كاداريه.. كونديرا وآخرون.. كتّاب ضد هواة الأرشيف

كاداريه.. كونديرا وآخرون.. كتّاب ضد هواة الأرشيف

سعيد خطيبي

"حكاء مُعاصر يستعير من التاريخ قصصاً عن واقعنا" هكذا يمكن أن نختصر إسماعيل كاداريه (1936) الذي لم يكتف بمهنته كاتبا، بل انخرط في أسئلة راهنه، في دحض أساطير الاستبداد، في إحراج أنور خوجة، الذي تسيد ألبانيا أكثر من أربعة عقود،

وفي الدفاع أيضاً عن لغة الأقلية، نقصد منها اللغة الألبانية (التي لا يتكلمها أكثر من ثلاثة ملايين شخص) بأن فرشها على خريطة الآداب العالمية، نظير الترجمات الواسعة التي حُظيت بها رواياته، بما في ذلك ترجماتها إلى العربية. فلا تُذكر ألبانيا دون أن يتصل بها إسماعيل كاداريه، ولا مناص من فهمها من غير العودة إليه. هكذا كان نجم البلاد الأول، أكثر شهرة من حكامها، لكن كاداريه الذي يدنو من عمر التسعين بات يجد نفسه في حالة حرجة، فقد عادت قبل أيام، قضية ظن الناس أن التاريخ قد نسيها. والأمر يتعلق بعلاقته الملتبسة مع الحزب الشيوعي أيام أنور خوجة، الذي لم يُغادر كرسي الحكم من 1941 حتى وفاته عام 1985.

إلى غاية سنوات قليلة ماضية، كنا نعرف إسماعيل كاداريه بوصفه مناهضاً للشيوعية، التي لم يستثنها من نقد في رواياته، على غرار "قصر الأحلام" مستعيناً بالتاريخ في إسقاط وقائع على ذلك النظام، كما عُرفت عليه خصومته مع أنور خوجة، إثر قصيدة كتبها عام 1975، تحدى فيها نظام ذلك الرجل، حملت عنوان: "في منتصف النهار اجتمع المكتب السياسي". أرسل تلك القصيدة إلى مجلة محلية تدعى "دريتا" لكن المحرر الذي اطلع عليها وشى به، مُنعت من النشر ووصلت إلى أمانة الحزب، ثم بلغ تقرير عنها أنور خوجة، الذي أمر بمراقبة بوليسية للكاتب، الذي نجا من السجن، لكنه لم ينج من التضييق. هذه شذرات من سيرة كاداريه مع نظام سابق، تُظهر كما تُظهر أعماله المنشورة مقاومة للسائد، وهو الذي ظل ـ دائماً ـ يُقدم نفسه ككاتب مُلتزم، مضيفاً أن "الالتزام لا يتعارض مع مفهوم الأدب" لكن منذ فترة قريبة، انقلبت تلك الصورة في أذهان الألبانيين. وعلى الرغم من أن رواياته ما تزال تحقق انتشاراً، فإنه يتعرض لمحاكمات شعبية في وطنه الأم، والسبب ما عُثر عليه في الأرشيف: رسالتان كتبهما إلى زوجة أنور خوجة، عامي 1973 و1982، يلتمس منها التدخل قصد رفع الحظر عن روايته "الشتاء الكبير".

ما يحصل مع إسماعيل كاداريه وميلان كونديرا، في الفترة الأخيرة، يُعيد إلى الأذهان ما حصل، قبل خمس سنوات، مع جوليا كريستيفا، التي وجدت نفسها متهمة بالتعاون مع مخابرات النظام الشيوعي السابق في بلغاريا، باسم مستعار (صابينا) وكتابة تقارير عن منشقين من وطنها يُقيمون في فرنسا.

هذه الرواية تعود أحداثها إلى مطلع الستينيات، من القرن الماضي، وتحكي قطع العلاقات بين ألبانيا والاتحاد السوفييتي. في ذلك الجو المحتدم، يسرد الكاتب تفاصيل الوضع الداخلي في بلاده، وانعكاسات القطيعة مع السوفييت على الحياة العامة. نظام أنور خوجة لم يُعجبه ما كتبه كاداريه، وظلت الرواية ممنوعة، إلى غاية التسعينيات. وبسبب رسالتين وجههما إلى زوجة الرئيس بات الكاتب محل شبهة. لم تكفه آلاف الصفحات التي كتبها عن بلده ـ بحب ـ أمام صفحتين اثنتين التمس فيهما الإفراج عن روايته. هل يصح أن نتنكر للكاتب وتاريخه بسبب ورقتين؟ لكن التهمة الأخرى التي لا تزال تتداولها صحف ـ من غير إثبات ـ تقول إن كاداريه وشى ـ سنوات شبابه ـ بعائلة ألبانية معارضة، وتسبب في سجن أفرادها كلهم. هذه تهمة تجري بين الألسن، دون دليل، لكن الناس يهمسون بها، كما لو أنهم كانوا يترقبون أدنى فرصة من أجل الإطاحة بكاداريه، الذي قضى عمراً في الكتابة عن بلاده، في عصر لم يكن أحد يسمع عنها شيئاً في الخارج، بسبب القبضة الصارمة للنظام الشيوعي. هكذا إذن بات كاداريه متهماً، لا كاتباً ولا مقروءاً في وطنه.

إلى الشمال من تيرانا حيث تجري مُحاكمة إسماعيل كاداريه، عاد هواة الأرشيف إلى الظهور، مرة أخرى، في براغ، من أجل مُحاكمة كاتب آخر هو: ميلان كونديرا. في وسط براغ يوجد مكان يُطلق عليه "معهد دراسات الأنظمة الشمولية" وهو مؤسسة حكومية تأسست عام 2007. يضم الملايين من الصفحات الموروثة عن النظام الشيوعي، في تشيكوسلوفاكيا، سنوات الحرب الباردة. من بين ذلك العدد الهائل من الأوراق، ورقة واحدة أثارت الجدل، وفي كل مرة يود البعض طعن كونديرا يُعيدونها إلى المشهد. تلك الورقة تعود إلى عام 1950، وهي محضر استماع بوليسي، يدعي الشرطي الذي وقع عليه أن ميلان كونديرا قد وشى بشاب يسمى ميروسلاف دفوراتشك، فرّ من الخدمة الإلزامية في تشيكوسلوفاكيا، وأنه سافر إلى ألمانيا الغربية ثم عاد إلى براغ. ترتب عن ذلك الأمر سجن ميروسلاف 14 عاماً بتهمة العمالة. سبق لميلان كونديرا أن نفى التهمة عنه، فهل هي وثيقة مزورة، أم تشابه في الأسماء؟ كما إن فاتسلاف هافيل (الذي حكم التشيك عشر سنوات) وقف إلى جانب الكاتب، نافياً التهمة التي وُجهت إليه. إذا كانت وثيقة حقيقية فلماذا لم يستغلها نظام تشيكوسلوفاكيا السابق، في إدانة الكاتب، عقب هجرته إلى فرنسا وتحوله إلى معارض صلب ضده؟ مع ذلك لا يبدو أن الأمور قد خمدت، فقد عادت تلك الوثيقة إلى الواجهة، ودخلنا شوطاً آخر من محاكمة كونديرا، الذي أعيدت إليه الجنسية التشيكية قبل عامين ونصف العام، فظننا أن مشاكله قد انتهت، لكنها سرعان ما عادت. وكحال إسماعيل كاداريه، يجد نفسه وحيداً في مواجهة محاكمة شعبية، بناءً على ورقة واحدة من ركام الأرشيف. في تلك اللحظة التي يشهر فيها خصومه ذلك التقرير البوليسي، الذي يتهمه بالوشاية، ينسى الناس في التشيك كل التركة الأدبية لكونديرا، كل نضالاته وما تعرض له من نفي ومتابعات من طرف النظام الشيوعي، ويصير مذنباً لا كاتباً، خصماً لا مواطناً. وعلى الرغم من تجاوزه سن التسعين، فلا أحد يود الرأفة بهذا الرجل، الذي يود البعض محو كل ما كتب من أجل ورقة من بضعة أسطر، لسنا متأكدين من صدقها.

ما يحصل مع إسماعيل كاداريه وميلان كونديرا، في الفترة الأخيرة، يُعيد إلى الأذهان ما حصل، قبل خمس سنوات، مع جوليا كريستيفا، التي وجدت نفسها متهمة بالتعاون مع مخابرات النظام الشيوعي السابق في بلغاريا، باسم مستعار (صابينا) وكتابة تقارير عن منشقين من وطنها يُقيمون في فرنسا. نفت كريستيفا التهمة عن نفسها، وطويت الحكاية لكن لا شيء يضمن ألا تعود تلك الحكاية إلى المشهد مرة ثانية. هكذا إذن الحال مع أنظمة المعسكر الشرقي، لم تنته بسقوط جدار برلين، بل إنها ترسكل نفسها، وفي كل مرة نسمع أن هواة الأرشيف قد استخرجوا وثيقة من بين أكوام الورق، ويتهمون كاتباً دون إقناع. كذلك الحال مع الكاتب والصحافي البولوني الشهير ريتشارد كابوشينسكي (1932-2007) الذي رغم أنه قد غادر عالمنا، فالتهمة لا تزال تدور بين الأفواه، بالقول إنه تعامل مع أمن بلاده، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، في التجسس على كتاب آخرين. والغريب أن هذه التهم المُتشابهة في ما بينها، ذات المصدر الواحد، تتوجه إلى كتاب فقط، دون غيرهم من شرائح المجتمع الأخرى. كما لو أن صفة كاتب إنما هي صفة مشكوك فيها، كما لو أن الناس في بلدان شيوعية سابقة لا يصدقون أن ينجح واحد منهم خلف الحدود، فيبحثون عن تهمة له بالتواطؤ، كما لو أنهم لا يؤمنون بالنجاح الفردي، وأن أي كاتب وصلت كتبه إلى لغات أخرى لا بد أن له يدا ناعمة في مصافحة الأنظمة السياسية المنتهية، أو هكذا يظنون!

· عن القدس العربي