات البريطانية المُنسحبة من الديوانية الوصول إلى الحلَّة إلاَّ بعد أحد عشر يوماً، علماً أنَّ المسافة كانت (85) كيلو متراً. وهذا يؤشر حجم المواجهة والمقاومة وبسالة المقاتلين، ولكن تعرض المقاتلون لنكسةٍ أثناء الهجوم على الحلَّة ما إدى إلى تراجعهم وتقديم تضحياتٍ كثيرة. ومن جانبها واصلت عشائر بني حجيم القتال ضمن محور السماوة والخضر، وجرت معارك الخضر والبواخر والمحطَّة. ولا يخفى دور عددٍ من الضباط العراقيين الذين التحقوا بالثوار، ومنهم: حسين علوان الدوري وشاكر القره غولي ومحمود رامز وإسماعيل حقي وفؤاد المدفعي وسامي النقشلي، في تقديم أبرز فنون القتال والمهارات العسكرية، والتي أشار إليها بالتفصيل الدكتور علي الوردي ومعاصرون للثورة.

وأُعلنت الثورة في كربلاء أواخر شهر تموز (25 تموز)، وفي النجف 21 تموز، حيث انسحبت القوات البريطانية بعد إحساسها بغليان الثورة، وفي الكوفة حوصرت الحامية البريطانية وضُربت الباخرة (فاير فلاي) يوم 17 آب، فاحترقت ولم ينتهِ حصار الحامية البريطانية في الكوفة إلاَّ في 17 تشرين الأول1920.

لا يختلف اثنان أنَّ الثورة المُسلَّحة انطلقت من مدينة الرميثة وقبلها بيومين كانت الاستعدادات تجري في المشخاب واجتماعاتٍ في كربلاء والنجف. وأبرز المعارك جرت أولها شمالي الرميثة في منطقة العارضيات، وظلَّت نيران الثورة في السماوة حتَّى 17 تشرين الأول. ثمَّ اندلعت مواجهاتٍ في أبي صخير قرب النجف، فحصار القوات البريطانية في الكوفة وقاده السيد علوان الياسري، ثمَّ توجه الشيخ عبد الواحد الحاج سِكر شيخ عشيرة الفتلة إلى بلدة الكفل ومن ثمَّ للحلَّة.

أمَّا كربلاء والنجف فقد أخلاهما البريطانيون طوعاً، وكانت خطَّة الثوار الاستيلاء على الحلَّة لتكون العشائر على أبواب بغداد، الأمر الذي احتاطت له القوات البريطانية.

امتدت الثورة إلى ديالى في الأسبوع الأول من شهر آب، وقطعت عشائر العزَّة خطوط السكك الحديدية بين بغداد والمناطق الشرقية من البلاد، وشَهِدت مناطق الخالص (ديلتاوه) ثورةً مُشابهة، وساهم السيد مُحمَّد الصدر والشيخ المُجتهد مهدي الخالصي مع أهالي ديالى في مواجهة البريطانيين، ثمَّ هاجمت عشائر بني تميم المقدادية (شهربان) وأصبحت تحت سيطرة الثوار، وامتدت الثورة إلى مناطق كركوك وأربيل.

وساهمت القبائل الكردية بفعاليةٍ في الثورة، ففي 14 آب ثارت القبائل الكردية قرب (قزلرباط)، ثمَّ زحفت باتجاه خانقين ثمَّ كفري ومنطقة النفط خانة.

وامتدت الثورة إلى غربي العراق، ففي 12 آب قُتل ليجمان من قبل ابن الشيخ ضاري شيخ زوبع، ونُسف خط سكَّة الحديد بين بغداد والفلوجة.

وعاود الثوار الأكراد نشاطهم في المناطق الجبلية، وتمركز الأنصار في زاخو والسليمانية، وفي أربيل لم يجرأ الضابط السياسي البريطاني على الظهور في شوارع المدينة إلاَّ بحراسةِ عددٍ كبير من الجنود، وفي شهر أيلول سيطر الثوار على عددٍ من القرى في المنطقة الواقعة بين راوندوز وكفري.

وأدت الصحافة وعدد من كُتَّاب الثورة والمثقفين العراقيين والشعراء دوراً بارزاً في تعبئةِ الرأي العام العراقي، وكان لهم دور بارز في إلهاب حماسة الجماهير.

من ذلك جريدة "الاستقلال" التي صدرت في مدينة النجف والتي أصبحت تحت إدارة ثورة العشرين، وزيَّنت صدر جميع أعدادها بشعار "لا حياة بلا استقلال".

وقبل جريدة الاستقلال النجفية، أسَّس مُحمَّد باقر الشبيبي في النجف جريدة "الفرات"، التي ظهر عددها الأول في 7 آب1920، وكان هدفها "لنُعرِّف الأمة العراقية كيف تكتسب الفضيلة وتجتنب الرذيلة"، ولكنها هي الأخرى توقفت بعد صدور عددها الخامس في 15 أيلول1920.

ولا يخفى ما لجريدة "العقاب" الدمشقية من أثر في تأجيج الرأي العام العراقي وحماستهِ الدينيَّة الممزوجة بالروح الوطنية والقومية.

كذلك جرى اعتماد أسلوب توزيع المنشورات في الشوارع والأسواق أو إلصاقها على جدران الجوامع والأماكن العامة. وعلى الرغم من قصر عمر صحافة ثورة العشرين، إلاَّ أنَّها قامت بدورٍ لافت للنظر.

مستل من بحث طويل نشره موقع الحزب الشيوعي العراقي