قاسم محمد.. ساحر المسرح

قاسم محمد.. ساحر المسرح

علي حسين

يقف قاسم محمد على قمة هرم المشهد المسرحي العراقي جنباً إلى جنب مع ابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وبدري حسون فريد وجاسم العبودي من الذين صنعوا حاضر المسرحية العراقية من دون ان نغفل بالتأكيد الدور الكبير الذي لعبه كتاب من امثال يوسف العاني، طه سالم، عادل كاظم ونور الدين فارس. منذ عمله الأول عام 1969 النخلة والجيران اختط قاسم محمد لنفسه منهجاً سار عليه وهو التطلع نحو شكل جديد للعرض المسرحي..

هذا التطلع جعل قاسم محمد (شيطان المسرح) كما أطلق عليه غائب طعمة فرمان واحدا من ابرز الفاعلين في الحركة المسرحية العراقية.. فحين نتحدث عن المسرح يكون هو الحاضر الفاعل يقفز إلى الذهن بسرعة البرق وكان سر نجاحه الدائم حيويته وديمومته الفاعلة الحاضرة في ثنايا المشهد المسرحي العراقي التي خلق من تفاصيلها ووقائعها أشياء صارت أوراقاً ملونة في دفاتر الثقافة العراقية.

منذ النخلة والجيران وأعمال قاسم محمد لما تزل تزهو في الذاكرة والعيون، فاعمال مثل النخلة والجيران وحكاية الرجل الذي صار كلباً، ونفوس، وبغداد الأزل، وأنا ضمير المتكلم،مجالس التراث، رسالة الطير وكان يا ما كان، وولاية وبعير، الملحمة الشعبية ارتبطت بحاضر المسرح العراقي بحبل سري لا تفصله قوة مهما عظمت.

قاسم محمد عندما تشاهده في الحياة أو في المسرح لا تجد ثمة فواصل كبيرة بينك وبينه، وحين يتحدث إليك يبقى الكثير من كلامه عالقاً في الذاكرة، لقد تفتح عقل هذا الفنان المثابر منذ بداياته على ثراء الشعب فأكسبه ذلك يقظة البساطة وعفوية اللمحة ودقة التشخيص وكفاية الكلمة وسعة الحركة التعبيرية فامتزجت موهبته كمخرج مع قدراته كمؤلف لتجعل منه فناناً بالكلمة والحركة.

وهو كفنان استطاع ان يجعل شخصيات مسرحياته شخصيات نموذجية لا تمثل اشخاصاً بذاتهم وانما تمثل جوانب مختلفة من النفس البشرية أو تيارات متباينة من تيارات الحياة يستوعب كل منها عدداً كبيراً من الناس اذ تعمق في تصويرها واعطائها صفات جديدة متميزة من دون ان يقوده ذلك إلى المبالغة والتهويل، وهو لم ينقل الواقع كما تنقله آلة التصوير برغم ان موضوعاته واقعية جداً وانما اختبر هذا الواقع وتعمق في فهمه ورسم لنا اشد جوانبه إثارة ودقة واصدر عليه حكماً قاسياً جعله موضوع السخرية والضحك.

قاسم محمد مؤلف ومخرج وفنان متعدد الجوانب ولا يمكن لأي كلمة مهما كانت ان تفيه حقه..

مايسترو المسرح العراقي الذي غاب في سنواته الاخيرة بعيدا عن وطنه وعن أزقة وأمكنة عشقها فأصر ان ينقل نبضها على خشبة المسرح. يغيب عن خشبة المسرح وهو يحلم بفضاء خال يؤثثه الإنسان روحا وجسدا.

نعيد ذكرى قاسم محمد ومسرحياته التي كتبت قبل زمن ومر زمن عليها وطوى الموت مبدعها لكنها ظلت شاهدة على زمانها وعلى قولها المسرحي الصحيح، والقول الصحيح لا يعكس زمنا ويغيب فيه ولا يكتب لحظة عابرة.. انما يكتب مشاهد لا يمحوها النسيان.

قاسم محمد شاهد على عصر ستظل شهادته وثيقة تتناقلها الأجيال من بعده.. وثيقة تحكي نضالات الإنسان العراقي وإصراره على الوقوف بوجه الظلم والتخلف.