من أحداث ثورة العشرين.. ثورة منطقتي (خانقين) و (كفري) الكردية

من أحداث ثورة العشرين.. ثورة منطقتي (خانقين) و (كفري) الكردية

عمر علي شريف

إنطلقت الشرارة الاولى من ثورة العشرين في الرميثة يوم 30 حزيران عام 1920، ثم انتقلت الثورة بفعل السخط الجماهيري العارم الى معظم مناطق العراق الاخرى، وبضمنها منطقة ديالى التي وصلها لهيب الثورة في يوم السادس من آب، فأنخرط فيها عدد من العشائر الكوردية المجاورة، لا سيما عشيرة الدلو وحلفائها من عشائر السورميري والباجلان والكاكايي في خانقين.

وجه ثوار خانقين ضربتهم الموجعة الاولى للمحتلين يوم 14 آب عندما حرروا السعدية (قزلرباط) اولاً، ثم هاجموا مقر الحكومة داخل مدينة خانقين نفسها فأحرقوها، كذلك هاجموا منشآت النفط الانكلو –ايرانية في منطقة نفطخانة وقطعوا خطوط السكك الحديدية بين خانقين وبعقوبة، كما عين خورشيد بك الدلو حاكماً على خانقين واطلق سراح الموقوفين ووزعت موجودات المخازن الحكومية على المواطنين واشيع الامن والاستقرار في المدينة التي هرب منها معاون الحاكم السياسي (الكابتن ماترسرون) وزوجته الى قصبة قورتو المجاورة، فيما وقع الطبيب الانكليزي أسيراً بأيدي الثوار.

ولمعالجة ذلك الوضع الخطير بالنسبة للانكليز، سارعوا الى اتخاذ اجراءات عاجلة لاحتواء الانتفاضة ودرء تهديدها لخطوط مواصلاتهم مع ايران، فأرسل الكولونيل لاكين (المشرف على هذه الجبهة) قوة لهذا الغرض، لكن الثوار تمكنوا من التصدي لها، وفي 16 آب شن الثوار هجوماً واسعاً على القوات البريطانية المتمركزة في محطة قطار خانقين، فكلفهم ذلك دماء 15 شهيداً.

ثم اضطر الانكليز الى جلب تعزيزات عسكرية اضافية من داخل الحدود الايرانية، فضلاً عن استعانتهم برجال العشائر الموالية لهم هناك، فوفقوا في احتلال بعض القرى المحيطة بخانقين يوم 19 آب ثم الدخول الى المدينة نفسها في اليوم التالي (اي 20 آب) وتبعاً لذلك فرّ الكثير من الأهالي باتجاه الاراضي الايرانية (ضمن قصر شيرين)، بينما طالت اعمال القمع والانتقام والتنكيل المتبقين من الاهالي داخل مدينة خانقين.

ورغم الصعوبات الكثيرة التي واجهت الثوار المنسحبين من خانقين، فأنهم سارعوا بتنظيم صفوفهم وتعزيز قواتهم عدداً وعدة تمهيداً لمواجهة العدو، فهاجم 300 مسلح منهم القوات البريطانية المنهمكة باصلاح الخط الحديدي بين خانقين والسعدية التي أنقذتها الامدادات العاجلة القادمة من خانقين، فأضطر الثوار للانسحاب بعد ان سقط منهم حوالي 40 شهيداً.

عموماً ساعدت الظروف الانكليز في بسط سيطرتهم تدريجياً على كل أرجاء خانقين، وبالاخص عقب اعتمادهم المتزايد على مسلحي العشائر الايرانية الموالية لهم (من السنجاويين والكلهر تحديداً) الذين اطلقت أياديهم لنهب وسلب كل ما يستطيعون.

وأخيراً لم يبق امام الثوار، بفعل ضغوطات المحتلين وعملائهم، سوى اللجوء الى المناطق الحدودية الوعرة والتحصن هناك بانتظار العبور الى الجانب الايراني، لكن المؤامرات توالت ضدهم فأصابتهم احداها بضربة موجعة، حين تمكنت شرذمة من العملاء من اغتيال كوكبة من الثوار وبضمنهم الثائر الشجاع كريم خسرو بك الدلو (ابن عم خورشيد بك القائد العسكري للانتفاضة).

واذا كان الانكليز قد أفلحوا في بسط سيطرتهم على خانقين مجدداً، فأنهم سرعان ما صدموا بانتفاضات جريئة اخرى شهدتها منطقة كرميان، أرض البطولة والفداء، فقد إنتفض أبناء مندلي كورداً وعرباً وتسلموا زمام أمور مدينتهم (بأشراف موسى أفندي) قبل ان يحتلها الانكليز مجدداً.

كذلك إندلعت الانتفاضة في طوزخورماتو بقيادة الثائر رفعت اسماعيل بك الداودي المعروف بعدائه الشديد للاحتلال البريطاني وولائه الكبير للمجاهد الشيخ محمود الحفيد الذي كان رفعت يروم اطلاق سراحه واعادته من منفاه بالهند عن طريق الضغط على الانكليز، وكان بينه وبين ابراهيم خان الدلو في كفري تخطيط مسبق بهذا الشأن.

ففي 20 آب 1920 تمكن رفعت بك واتباعه من أبناء قبيلته وباسناد ودعم قبيلتي البيات والسائح المتحالفتين معه من تحرير بلدة طوزخورماتو واخضاعها لسيطرتهم التامة، حيث انزلوا العلم البريطاني وألفوا مجلساً محلياً (برئاسة رفعت بك) اضطلع بتسيير شؤون مدينتهم.

اما كفري الناقمة على الاحتلال البريطاني والمتأهبة للانفجار في اية لحظة فانها كانت متأثرة بأنباء ثورة العشرين ونجاحاتها في وسط وجنوب العراق والتي كانت تصلها عبر الخالص مع كثير من المبالغة والتهويل، وكان لاحداث خانقين تأثيرها المباشر على الوضع في كفري، خاصة وان أبناء الدلو الموزعين على هاتين المنطقتين كانوا يشكلون قوتين بارزتين جداً في الانتفاضة هنا وهناك، حيث اشارت بعض المصادر الى وجود اتفاق مسبق بين فرعي العشيرة بصدد اعلان الانتفاضة معاً، كذلك تركت انتفاضة طوزخورماتو وتأثيرها الكبير في كفري وخاصة في ظل العلاقة الوثيقة بين قادة الانتفاضة في كلتا المنطقتين الجارتين.

مع انبلاج فجر 22 آب أنطلقت الشرارة الاولى للانتفاضة التي قادها ابراهيم خان الدلو على رأس عشيرته وباسناد ودعم كبيرين من جانب عشيرتي الروغزاي والترخاني المتحالفتين معهم (وهما من أفخاذ قبيلة الجاف)، ومع دوي الرصاصات الاولى التي أطلقها الثوار المتحصنون في جبل باوه شاسوار المطل على كفري من الشرق، وهم يوجهون فوهات بنادقهم نحو مركز الدرك اسفل الجبل، ساد الحماس والبشرى سكان كفري الكادحين من الكورد واخوتهم التركمان الناقمين على ظلم وتعسف المحتلين عامة ومعاون حاكمهم السياسي في كفري الكابتن سالمون ومساعده وأعوانهم المحليين خاصة، وقد سبقت الانتفاضة هذه، اعمال ثورية جريئة نفذها السكان الثائرون في القرى الواقعة غربي كفري بالضد من معسكر كنكربان وعلى طول الخط الحديدي المارّ هناك.

ونتيجة لذلك سارع الكابتن سالمون ومعه بعض وجهاء كفري، بالتوجه الى جبل باوه شاسوار بقصد اقناع ابراهيم خان بالعدول عن انتفاضته، لكن ابراهيم خان أمر باحتجاز سالمون وإرساله أسيراً الى قريته (ئاواي ابراهيم خان) بعده بدأ الهجوم المرتقب على كفري من ثلاثة محاور، وعقب قتال استمر بضع ساعات تكبد فيه المحتلون عدداً من القتلى والجرحى، تحررت المدينة كاملة، فتم تشكيل ادارة مؤقتة للمدينة برئاسة ابراهيم خان وعضوية قادة الثورة، وفتحت الدوائر ابوابها لتمشية أمور المواطنين ووزعت عليهم المؤن التي تم الاستيلاء عليها.

وعقب فشل المحاولات العاجلة التي بذلها الانكليز بهدف السيطرة على كفري مجدداً ونجاح الكمين الذي نصبه فلاحو القرى الجنوبية والغربية على الخط الحديدي واستيلائهم على القطار القادم من جلولاء والمحمل بالامدادات والذاخائر لمعسكر كنكربان ثم اشعالهم النار فيه، اضطرت سلطات الاحتلال الى التفاوض مع ابراهيم خان عبر وسيطين من الجانبين.

عرض المحتلون على ابراهيم خان مبلغ 50 ألف روبية ومنصب قائممقام كفري لقاء اطلاق سراح سالمون وايقاف الانتفاضة، لكن المفاوضات فشلت في ظل اصرار ابراهيم خان على اطلاق حرية الشيخ الحفيد واعادته من المنفى اولاً، فلجأ الانكليز الى استخدام القوة مجدداً، الا ان هجومهم الواسع الذي شنوه من كنكربان و المدعوم من حلفائهم المحليين، انتهى بهزيمة مريرة كلفتهم عشرات القتلى والجرحى بضمنهم عدد من الهنود، فيما بلغت تضحيات الثوار 7 شهداء، وبتأثير الشائعات الواردة بشأن اسشهاد ابراهيم خان، تمت تصفية الكابتن سالمون (المحتجز) من قبل حارسه قليل الصبر رشيد محمد سنجان والذي تعرض الى عقاب وتعنيف قائد الانتفاضة، لكن بعد فوات الاوان.

وبالنظر لخطورة وجسامة تلك الاحداث بالنسبة للانكليز، فقد نشط حاكمهم السياسي في كركوك (لونكريك) بتحشيد قوة عسكرية كبيرة مدعومة من العشائر المتحالفة معهم، بهدف احتلال كفري وطوزخورماتو ثانية، فأنطلقت القوة المذكورة من كركوك (وهي بأمرة الميجر مولوي) نحو طوزخورماتو سالكة طريق ليلان –قرحسن، فتصدى لها في الطريق الشيخ قادر سيا منصور واتباعه، لكن الطائرات البريطانية تدخلت في المعركة فشتت قوات الشيخ المذكور واحرقت قراه، وعندما وصلت القوة المهاجمة مشارف طوزخورماتو في اليوم التالي، أرسلت تحذيراً شديداً للثوار بوجوب اخلاء البلدة، ولان الثوار آثروا المقاومة والتحدي بشجاعة، فقد دارت على الفور معركة شرسة استخدم فيها العدو طائراته ومدافعه الثقيلة لقصف طوزخورماتو بعنف.

فسقطت البلدة الجريحة وانسحب الثوار منها بعد تكبدهم 44 شهيداً والكثير من الجرحى، وهم من ابناء الداودي والبيات والسائح الذين امتزجت دماؤهم الزكية في دروب وازقة طوزخورماتو التي شهدت يومئذ صورة رائعة من التلاحم النضالي بين الكورد والتركمان والعرب.

واصل المهاجمون سيرهم باتجاه كفري، وهم يحرقون وينهبون القرى الواقعة على طريقهم، الى ان التم شملهم مع سائر حلفائهم من آغوات المنطقة، عند معسكر كنكربان غربي كفري.

وهكذا بدأت الاستعدادات لاقتحام كفري على غرار شقيقتها طوزخورماتو، فبدأت الطائرات تحوم على ارتفاع منخفض لتحديد مواقع الثوار وسرعان ما انهالت حمم القذائف على الثوار في باوه شاسوار وبدأت الرشاشات تصلي البيوت والطرقات داخل كفري، فيما تصاعدت السنة اللهب والدخان الاسود من القرى المحيطة بكفري شرقاً وغرباً، فكانت كل الدلائل تنذر بأن كفري تواجه مصيراً أمر واحلك من طوزخورماتو، وحفاظاً على أرواح المواطنين وممتلكاتهم عقد ابراهيم خان ورفاقه اجتماعاً مع وجهاء كفري قرروا فيه الانسحاب من هناك، فتوجه ابراهيم خان وبعض رفاقه باتجاه المناطق الوعرة شرقاً، فيما سار جمع كبير من الدلو بصحبة (ويسي بك) صوب جبل حمرين، وبهذا أصبح الدرب سالكاً امام العدو لاحتلال المدينة مجدداً، فدخلوها أوائل شهر ايلول (المرجح يوم 10 أيلول) فتواصلت الاعتقالات والمطاردات واعمال القمع والنهب وحجز الممتلكات بحق السكان المشاركين في الانتفاضة ردحاً من الزمن. وبعدما أيقن ابراهيم خان بعدم جدوى فكرته باعادة الانتفاضة مجدداً انطلاقاً من المناطق المتاخمة لكفري، قرر الرحيل شمالاً صوب ديار الداودي في طوزخورماتو لكن الظروف حالت دون تحقيق مسعاه هناك ايضاً، فقرر اجتياز التلال الموجودة هناك والتوجه جنوباً نحو ديار البيات، ومنها الى حمرين وقومه اللاجئين هناك، هكذا وصل ابراهيم خان ورفاقه قرية تل شرف، العائدة للبيات مطلع كانون الثاني 1921، فشاءت قدرة الباري ان تكون ليلته هناك آخر ليلة في حياته، حيث توفى متأثرا بأعراض الحمى التي اشتدت عليه، فدفن جثمانه في مقبرة قرية (عمر مندان) وسط موكب مهيب ضم المئات من الفرسان الكورد والعرب والتركمان، بعدئذ نقل رفاته الى جبل حمرين لحمايته من نكاية وعبث العملاء الحاقدين، فظل يشمخ هناك بذكرى بطولاته ومفاخره ومآثره.