نص نادر.. جريدة (الأستقلال) النجفية، جريدة ثورة العشرين

نص نادر.. جريدة (الأستقلال) النجفية، جريدة ثورة العشرين

رفائيل بطي

إعداد: ذاكرة عراقية

ارتأى فريق من الثوارفي ثورة العشرين أن يؤسسوا "مكتبًا للدعاية والأخبار" خاصًّا بالثورة العراقية وإصدار جريدة تعاون أغراضها، وكان محمد عبد الحسين قد جاء النجف الأشرف من بغداد بنيَّة المساهمة بالثورة عن طريق الصحافة،

فقدَّم يوم ١٥ أيلول (سبتمبر) سنة ١٩٢٠ طلبًا إلى قائمقام النجف الذي نصبه المجاهدون السيد نور عزيز الياسري بأنه يروم إصدار جريدة باسم "الاستقلال"، وصفاتها جريدة سياسية اجتماعية تُنشر أربع مرات في الأسبوع، وهو يرجو منحه الامتياز بذلك.

فأجابه القائمقام بأنه: "اجتمع "المجلس البلدي" وتذاكر مع "المجلس العلمي" — وهما من تشكيلات حكومة الثورة — فقررا في ١٨ أيلول (سبتمبر) سنة ١٩٢٠ الموافقة على طلبكم على أن لا تُخالف جريدتكم مبادئ الثورة المقدسة."

وكان الشيخ علوان الحاج سعدون من أقطاب الثورة قد اقترح على عبد الحسين تسمية جريدته "الثورة"؛ لأنه اسم تاريخي، ولا يستطيع صحافي أن يحصل عليه إلا في هذه الظروف، ولكنه رفض هذا الاقتراح؛ لأنه عندما كان في بغداد وابتدأت المفاوضات السلمية تقدم بطلب إلى حكومة الاحتلال بالاشتراك مع عبد الغفور البدري بإصدار جريدة باسم "الاستقلال" فرفضت السلطة المذكورة طلبه، فجاء النجف مصممًا على تحقيق رغبته من رجال الثورة الوطنيين.٢

ولما فاوض الصحافي صادق الكتبي ليطبع "الاستقلال" في مطبعته رفض رغمًا عما أغراه به من الأجور الحسنة، فراجع صاحب الجريدة القائمقام، فأوعز هذا بوضع اليد على المطبعة حالًا لحاجة الثورة إليها في أغراضها، فصارت تطبع الجريدة.

ظهرت جريدة "الاستقلال" في ٣ تشرين الأول (أكتوبر) في النجف كما أناطت قيادة الثورة بمنشئها إدارة "مكتب الدعاية والأخبار" الذي أسسته، وعين رجلان من أنشط الضباط لتتبع شئون الثورة وأخبارها، وتزويد مكتب الجريدة بها، وهما "ناجي حسين" و"جميل قبطان"، وكان من حُسن حظ المكتب أن ظفر بغنيمة باردة أطلعته على الشيء الكثير من خطط العدو؛ وذلك أن الطائرة التي ألقت البريد على فصائل الجيش الإنكليزي المحصورة في نقطة الكوفة لم تستطع أن تلقيه على مكان هذه القوة بالضبط، بل وقع قريبًا منها فاستولى عليه الأهلون فحملوه إلى مكتب الجريدة والدعاية، فأمدهم بمعلومات كانوا يحتاجون إليها.

واستعداد المطبعة وقلة الورق لم يمكنا جريدة "الاستقلال" من الظهور أربع مرات في الأسبوع كما أرادت، وكتب الجانب الأكبر منها صاحبها ومدير سياستها يعاونه عبد الرزاق الهاشمي، وهو من محرري مجلة "اللسان" التي ذكرتها آنفًا.

كتبت في افتتاحية عددها الأول:

لقد آلمنا خلو البلاد من الصحف الوطنية وعدم اهتمام الكتَّاب وحملة الأقلام بها في هذه الأيام الحرجة، فدفعتنا الوطنية إلى إصدار جريدة "الاستقلال" لتردَّ أضاليل المحتلين وتهمهم وتنشر مظالمهم البربرية، وترفع الستار عن حقيقتهم، وتوضح مطالب الأمة المشروعة لدى العالم وتنشر أنباء المعارك والحوادث المحلية، وتوقف الأمة على الحالة السياسية التي يتبدل مجراها كل حين، وتريها مستقبلها الذي يتراءى من خلال الحوادث الجارية، وتوضح لها السبل التي يتحتم سلوكها لبلوغ الغاية المقدسة، وتنقد أعمالها لتوقفها على النافع منها والضار شأن الجرائد الكبرى الحُرة في البلاد الراقية، ولكن كيف يتأتى ذلك ونحن على ما نحن عليه من قلة العُدَّة والوسائل؟

وقد قاسى محررو جريدة "الاستقلال" بعض ما يعانيه صحفيو أوروبا وغيرهم في خلال الحروب، حيث كانوا يكتبون أحيانًا تحت أزيز القنابل التي ضربت النجف.

وتعرضوا لمراقبة حكومة الثورة وإنذار ممثلها والي كربلاء السيد محسن أبو طبيخ؛ إذ كتب يومًا مقالًا افتتاحيًّا عنوانه: "الشتاء على الأبواب ماذا أعددنا لتطمين حاجة الثوار في ميدان القتال؟" ومما ورد فيه:

ها قد حلَّ الخريف وبدت طلائع جيش الشتاء قارس، وتلبَّدت الغيوم فما هو واجبنا؟ وما عسانا عاملين؟ إذا هاجمتنا الرياح والعواصف وصبت السماء رحمتها، ونحن لم نتخذ وسيلة تحمي الجيوش العربية المرابطة أمام العدو من برد الشتاء، ولم نُبْدِ اهتمامًا كبيرًا لما سيحيط بها في هذا الفصل، ونحن في وضع يستلزم الاهتمام في أمر المجاهدين وتهيئة أسباب راحتهم.

فلم يكن من والي كربلاء المذكور إلا أن وجه إلى الجريدة بعد اطلاعه على هذا المقال هذا الإنذار مؤرخًا في ٨ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٩٢٠:

إلى صاحب جريدة الاستقلال

إن مقالكم المنشور في جريدتكم تحت عنوان: "الشتاء على الأبواب"، مما يثبط عزم المجاهدين ويقلل من معنوياتهم، كما يعطي للعدو إحساسًا بضعف الثوار، وعليه ننذركم بهذا بلزوم عدم نشر كل ما يوحي بالضعف أو يدل على ذلك.

ونقل إلى صاحب الجريدة محمد عبد الحسين أن الهيئة المشرِفة على شئون الثورة لم تشايع والي كربلاء في رأيه فاعترضت عليه بكتاب رسمي.

وإليكم نموذجًا من وصف جريدة الاستقلال لحصار الجيش الإنكليزي في الكوفة وعنوانه "الحصار في الكوفة أو مقبرة الأعداء":

لا يخفى أن جيش الأعداء المحصور في الكوفة قد اضمحل أكثره وتلاشى جوعًا وقتلًا، رغمًا عن اتخاذه لكل وسائل الاحتفاظ، وتأكد بأنه استولى على البقية الباقية منه الضعف والوهن، كما استولى عليه القنوط واليأس فأصبح وهو أسوأ حالًا من ذي قبل.

ضاقت دائرة حصاره واشتد عليه الخناق فبات وهو في دائرة أضيق من جحر الضب، هي محل سكناه ومقبرة أصحابه وإصطبل خيله وبغاله، وتتخللها الرياح من جيف قتلاه المتصاعدة من أشلائهم الخبيثة. وقد استعد للموت فشق في أطراف تلك الدائرة أخدودًا يلتجئ إليها ويحتمي بها من القذائف، ومن مرميات مدافعنا الضخمة التي ما برحت تصب عليه العذاب صبًّا، وإذا أمعنت النظر في تلك الملاجئ التي اتخذها العدو ترى أن زعيم هذا الحصار قد اختار له ولأصحابه محل الحصار مقبرة يقبر بها تلك الجثث الأثيمة، ولقد جنى على نفسه وعلى جيشه المحصور جناية لا تُغتفر.

قام المدافعون عن حقوقهم والناهضون في طلب استقلالهم فشددوا عليه الحصار حتى نفد ما عنده من مواد الغذاء، وانقطع رجاؤه من كل نجدة أو سبب يخلصه من تلك الورطة التي وقع بها.

وأي نجدة تنقذه وقد تقلص نفوذ حكومته الجائرة من العراق حتى أصبحت أشغل من ذات النِّحْيَيْنِ بسبب ما انتابها من رجال النهضة وزعمائها، التي انتقضت عليها من كل مكان ومن كل جهة تطالب بحقها الصريح، وتدافع بنفوسها ونفسها عن استقلالها الطبيعي بشعور يتوقد غيرة وحماسًا، يمثل الشدة والبأس، ويظهر للملأ الحمية العربية وكيف تدافع عن وطنها المحبوس، فتفديه بأرواحها.

أكرم بهذا الشعور الحسَّاس الذي أدهش العالم الأوروبي، وأكرم بتلك الهمم الشماء.

ولقد ارتأى الزعماء المحترمين الناهضين لتطهير بلادهم من رجس الاحتلال بأن ينظموا جيشًا من المتطوعين، ويؤلفوا قوة نظامية على قواعد مخصوصة. وقد خصصوا بذلك كل ما يقتضي من اللوازم والمعدات وقرروا بتشكيل قوة الدرك في النجف والكوفة، وستظهر إلى حين الوجود على أحسن طرز.

ثم خمدت الثورة بعد قليل فتعطل "الاستقلال"، ولم يفت العدد الثامن وهو رقم صغير، ولكن عمل الجريدة وأثرها كبيران في تاريخ الكفاح والاستقلال.

عن كتاب (الصحافة في العراق)